]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ظاهرة الفساد الإداري و السياسي في دول العالم الثالث

بواسطة: Emmanuel Mario  |  بتاريخ: 2012-03-15 ، الوقت: 13:15:57
  • تقييم المقالة:

 

إن دول العالم الثالث تعرف فسادا قاتلا ينخر أسس المجتمع والأمة والحضارة. لقد عم الفساد وأصبح حائلا دون التقدم. وهكذا لم يفكر العديد من الحكام في تنمية بلادهم بقدر ما اهتموا بوضعيتهم الخاصة.

إن الأمر لا يتعلق بتهريب رؤوس الأموال فقط وانماانتشرت لتشمل جميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية... ففي مجال التجارة الدولية تخضع معظم المشاريع والصفقات التجارية إلى اسلوب العمولات، كما أن الفساد أدى إلى جلب مشاريع لا علاقة لها بالتنمية بقدر علاقتها بصنع العمولات، إضافة إلى انتشار سماسرة مختصين في جميع المجالات ابتداء من الحصول على أي وثيقة من إحدى الإدارات إلى غاية التدخل لدى الإدارات المركزية. ولا تقتصر عملية السمسرة على تلك الأعمال، بل تتعداها إلى مجلات أخرى كتجارة النساء والمخدرات تحت حماية السلطة... مما يمكن هذه الفئة من السماسرة من تكديس أموال طائلة تستغل في إفساد الحياة السياسية والإنفاق على مظاهر البذخ التي لا علاقة لها بتنمية وازدهار الامم.

وقد احتكر بعض زعماء العالم الثالث السلطة وجمعوا حولهم جماعات يهمها بالدرجة الأولى سرقة ثروات بلادهم والسيطرة على اقتصادها تحت أسماء وأعمال(وهمية) مختلفة.

ويمكن الاشاره في هذا الصدد إلى حالة المكسيك التي وصل الوضع بها إلى حد انهيار مالي كاد أن يودي إلى انهيار مجمل النظام المالي العالمي، لولا تدخل العديد من الدول من أجل إيجاد حل سريع لمشكلة الديون الضخمة التي فاقت 80 مليار دولار. وقد كان هذا الوضع مفاجئا، لأن المكسيك قدمت نفسها عبر دعاية كبيرة على أنها ستلعب دورا مهما إلى جوار البلدان الصناعية الكبرى. لقد جرى احتضان هذا البلد، الذي لم يقبل الانضمام إلى الدول المصدرة للنفط، من قبل الدول الرأسمالية، ليشارك دول أخرى للوقوف في وجه منظمة "الأوبيب" لكسر احتكارها. وهكذا فتحت لها الأبواب المالية، وبالتالي العمولات، مما زاد في فساد وإفساد السلطات المسؤولة هناك. فكثر التوقيع على العقود وزادت العمولات: مصانع للفولاذ، مجمعات سياحية، قطار الأنفاق في مدينة المكسيك، مصافي النفط، أعمال مدنية مختلفة ضخمة... وكل ذلك دون حذر ودون تنسيق. وكان الرئيس "لوبيز بورتيلو" على رأس المشجعين لتلك الأعمال، إلى جانب بعض المحيطين به الذين كان لهم دور هام في نشر الرشوة والفساد.

لقد وعد كل الرؤساء الذين تسلموا السلطة في المكسيك بالعمل على "محاربة الفساد". وكانت النتيجة أن أصبح الرئيس "لوبيز" أحد عشرة أفراد الأكثر غنى في العالم.

ويمكن ذكر بعض الأمثلة عن ثروات بعض حكام العالم الثالث التي تمثل أموال طائلة جدا إذا قورنت بمديونية بلادهم. فالرئيس موبوتو كان يملك ما يعادل ديون الزايير، كما أن الرئيس ماركوس وعائلته قد اختلسوا من البلاد مليارات الدولارات، إضافة إلى سيطرتهم على العديد من الشركات والاقتطاع من فوائد الكازينوهات وشراء المجمعات التجارية بالخارج. أما الرئيس سوموزا فقد حول جزءا كبيرا من ديون بلاده لحسابه الخاص قبل سقوط نظامه سنة 1979. فإذا أضفنا إلى ذلك ما يتم استخدامه لتمويل المصاريف الكمالية كالقصور والبنايات الإدارية الضخمة ومظاهر البذخ والتباهي والاستثمار في المشاريع الفاشلة التي تقام للدعاية فقط، فإن حجم الفساد يظهر في شكله الواسع.

وقد تطور الوضع ليشمل (تجارة الموت) التي تتمثل في قبول دفن النفايات الصناعية السامة والنفايات الذرية تحت تربة البلاد مقابل عمولات ورشاوي. ويمكن أن ذكر نموذج على ذلك قبول (غينيا بيساو) دفن فضلات سامة من أوربا والولايات المتحدة وأستراليا. وتعلق الأمر باتفاقيتين من أجل دفن نفايات سامة ذات أصل صيدلي تهم الأولى شركة سويسرية بكميات تتراوح بين 50 ألف و500 ألف طن حسب الحاجة، كما تهم الثانية شركة بريطانية بحجم سنوي يصل إلى ثلاثة ملايين طن وكل ذلك مقابل بضع دولارات عن كل طن. ولولا الحملة الدولية التي دفعت السلطات سنة 1988 إلى تعليق هذه الأنشطة والمفاوضات لتطورت الأمور إلى مستوى أوسع. لكن السؤال الأساسي هو مثلا لماذا وقعت السلطات الاتفاق مع الشركة السويسرية على أساس 2.5 دولار للطن الواحد في حين اقترحت الشركة المعنية 40 دولار عن كل طن ؟

وقد وصل الفساد درجة يشكل فيها خطرا على الديمقراطية في دول العالم الثالث، ويمكن ذكر نيجيريا كمثال على ذلك.

ففي ظل الجمهورية الأولى (1960- 1966) تحولت العقود الحكومية وبرامج القروض بشكل منظم إلى عملية لإثراء المسؤولين المنتخبين والمقربين منهم على المستوى الإقليمي والفدرالي. ورغم أن هذه الجمهورية قد سقطت أساسا نتيجة الصراع العرقي والإقليمي، فإن التذمر الشعبي المتزايد من انتشار الفساد ومن طبقة رجال السياسة عموما كان أيضا من أسباب سقوط الجمهورية.

وفي أواخر الستينات، و بعد الحرب الإقليمية في لإقليم (بيافرا)، تزايد الإنتاج البترولي مع حدوث زيادة واضحة في نسبة الفساد في البلاد. فقد تمكن الحكام العسكريون والوزراء الفدراليون والطبقات الأخرى وثيقة الصلة بالنظام من تحقيق ثروات ضخمة بأساليب مفضوحة. وقد أدى الارتفاع الهائل في أسعار النفط بعد سنة 1973 إلى زيادة عائدات الحكومة، وبالتالي إلى زيادة كبيرة في عمليات الفساد والتباهي بالثراء غير المشروع والانحراف وتبديد الأموال العامة.

وعند تأسيس لجنة تحقيق عقب انقلاب 1975 تمت إدانة عشرة من المحافظين العسكريين في اختلاس أموال يبلغ مجموعها أكثر من 20 مليون دولار. لكن الرئيس (مرتضى الله) الذي كان يتمتع بتأييد شعبي كبير والمعروف بدفاعه القوي عن الإصلاحات و تم اغتياله في السنة الموالية (3 فبراير 1976). وسرعان ما عاد الفساد إلى الانتشار، إذ أن الرئيس اللاحق وزع مواد البلاد على وزرائه ومسؤوليه ومؤيديه وأعضاء حزبه لدرجة أن أصبح الحزب الحاكم الحزب الأكثر فسادا. وقد استفادت هذه الفئات من الطفرة البترولية الثانية بين عامي 1979 و1980 (حيث وصل حجم العائدات إلى 24 مليار دولار) مما أدى إلى انتشار الفضائح، وأصبح الاقتصاد يعاني من الاستنزاف التام لدرجة أصبحت معه حكومة الولايات غير قادرة على دفع رواتب المدرسين أو الموظفين المدنيين أو شراء الأدوية للمستشفيات. وقد أدت هذه الوضعية إلى سخط شعبي لم تنفع معه انتخابات 1983 التي وصل الفساد السياسي خلالها إلى تزوير نتائج الانتخابات. لذلك لم يكن غريبا أن يثير الانقلاب الذي قام به الجيش خلال نفس السنة فرحة عارمة في البلاد.

 فإنه و رغم التغيرات العديدة التي اجريت في السلطة الا ان السلطات كانت ترفع كل مرة شعار محاربة الفساد، فإن الفساد سرعان ما كان يظهر مرة أخرى (ويكفي للاطلاع على حجم الظاهرة بالإشارة إلى أنه قد صدرت الأوامر خلال سنة 1986 لمحاكمة 800 شخص بتهمة الفساد لكن هذه المحاكمات لم تتم أبدا).

وعليه فان الفساد السياسي والاداري اصبح السمة المميزة لحكومات دول العالم الثالث سواء ان اتو بالانقلاب او بالانتخاب رغم الشعارات العديدة التي ظل يرددها تلك الحكومات وهي محاربة الفساد والمفسدين واقامة التنمية المتوازنة ، الا ان المحصلة النهائية كانت استيلاء مجموعة انتهازية لا علاقة لهم بمحاربة الفساد انما تنمية الفساد وتحصين المفسدين بحصانات الدولة واستنزاف خزائن الدولة وبالتالي قتل المواطن جوعا ومرضا وبالتالي عدم توفير الفرص المتكافئة في تنمية دولهم مما يبرز العديد من الفتن الداخلية الاضطرابات المسلحة بمطالب يرونها الامثل لاداره شئون البلاد   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق