]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هدف الخليفة المنصور من فرض مذهب مالك على مجموع المسلمين (3)

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-18 ، الوقت: 04:48:44
  • تقييم المقالة:

 

لقد تعاون الإمام مالك مع الحكم العباسي لاحتواء الإمامين سفيان الثوري وأبي حنيفة ودخل في صفه بعد الفتنة وإخماد ثورة النفس الزكية ودوَّنَ لأجل أهداف سياسية كتابه الموطأ، رغم أنه كانت توجد في ذلك الوقت كتب فقهية على نمط كتاب الموطأ مثل موطأ أبي ذئب وغيره، ولكن السر لا يكمن في أن الدولة كانت في حاجة ماسة إلى معرفة المسائل الفقهية بقدر ما كان الهدف هو وضع كتاب مثل موطأ مالك لخدمة مصلحة الدولة العباسية السياسية، والذي يدرس سيرة الإمام مالك يكتشف أنه قبل أن تشترى ذمته الحكومة العباسية لم تكن له مكانة تذكر، ولم يكن من العلماء البارزين في المدينة، وأن والده أنس كان ثقة، ولكنه لم يكن معروفا بين العلماء ولا أن التاريخ تناول شيئا من حياته، وروايته للحديث قليلة.

 

يقول أبو بكر الصنعاني كما جاء في تاريخ بغداد: " أتينا أستاذ مالك وعلمه (ربيعة الرأي) فكنا نستزيده، فقال لنا: " ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق ؟". فأتينا ربيعة، فقلنا: كيف يُحظى بك مالِك، ولم تُحظ أنت بنفسك؟ فقال: " أما علمتم أن مثقالا من دولة، خير من حِمل علم ". وهي إشارة واضحة للدور السياسي الذي بلور فكرة إنشاء مذاهب فقهية حسب مقاسات الدولة العباسية، وقد حاول الخليفة السفاح أن يشتري ذمة ربيعة الرأي بجوائز ومناصب فرفض ذلك كله، وكان ذلك سببا في فلول نجمه، وبروز تلميذه مالك بن أنس الأقل فقها وعلما منه، وكما تمكن الحكم العباسي من تحييد ربيعة الرأي وابعاده عن الساحة العلمية الدينية وأبرز مالكا، تمكن كذلك من احتواء نهج أبي حنيفة، بتقريبه لشخصيات أخرى مثل: أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد اللؤلؤي حيث أناطهم مهمة القضاء والافتاء بعد وفاة شيخهم في السجن. ولذلك فإن ربيعة الرأي اتخذ موقف الابتعاد عن مالك عندما رآه قد أصبح أداة تستخدمها الدولة العباسية، ولأنه لم يكن يداهن الحكام ولا يقبل أن يصبح من الأدوات المستخدمة في ما يغضب الله، ولهذا السبب هجر الناس، وألتف رجال السلطة حول مالك، فألف لهم كتاب الموطَّأ، ليحملوا الناس عليه بالقوة والسلطان، وهو أول كتاب دونته الحكومة العباسية على حسابها وصار دستورا لها، وقد ذكر أن الرشيد أمر عامله على المدينة بأن لا يتخذ قرارا دون الرجوع إلى مالك. وثبت أن الدولة العباسية حصرت مهمة الافتاء أيام موسم الحج بمالك، وبلغ الأمر بمالك أنه كان يعترض على كل من يخالف رأيه وما يزعم أنه إجماع أهل المدينة، ويقول لمن يعترض عليه: " اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة، مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وبلدنا الذي نحن فيه ". ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض

 

وكان المنصور يعلم أن تقريب مالك ابن أنس إليه واعطائه مكانة عليا، وجعل الحديث والفقه على يده قد يقلل من نفوذ المعارضين للحكم ويضعف تأثيرهم في الناس، ورغم ذلك فإن الحكومة لم تستهن بتأثيرات الطرف الآخر، ورأت أن استقرار الدولة لا يكون بأي حال إلا بعد اخضاع  الاتجاهين وجلبهما إلى السلطة: اتجاه فقه أهل العراق الذي يمثله أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، واتجاه فقه مالك الذي أصبح من رجالات السلطة، بل أصبح الولاة يخشونه، وصار أمر عزلهم على يده، وتأكيدا لدعم المنصور لمالك قال له: " إن رابك ريبٌ من عامل المدينة أو مكة أو عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سواء أو شر بالرعية، فاكتب إلي أنزل بهم ما يستحقونه ".

 

وذكر في تزيين الممالك في مناقب الإمام مالك للسيوطي، أنه استطاع في عهد الخليفة المهدي والرشيد أن يتعاظم نفوذه ويمسك بالسلطة التنفيذية حتى أنه أصبح يضرب ويسجن من يشاء، بعد أن أفتى بجواز ضرب المتهم البريء، إذ لقي أمر هذه الفتوى استحسانا كبيرا لدى السلطة لأنها أصبحت بموجب هذه الفتوى تستطيع ضرب المتهمين، وكان مالك كما جاء في كتاب (مالك بن أنس) لأمين الخولي يقوم بزيارة تفقدية دورية للسجون ويصدر أثناءها أوامر للسجانين بضرب المساجين وصلبهم. ونظرا لأنه أصبح من رجالات النظام ينفذ خطط الدولة قدمت له عناية كبيرة، ووفرت له كل ما يستحقه، فقد روى ابن وهب أنه قال: " لما حججت سنة ثمان وأربعين ومئة وصائح يصيح، لا يفتي الناس إلا مالك ... "، وساعد هذا الدعم من قبل الخليفة للإمام مالك في انتشار مذهبه بسرعة في كل الأقطار التابعة للعباسيين وخاصة شمال إفريقيا ومنع كل ما دونه من الفتوى أو العمل الدعوي، وكان الحجيج عندما يأتون إلى الحجاز لا يجدون فقيها تسمح له الدولة بالفتوى إلا مالكا، فأخذوا مذهبه، وبعد وفاة الليث إمام مصر قام المالكيون بمحاربة مذهبه واتلاف كتبه ونشر مذهبهم بالقوة، سيما وأن العلماء ومنهم الشافعي يشهدون أنه أفقه من مالك، في حين واجه في مدن العراق رفضا حقيقيا ولم يجد موقعا على الساحة، رغم محاولة الدولة فرضه بالقوة، وكذا بالنسبة للشام التي كان ينتشر فيها مذهب الأوزاعي... يتبع

 

.... عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

            


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق