]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العقل في مفهوم الإسلام

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-17 ، الوقت: 08:33:07
  • تقييم المقالة:

 

إن مفهوم العقل في الدين الإسلامي لا يقصد به ذاتا قائمة بنفسها عندما نتأمل معناه في القرآن، فقد يراد به التعبير المجازي، وقد يكون المقصود به الهداية والمعرفة والتفكير القويم والاتزان، وإلى أمثال ذلك من التعابير المجازية. أما أن يقصد به ذاتا أو روحا قائمة بنفسها يمكن أن يستغني في أعماله وحركاته وتفكيره عن البدن، فهذا يعد من أسخف الاعتقاد، وكل ما تعارف عليه الناس أن لا يقال أن فلانا مات عقله، أو خرج عقله، بخلاف ما هو شائع في معتقدات الناس، كقولهم: خرجت روح فلان... وخروجها يعني بالضرورة موته، ولا وجود لغير هذا المعنى في معتقدات الناس، وليتأمل المرء في قول العزيز الحكيم وهو يصف معنى العقل:

 

(( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها )).[1]  بمعنى يهتدون بها.

 

(( قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون )).[2]  بمعنى لعلكم تؤمنون.

 

(( يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه )). [3]أي بعدما عرفوه

 

(( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)).[4]  أي الذين لا يهتدون

 

((يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون )).[5]أي أكثرهم لا يعلمون الحقيقة

 

ألا ترى أن جميع الآيات المذكورة بينت كلمة العقل على أساس أنها جاءت على هذا النحو ؟ ولا يوجد شبه إشارة واحدة في القرآن ما يدل على أن كلمة (عقل) يراد بها ذاتا كامنة في جسد الإنسان يمكنها القيام بأعمال مستقلة عن البدن، وتستطيع أن تغير جوهر معتقدات الإنسان، كما يمكن لهذا الكائن الباطن أن يغير شيئا من أنماط حياته، ولو اعتقدنا ما اعتقده أصحاب هذه التقنيات الكاذبة، لكنا قد شككنا في الأديان التي جاء بها الأنبياء، ولاتهمناهم بالغفلة والسذاجة، لأنهم لم يرشدونا إلى حقيقة مهمة كانت موجودة نستطيع باستخدامها تغيير سلوكيات حياتنا وحل مشاكلنا الدنيوية؟!!!

 

يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن غياب أداة العقل:" رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ ".[6] 

 

لعل الأشخاص الثلاثة الذين ذكرهم الحديث واستثناهم من مسؤولية التكليف لا يمتلكون أدوات التمييز لمعرفة الأشياء على حقيقتها، فالمجنون حالته المرضية تدل على أنه فقد أداة التمييز بين البديلات، لذلك فهو لا يفرق بين شيء وشيء آخر لأنه أصيب في منطقة الوعي. وحالة النائم كونه خمدت في نفسه أداة الوعي والإدراك، وبذلك فقد الإحساس بالواقع الخارجي، ودخل عالم الخمول. وحالة الصبي كونه لم تكتمل أدوات التمييز في نفسه لمعرفة الخطأ من الصواب، والشارع الحكيم لا يريد أن يحمل مسؤولية مهما كانت لفاقد هذه الأدوات التمييزية.

 

ولو كان العقل المزعوم يتوفر على قدرات خارقة، وله حرية الخروج من البدن بالصورة التي وصفوه بها، لكان الأحرى به إصلاح العطب الذي أصاب جسد المجنون، ولما ترك نفسه في غيبوبة، وفي نفق مظلم، بعدما كان يميز بين الأشياء، ويدعي أنه المفتاح السحري لكل لغز من الألغاز، وإلا كيف يستطيع من جهة القيام بجميع هذه الأعمال ويعالج الأمراض، ومن جهة أخرى لا يقدر على إصلاح خلل نفسي أو عضوي في بدنه ؟ ماذا نقول في حالة كهذه ؟ عجز عن القيام بعمل هو أسهل من الذي نسب إليه، أو انقطع الاتصال بينه وبين عقله الواعي ؟!!

 

وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال أن هذه الأفكار لا تحمل في طياتها دلائل القاعدة التي لا تتبدل مع الزمن، ولا ينقضها أي بحث جديد، ولكنها أفكار أنشأت في محاضن التضليل بهدف سحر عقول الناس، وحجب الحقيقة عن أعينهم. يقول تعالى في شأن الذين فقدوا أدوات التمييز وعميت أبصارهم وصمت أذانهم: 

 

(( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير )).[7]  

 

(( قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون )).[8] 

 

وما ينبغي أن نضيفه إلى هذا الموضوع هو التأكيد على أن هذه الآيات جميعها لا تخاطب كائنا له صفة وذاتا اسمه (العقل)، بقدر ما تشير إلى روح عاقلة عندما  حلت في بدن الإنسان جعلت منه بشرا سويا، وهي جوهر خالد لا تعقل الأشياء إلا بواسطة الحواس الخمسة، وبدونها لن تدرك شيئا حقيقيا.ولتضليل الناس كتب أحدهم حديثا نسبه إلى الرسول مدعيا أنه من قوله: ( العقل رسول باطن والرسول عقل ظاهر)،مما يدل أن هؤلاء يستهدفون بهذه الأكاذيب تحريف جوهر العقيدة، وحشوها بأحاديث موضوعة، وحتى نتأكد من صحة هذا الحديث أو بطلانه بحثنا في جميع كتب الحديث التسعة فلم نجد له أثرا يذكر؟!

 

أما الذين يزعمون أن أساليب البرمجة وتقنيتها تعالج أمراضا مزمنة، وتقوي الخطاب، وتحسن السلوك، وتفجر القدرات النائمة لدى الإنسان، وتجعله متفوقا وموهوبا، فكل هذا الكلام لا حقيقة له، ولا يصح أن يتخذ منالا يقاس عليه، ونموذجا يحتذى به، وقاعدة تعمم وتشيع بين جملة القواعد، وإنما هي ألاعيب تختلف باختلاف قائليها، ولا يصح إطلاقها.

 

وقد نجد بعض مرضى المس من يفك أصعب المعادلات الرياضية، وهو لم يصل إلى مستوى دراسة تلك المعادلة، وقد نجد صبيا عالما بأمور الدين، وهو لم يكن قد سبق له أن درس مادة من مواد الدين. وكل هذه الظواهر الغريبة تعتبر صورها زائفة، لا تمثل بحال حقيقة من الحقائق الثابتة، بقدر ما توصف بظاهرة تزول بعد حين، وعندما يخرج الساكن من المسكون يتركه عبارة عن بيت خاوي، وبعدما كان مدعاة الإعجاب، يصير مدعاة الاحتقار.

 

ويمكن على هذه الأمثلة قياس معظم الظواهر الغريبة التي قيل أن لأصحابها مواهب وقدرات خارقة. فالذي مكن التلميذ من فك أعقد المعادلات الرياضية، هو نفسه من جعل الصبي عالما بعلوم الفقه والدين، وهو الذي بمقدوره برمجة عقول البشر، وتغيير سلوكياتهم من حال إلى حال، ولا أرى في البرمجة والتنويم المغناطيسي والتحليل النفسي وفكرة العقل الباطن إلا أنها جمعت في طياتها شتات العقائد السحرية البدائية مع أحدث ما تتعامل معه العقول الإلكترونية .

 

[1] الحديد 46

 

[2] الحديد 17

 

[3] البقرة 75

 

[4] الأنفال 22.

 

[5] المائدة 103

 

[6] رواه البخاري

 

[7] الملك 10

 

[8] العنكبوت 63

 

.... عبد الفتاح ب.: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق