]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كتابُ الطغيان

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-03-18 ، الوقت: 21:41:03
  • تقييم المقالة:

 

كتابُ الطغيان

 

محمد الحداد   العراق   

صوتان لابدَّ منهما معاً لصناعةِ طاغية..صوتُ شعبٍ خانعٍ منافقٍ ..وصوتُ شيطانٍ بشريّ يُرادُ ترقيتهُ لمرتبةِ طاغية...صوتان.. أحدهما يخلقُ الآخر ويطيلُ بقائه....خلطة الطغيان الجاهزة..هذهِ أهم مكوناتها....كلماتٌ تقفُ إزاءَ كلماتوجهاً لوجه..شعارٌ يُغازلُ شعاراً..على فراشِ السياسةِ الساخن...ذلك ما كان يحصلُ دائماً في كلِّ محطاتِ التاريخِ الطويلة...

الطغيانُ البشريُّ هذا خروجٌ صارخٌ عن البداهةِ الأخلاقية...جنوحٌ بشريّ شاذ نحو مستنقعٍ شيطانيٍّ آسن..انحرافٌ بيّنٌ عن صميمِ الفِطرةِ الإنسانيةِ السليمة عِبرَ مسارها القويم..رغم تكرارهِ في التاريخِ كفعل..كحدث...هو ابنٌ غيرُ شرعيّ..تُنجبهُ الشعوبُ والأممُ بلحظةِ ضعفٍ في غفلةٍ من الزمن..وليدُ خَوَرِها وكسلها..لكنهُ يَعقّها فورَ ولادتهِ ويَبرُّ بيئتهِ النتنةِ التي تحتضنهُ بعد ذلك وتشدهُ إلى أرضها القلقةِ حتى آخر أنفاسه. 

للطغيانِ هذا دورٌ غامضٌ ومُحيّرٌ في صيرورةِ التاريخ.. بتشكلٍ أو انزياحٍ..حينما يخطَّ بقلمهِ العتيد سِيَراً وأحداثاً ومصائرَ مثلما يُريد ..حينما تتشكلُ على يديهِ خرائطُ جديدةٍ يُعيدُ رسمها وِفقَ هواهُ..كم أنشأ الطغيانُ دولاً وهدَّ أخرى؟كم ابتلعَ حضاراتٍ وحواضرَ وأقامَ أخرياتٍ مكانها؟كم أقبرَ أمماً واستعبدَ شعوباً وأقواماً بسِنِّ رُمحٍ أو بنَصلِ سيف؟

لكنَّ خلو الساحةِ من طاغيةٍ دكتاتور وحاجة الشعوبِ المتعطشةِ إلى صناعتهِ في كلِّ مرة..وشعورها بالوحشةِ والخوفِ كلما تناقصَ منسوبُ تلك الحاجةِ في النفوس..كلُّ ذلكَ تعدهُ الشعوبُ الخانعة أشدُّ خطراً من الطغيانِ نفسه..أخطرُ حتى من طاغيةٍ يُطبِقُ بيدٍ من حديد على رقابهم ومصائرهم..هو مُبرِرٌ خطيرٌ لأنْ تُدمن تلك الشعوبُ ظلماً يسقيهِ لها طغاتهم..مُبرِرٌ لاجترارِ ماضيها الدمويٍّ الأسود كلما لاحَ في الأفقِ أملٌ بغدٍ جديد...قانونُ طغيانٍ غريب ارتضتهُ الشعوبُ مذهباً مقدساً حتى أصبحَ أحدَ أهم مُسلّماتها.

بعد كلِّ تلك الرحلةِ الطويلةِ في دروبِ التاريخ لا زالَ كتابُ الطغيانِ هذا حياً..اختفتْ بعضُ أوراقهِ القديمةِ في ظروفٍ غامضة ..وتساقطتْ بعضها في الطريق..وتهرّأ ما بقيَ منها بانتظارِ ذاتِ المصير..لكنهُ لا زال حياً..يتنفسُ بقاءهُ بعونٍ مِمَنْ يحرصونَ إلى اليومِ على أن لا ينفذَ ما تبقى فيهِ من كلمات..يمدونَ لهُ ألفَ مُسوّغٍ ليُطيلوا من أمدِ بقائه..ويحاولون أنْ يُسَطّرواَ فيهِ صفحاتٍ أخرى جديدة..صراعٌ قديمٌ جديد يُنافحُ الجميعُ فيهِ أقداراً غامضة من أجلِ البقاء..لا عجبَ بعد ذلك إذن أنْ تبقى صفحاتُ كتابِ الطغيانِ هذا مقدسة في منطقتنا العربية..

لكن ماذا لو قرأنا هذا الكتاب بعيونٍ أخرى؟رغم ما فيهِ من قبحٍ وقسوةٍ وظلمٍ ودم؟لِمَ لا نتأملهُ جيداً؟لا نعني بالطبع تلكَ القراءة التي تنظرُ إليهِ من زاويةٍ ضيقةٍ كأنطولوجيا تاريخية تقليدية..ولا قراءة إسقاطية بنياتٍ جاهزة تتعاطى معهُ كمنهجٍ دمويٍّ محض إستقى وقودَ حركتهِ من تلكَ الدماءِ التي أراقها في طريقهِ فحسب...بل ندعو إلى قراءةٍ جديدةٍ مُتفحصةٍ تراجعُ ماضي الطغيانِ كلهِ ملياً بعيونٍ تستشرفُ غداً لا طغيان فيه..تفكُّ أسرارَ تركيبتهِ العجيبة..تتتبعُ منابتهُ الأولى وتتفحصُبيئةً احتضنتهُ في كلِّ مرةٍ وأرضعتهُ من أثداءها..قراءةٌ شاملةٌ كهذهِ ستقطع الطريقَ على أحلامٍ مريضةٍ تسعى بخبثٍ لأن تهبَ الطغيان أكثر من مُبررٍ ليبقى... مبرراتٌ تتولى فيهِ الشعوبُ الغارقة بيأسها أن تنصِّبهُ كقدرٍ مُلزم تذلّ لهُ رقابها حتى يكتسبَ فيها صفة خلوده! فالذين اتخذوا من الطغيانِ مذهباً مقدساً عبر التاريخ..لم يكنْ خطرهم مقتصراً على ما أحدثهُ طغيانهم هذا من خرابٍ ودمارٍ فحسب..إنما كان يكمنُ في أنهم صنعوا من الموتِ عقيدة لا تموت..حينما فتحوا لهُ أفواهاً لا تُحصى ابتلعتْ غدهم أيضاً فيما ابتلعتْ..خطرهم الأكبرفي تقديسِ شجرةِ الموتِ العتيدةِ هذهِ التي زُرِعتْ في يومٍ ما ولا زالتْ تثمرُ حتى اليوم سموماً تكفي كلَّ المواسم..و ثمة مَنْ يسهرُ على نثرِ بذورها لأزمنةٍ وأمكنةٍ جديدة...

هنا...يَحقُّ لنا أنْ نتساءل..ألا يصحُّ منطق الطغيانِ هذا أنْ يخضعَ شأن أيّ مرضٍ خبيثٍ لدراسةٍ منهجيةٍ كتلكَ التي نطالبُ بها الآن.. تتوقفُ عند مفردةِ الطغيانِ كظاهرةٍ متكررةٍ في التاريخ؟أليسَ من حقِّ شعوبنا التي ابتُليتْ بسطوةِ طغاتها وظلمهم أن تطالبَ اليوم بدراسةِ ذلك الطغيان عن كثبٍ دراسة أكاديمية مُتفحصة تضافُ إلى مناهجها التعليميةِ والتربويةِ في مدارس وجامعات لا زالتْ إلى اليوم تفتقرُ إليهِ كتخصصٍ مُثيرٍ وجديدٍ؟رغم علمنا أن فروعاً أخرى كان لها مع الطغيانِ قديمهِ و حديثهِ مُقاربات قيمة.. لكنها مقاربات أخطأتْ تصنيفهُ ابتداءً حينما تعاطتْ معهُ كمحضِ تراكماتٍ تاريخيةٍ محتقنةٍ وأخطأتْ ثانية حينما عَدَّتهُ كمُعطى مُلحقٍ بعلميّ النفسِ والاجتماع وتصفحتْ أوراقهُ وِفق هذا الأساس بمنظاريهما لا بمنظارهِ المُستقل بذاتهِ.

بعد ذلك..لنا مع كتاب الطغيانِ هذا ألف خشيةٍ وخشية..نخشى أولا أنْ يظلَّ هذا الكتاب مفتوحاً على مصراعيهِ..نخشى من خلطاتِ طغيانٍ جاهزةٍ جديدةنكادُ نسمعُ اليومَ أصواتَ مناجاتها لبعضها في الخفاءِ والعلن ونشمُّ روائحها تُصنعُ من جديد رغم كلّ ثوراتنا التي أطاحتْ عروشاً عتيدةً وستطيحُ في غدٍ قريب بما تبقى منها..نخشى أنْ يدخلَ كتاب الطغيانِ طغاةٌ جُدد من ذاتِ الأبوابِ التي أدخلتهم منها ثوراتنا الجديدةِ..بأقنعةٍ وثيابٍ لم نرها من قبل..نخشى أنْ نسمعَ مُجدداً أصوات تصرخ:الطغاةُ قادمون! بلبِتنا نخشى على أنفسنا كلما رُمنا أنْ نهتفَ للثورةِ بأصواتنا مخافة أنْ نصنعَ طغاتنا بأيدينا دونَ أنْ ندري!

ماذا يتوجبُ على شعوبنا اليوم أن تصنعَ إذن لتمنعَ كلَّ ذلك؟ما السبيلُإلى ضمانِ غدٍ آمنٍ نطوي بهِ عهدَ الطغاةِ إلى الأبد لينتهوا إلى حيث انتهى كلّ طغاتنا السابقين..محضُ تماثيل شمعٍ بائسة شاخصة في متاحفِ التاريخ تبيعُعِبَراً وعظاتٍ مجانية تتوارثها الأجيالُ وتتأملُ مآلَ طغاةٍ حَوّلوا تاريخنا المعاصر إلى مقبرةٍ هائلة؟كيفيصبحُ كتابُ الطغيانِ هذا أثراً بعد عين؟أسئلةٌ ربما كانت الشعوبُ قبل ذلك تخشى أن تُحدِّثَ بها النفس...لكنها اليوم باتتْ ترددها جَهاراً في كلّ حين.

بجناحينِ من أملٍ وخوف..يُحلّقُ طائرنا في سماواتِ الغد مُحملا بكلِّ تلك الأسئلةِ وبغيرها...أملٌ قديمٌ يحدو بنا لأن نغلقَ يوماً ما كتاب الطغيان إلى الأبد..وخوفٌ جديدٌ من صُنعِ طُغاة جُدد..فإلى أيِّ مصيرٍ سيمضي بنا طائر الغدِ هذا؟وبأيّةِ أجوبةٍ سيعود؟ 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق