]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سيرة المدينة.. قصيدة لها سيرة

بواسطة: مدحت الزناري  |  بتاريخ: 2012-03-17 ، الوقت: 21:22:53
  • تقييم المقالة:

... خمس سنوات مضت.. تكتمل بنهاية هذا الشهر على قصيدتي الطويلة التي أعددتها لتكون ديواني الثاني، بعدما صدر في العام السابق لها 2006 ديواني الأول (فيما قاله الخليفة للغلام) وكنت فيه اتنقل بين هموم الانسان المصري والعربي في تفاصيل الحياة وعلاقتها بالسلطة؛ لكنني وجدت لي عالما أكثر رحابة عندما شرعت في كتابة سيرة المدينة، التي كنت أكتب أول مقاطعها على أنه مجرد قصيدة أفتتحها بالقاهرة لكن القصيدة طالت.. وطالت وشغلتني وانشغلت بها وظللت أعكف على مقاطعها عاما كاملا.

وكلما تأهبت لنشرها عز ذلك علي؛ وسكنتى فكرة نشرها مصاحبة لفيلم تسجيلي عن القاهرة المدينة الوطن التي تسكنني وأسكن على أطرافها وأقرأ سيرتها كل يوم في عيون الناس وفي تفاصيل الشوارع وملامح المباني، أقرأ سيرتها في الصبية والشيوخ ، في أهل الريف الزائرين، في عيون السائحين، في المقاهي والمحال والأغنيات وكل ما تتلمسه حواسي. حاولت طيلة سنوات أن أنشرها مصاحبة لفيلم تسجيلي كما وددت، وكانت محاولاتي فيها غير جادة وكان كل ما حولي يؤجلها حتى رأيتها تنشر نفسها بنفسها في الخامس والعشرين من يناير مع مطلع الثورة المصرية وكأنها تقول لي سأكون حتى لو لم تنشرني بنفسك .. كانت أقوى وأكثر عزيمة مني.

وبعدما مر عام أو يزيد على انطلاقة الثورة أشعر كل يوم بتقصيري معها لذا قررت أن أطلق صراحها الآن.. ربما لامست على الأرض ما لم ألمسه .. ربما ذهبت أبعد مما ذهبت إليه، .. ربما شكلت حرفا من حروف القصيدة الملحمة ... قصيدة الثورة المصرية.

وها هي المقاطع الأولى منها على أن أولي نشرها هنا على حلقات حتى أتحرر من أمانتها وحملها الذي طال.

 

(فصــول من ســيرة المديــنة) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1)

تصحو المدينةُ عن شوارعِها

تميطُ نُعاسَها

وتصبُ في الأحواضِ ماءَ الغُسلِ

تغْمسُ خبزَها

في الفولِ

(تعدلُ) رأسها

بالشاي بالنعناعِ،

بالدخانِ

من حجرِ المْعسِّلِ

عبّأت رئةَ المقاهي

بالرمادِ وبالعطنْ.

وكسولةً للصَّفِ سارت

رَدّدت قولَ النشيدِ المدرسيِّ

بأنها حتماً تموتْ

وليبقى للأبدِ الوطنْ.

 

(2)

تصحو المدينةُ في مفاصلِها

دبيبُ نعالِ أحذيةِ العساكرِ

يرصدونَ العابرينَ

ويحصدونَ الهمسَ في صمتِ القبورْ.

تَرفعُ الأقفالَ عن دُلفِ المتاجرِ،

تُشعِلُ الجمراتِ من تحتِ البخور.

وتَسحبُ الكرسيَّ تقعدُ في المداخلِ،

تنفُثُ الحَسَرَاتِ بالزَفَرَاتِ

من شفةِ السأمْ،

وتَعُدّ أياماً تبقت في نهاياتِ الشهور.

(3)

جثت المدينةُ عندَ حدِ النهرِ تشربُ

هالها

ما قد رأت من وجهِها

في صفحةِ الماءِ المُعَكّرِ

عظمتانِ بخدِها

والشيبُ يرتعُ في مفارقِ شعرِها

أينَ الجدائلُ؟

حينما أرْخت على عمالِها

كي يصعدوا من فوقِها

للخُلدِ ركباً للبناء.

وأينَ ذاكَ الثوبُ من قطنِ الحقولْ،

وعودُها الملفوفُ حولَ النيلِ؟

تَصدَحُ بالغناء

فَيُسْحَرونَ بما تقولْ.

الآنَ حَشرجةً تُغني؛

بعدما فرغت لدقاتِ الطبولْ.

الآن تكسوها الكآبةُ

فهي مثلُ النيلِ

ذاكَ السائرُ المخمورُ

والفذُّ الكسولْ.

تحملُ السكانَ كلٌ في سبيلٍ

تحملُ الأوجاعَ..

والعمرَ المَلولْ.

 

(4)

تلكَ أحوالُ المدينةِ

قِبلةً للنازحينَ

الوافدينَ على قطاراتِ الصعيدْ

المُتْرعينَ بدهشةِ المبهوتِ

في بابِ الحديدْ.

يُلْقونَ نَردَ الحُلمِ في أحشائِها

فإذا البُوابةُ سمسَرةْ

وإذا التجارةُ قنطرة

وإذا العماراتُ القصورْ

إذا بكرسيٍ يدور

فيحسبُ الإنسانُ أن لهم

بطيبِ العيشِ إرثٌ أو تليد

ويبرقونَ عزائَهم

إن ماتَ أهلٌ في الصعيد.

لكنهم في أغلبِ الأحيانِ

يفترشونَ أروقةَ المشافي

يجمعونَ اللحمَ  من أبنائهم

دهستهُ قاطرةُ المدينة

وهو يخطو فوقَ نصلٍ للتوهمِ

مثلما يخطو العبيد

ويعودُ مصحوباً بولولةِ النساءِ

لصوتِها رجعٌ بعيد.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد الخالد | 2012-03-17
    مرحبا بك عزيزا في بيت العرب ... مدينتك سجلت حياتنا روحا منك فينا .. عشت فينا فتعلقنا بعمق مدينتك نرتوي رؤاك 
    • مدحت الزناري | 2012-03-18
      الصديق العزيز والكاتب المميز الرائع أحمد الخالد منكم نستمد طاقتنا على الاستمرار فأنت مع أصدقائنا أصحاب الوعي والدفء الإنساني من تجعلون للحياة بريقا وللأيام مذاقا وللأماكن ذكريات وأنتم من تنقشون في صدورنا القصائد و تخرجون الكلمات من الحناجر بحسن استقبالكم وجمال رؤيتكم ...

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق