]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا إكراه في الدين

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-17 ، الوقت: 12:58:58
  • تقييم المقالة:

 

لا إكراه في الدين

 

أمتنا عانت من داء الاستبداد الذي هو أشد وطأة من الوباء قرونا عديدة، وتحت وطأة سياسة الإكراه في زمن أهوج فرضت الأنظمة الحاكمة على الشعوب الإسلامية مذاهب دينية معينة لتعزيز سلطتها واحتكار الدين لنفسها، وبدلا من أن تحافظ على بقاء الأمة موحدة على دين واحد وسنة واحدة كما كانت على عهد الرسول الكريم، أنشأت لها مذاهب دينية وفرقتها إلى فرق وطوائف لا تجتمع على أي شيء، واستبدلت أحكام الوحي والسنة الصحيحة بأفكار أصحاب هذه المذاهب والطوائف والفرق، وأصبح الدين ليس القرآن والسنة، إنما الدين هو مذهب فلان وعلان، وأصبحت أسماؤهم وأفكارهم مقدسة تذكر كل يوم في المساجد كأنها قرآن يتلى، ولا يجوز نقدها بأي شكل من الأشكال. وعلى هذا حمل دين الناس منذ الحكم الأموي والعباسي إلى اليوم، بل حمل الناس على ما يمكن اعتباره إكراها في المذهب والطريقة والعقيدة. وقد نادى القرآن في أشياعه من وقت نزوله بصوت جهير أنه " لا إكراه في الدين "، وإذا كان الله وهو رب العباد قد حرم الإكراه في الدين، فكيف يحق لبشر إكراه الناس في المذهب والطريقة والعقيدة ؟ إن المذهبية التي نشأت في ظل تاريخ سياسي استبدادي من قبل حكم طاغي لا يؤمن بالحرية الدينية ولا بحرية الاعتقاد ولا بالعقل وحرية الاختيار جعل المسلمين شعوبا وقبائل متنافرة متقاتلة، ومختلفة فيما بينها. وهو ما يتنافى مع سياسة هذا الدين الذي حارب الاستبداد بالرأي والشرك والمشركين وكان رحمة للعالمين.

 

وقد تبين تاريخيا أن المذهبية والطائفية أنشئت لأغراض سياسية وليست لخدمة مصلحة دينية، ووقفت في كل قضية من القضايا إلى جانب الأنظمة الاستبدادية، وساعدت في انتشار الاستبداد الديني والسياسي، وما زالنا نسمع ممن يعتبرون أنفسهم مرجعيات بعض الطرق الصوفية في بلادنا يصدرون تصريحات يحرضون فيها السلطات الحاكمة باتخاذ اجراءات ضد من يهدد مرجعية دينية وهمية وجدت لخدمة مصالح سياسية. وعندما تتحول قضايا الحريات الفردية وحرية المعتقد والرأي إلى قضايا أمنية أو إلى موضوع إكراه ذي طابع عقدي يفرض بأدوات السلطة السياسية، فذلك يعني أننا نتوقع حدوث الأسواء، أو أننا على وشك الوقوع في الإكراه العقدي والمذهبي، وهذا هو السيناريو التاريخي لنشوء المذهبية في مرحلة تاريخية معينة. فالذين أكرهوا الناس على اعتناق مذهب معين لخدمة مصلحة سياسية، لم يراعوا حقوق هذا الدين وحقوق الإنسان عندما نصبوا أنفسهم آلهة على البشر، لأن الآية القرآنية تنص في عمقها الجوهري بشكل لا لبس فيه على حرية الاعتقاد ونفي الإكراه في الدين، وتكشف مبدأ مؤسس للتجربة الدينية في الإسلام. فالله هو من منح لعباده هذه الحرية، وبالتالي لا يجوز لأحد من البشر أن يصادرها، وأن انتهاك هذا الحق يعتبر تعديا مباشرا على ما أراده الله لعباده، يقول عز من قائل:(( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقناهم )). هود 118  

 

أقل ما يترتب عن الإكراه الديني هو قطع الصلة المباشرة بين العابد والمعبود وفرض الوساطة عليه، فقد ارتبطت المذهبية منذ أقدم الأزمان وفي كل الأديان بمزاعم الوساطة بين الخلائق والسماء، واحتكرت المعارف الدينية وجعلتها من خصائصها، وأن فهم فلان للدين مقدسا لا يقبل النقاش والجدل، لأنه استلهمه من وحي عليم، ولذلك تحق له الوساطة وتحق له الشفاعة، ويحق له أن يكون وصيا على الناس. لذا فإن اقرار الحرية الدينية التي منحها الخالق للمخلوق هي بلا شك تؤدي بالضرورة إلى اسقاط الوساطة بين العبد وربه، وأن هؤلاء الذين يدعون سلطة متعالية يحتكرون الحقيقة الدينية لفرض مذهبهم الفقهي أو الطرقي أو العقدي، والإسلام ينص على نفي الإكراه الديني فما بال الإكراه المذهبي.   

 

وتصريحات هؤلاء الناس تأتي في إطار الدفاع عن المصلحة المنفعية التي يتمتعون بها وخوفهم من زوال النعم التي يعيشون فيها، وأما فرض مذهب معين على عموم الناس ليكون مذهب الدولة فيه الكثير من التجاوزات، أولها عدم التوفيق بين الإكراه المذهبي، وبين حرية الاعتقاد كما نصت عليها القوانين. ثانيها: كيف يمكن الجمع بين مذهب سني وبين مذهب صوفي حلولي ومذهب عقائدي جهمي يختلف مع أهل السنة في مسألة التوحيد في خطاب ديني واحد؟! وأي مذهب سني هذا الذي يبقل بالاندماج بعقائد تفرغه من مضامينه السنية الصحيحة؟  ولذلك فليس من حق أي سلطة أن تفرض على الشعب الجزائري مذهبا صنع في القرن الثالث هجري لخدمة سياسة الدولة العباسية، والذي أصبحت بعض الأحكام الفقهية فيه تعاني من الجمود ولا تواكب متطلبات العصر الحالي، وبناء على ما ذكرنا يكون فرض المرجعية المزعومة على الشعب بالقوة والإكراه السياسي فيه الكثير من التجاوز للحقائق التاريخية والواقع الاجتماعي، لأن المنهج الذي تتبناه السلطة الدينية والسياسية في هذا الشأن مجرد دعاية سياسية، ولنضرب مثلا يتعلق بلباس المرأة في أحكام الفقه المالكي، حيث تنص على أن يكون اللباس الشرعي طويلا وفضفاضا، يغطي جميع جسدها، ولا يجوز إظهار أي جزء منه بما في ذلك الوجه، وهي أحكام لا يلتزم بها أحد من هؤلاء الذين يدعون أنهم مالكيون، ونجد نساءهم كاشفات متبرجات لا يلتزمن بأي حكم من أحكام هذا المذهب. ثم إن الترويج لفكرة المحافظة على وحدة المذهب هي في حقيقة الأمر خرافة لا وجود لها في الواقع الجزائري، لأن معظم الشباب اليوم لا يؤمنون بالفكرة المذهبية ولا بالعقيدة الأشعرية ويعتبرون التصوف دخيل عن الإسلام الصحيح، ولذلك وجب على الدولة بما أنها راعية حقوق الناس، المدنية والسياسية والفكرية والدينية أن تضمن حق الاعتقاد وحق الرأي لكل الفئات ولا يجوز لها إكراه الناس على الاعتقاد بمذهب من المذاهب أو بعقيدة من العقائد. وإذا كان الإكراه في الدين ممنوعا كما نص عليه القرآن، أيكون إكراه الناس في المذهب والعقيدة مباحا؟ وإذا كان الإكراه في دين الله غير مشروع، فكيف يكون إكراه الناس في مذهب فلان وعلان جائزا؟  والمعلوم أنه لا إكراه في الدين كما جاء في بيان الحق سبحانه وتعالى:

 

(( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )). يونس 99

 

(( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)). هود 28 

 

(( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر)). الغاشية 11 

 

لعل هذه الآيات كافية  للرد على الذين يريدون إكراه الناس على مذهب معين بحيث بينت أن الإكراه مرفوض في شريعة الإسلام، ولا يجوز لسلطة ما أن تحمل مذهبها على أحد وحصر الفتوى فيه. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: " ليس لأحد أن يلزم أحداً بقبول قول غيره ولو كان حاكماً، وإذا خرج ولاّة الأمر عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم بينهم ".لأن إكراه الناس على مذهب ما يؤدي إلى العبث والفتنة، ومن واجب الحاكم أن لا يدخل في فتنة مع شعبه درءا لإيقاظ أسبابها، وكذلك فإن فرض أئمة على الناس يكرهونهم مخالف لشريعة الإسلام وتدخل في الخصوصيات.  لأن الإسلام يريد عبادا يدخلونه بقلوب مؤمنة وخاشعة، لا من يدخلونه بأعناق للسيوف خاضعة.  

 

... عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق