]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فلسفة الحداثة في فكر هيجل

بواسطة: ولاية قسنطينة  |  بتاريخ: 2012-03-14 ، الوقت: 13:35:15
  • تقييم المقالة:


فهم فلسفة الحداثة يتطلّب عودة إلى بسائط المفاهيم
*

بالرغم من مرور قرون عدة على بدايات الحداثة وفلسفة الحداثة، إلاّ أنها ما زالت تعتبر موضوعاً إشكالياً بالنسبة لفكرنا العربي، ومازال النقاش يكثر فيه حول كثير من القضايا والأطروحات بين الحداثيين ومعارضيهم، بينما في مجال التحديث نجد أن بعض مجتمعاتنا وبخاصة في الخليج سارعت للدخول في مرحلة ما بعد الحداثة، وهاهي عواصم أخرى تتبعها في ما يخص العلاقات الاقتصادية والثقافية العامة كالآداب والفنون نظراً لارتباط هذه الثقافة بالمركز الغربي. وهو أمر لافت ومحيّر في آن، نظراً لأن الكثير من مفاهيم الحداثة بل من أساسياتها مازال غائباً عن ديارنا، كالحرية الفردية والديمقراطية والعقلانية وغيرها من قيم أسست لانطلاق المشروع الحضاري الغربي وتطوّره على النحو الذي نشهده.


الباحث الدكتور محمد الشيخ في قراءاته المختلفة لمسألة الحداثة يدرك جيداً مشكلة غياب الحداثة، ويميز ما بينها وبين التحديث، وإلى ذلك عمل في كتبه المنشورة على تأصيلها في ثقافتنا كمنهج وسلوك، وعلى سبيل المثال كتابه: المهم "المغاربة والحداثة/ قراءة في ستة مشاريع مغربية" سيتناول إسهامات كل من: عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، عبد الكبير الخطيبي، محمد سبيلا، طه عبد الرحمن وعلي أومليل. وكذلك الأمر بالنسبة لكتابه "رهانات الحداثة" .
أما كتابه الجديد "فلسفة الحداثة في فكر هيجل" الصادر عن المكتبة العربية للأبحاث والنشر ، فإنه سوف يعود بقارئه إلى المنابع الأولى كي يبصّره بآليات تطوّر الوعي وصولاً إلى هيجل، فيربط إشكاليات فلسفة الحداثة النظرية به وبجهوده الفلسفية التي أفضت بنا إلى ما نحن عليه، إذ يؤكّد المؤلّف في مقدّمته أنه مع الحداثة صارت علاقة الإنسان بالزمن متناقضة عمّا كانت عليه تحوّل معها الإنسان من الدينونة إلى الدنيوية، ومعها بات الزمن الجديد "حداثة" والقديم "قدامة".
ومن ناحية ثانية يرى أن هيجل كمفكّر للحداثة بلغ بأفكار "فيشته وشلنغ أجلّ مراتبها وعلى نحو خاص ما يرتبط بتقدّم وعي الحرية في الحياة الإنسانية، فيقسّم التاريخ إلى ثلاثة أقسام: في بدايته، ساد الطغيان التام وخصوصاً في الصين والهند القديمتين، وانقسم البشر إلى طاغية وعبيد، وفي وسطه، كما في بلاد اليونان والرومان، انقسم المجتمع إلى أحرار وعبيد، وأما منتهى التاريخ فهي الأمم الجرمانية التي احتضنت مبدأ "الذاتية" المسيحي، وحضنت به مولد دولة حديثة مرسومة المواصفات.
وإن ركّز هذا التحليل على التاريخ وحده، إلاّ أن الباحث وفي ما يتعلّق بفلسفة التاريخ يرى أن "فيشته" أوّل الفلاسفة الألمان الذي اشترع للفلسفة، وذلك من خلال عمله الفلسفي المكنّى ب "نظرية العلم". بينما سيذهب هيجل وشلنغ بهذه الفكرة أقصى نتائجها المنطقية الممكنة، وبتعبيره، هما من الفلاسفة القلائل الذين أقاموا فلسفاتهم على ضوء مسار الفكر الكوني بأكمله، وذلك من خلال الفصل الواضح ما بين قديم الفلسفة وحديثها، والنظر إلى الفلسفة الحديثة بما هي جماع لا بما هي أشتات، ثمّ الجمع بين المتفلسف ومؤرّخ الفلسفة، وهو الأمر الذي سينتج عنه، بتعبيره، إمكان النظر التاريخي في "مسألة الحداثة" معتبراً أن إنشاء "فلسفة تاريخ" وإقامة "تاريخ فلسفة" شرطان أساسيان للتحديث وإبراز التباين ما بين القديم والحديث.
أما ما يخص المقاربات العربية للفلسفة عموماً ولفلسفة الحداثة على نحو خاص، فإنه استرعى انتباهه ظاهرة لافتة للنظر، وهي أن الباحثين العرب حينما يكتبون عن مفكّر عربي كلاسيكي، كالغزالي أو ابن رشد، فإن كتاباتهم تأتي في غاية الوضوح، بينما حينما يكتبون عن مثقف غربي حداثي شأن هيجل أو هايدغر أو فوكو أو دريدا، فإنه غالباً ما يعتري أفكارهم التشوّش، ويستبد بأفكارهم القلق، والسبب في ذلك برأيه: عاداتنا التي درجنا عليها في "فصل أنظار" المفكر المدروس عن "أصولها" و "منابتها. ومن جهة ثانية تقليد الثقافة الغالبة وتغريب اللغة.
ومن هنا فإن المؤلّف سيبصّر قارئه بمنهجه الذي اتّبعه في تأليف الكتاب، مشيراً في البداية إلى أنه سعى إلى وصل نظر المفكّر في الحداثة بفكره بعامة، ومن جانب آخر تعريب الأفكار الغربية وبالتالي فإن قراءة هيجل تتطلب العودة إلى "بسائط المفاهيم" لديه، والتي بتعبيره شكّلت قطب رحى الحداثة حيث يأتي الإنسان في طليعتها، ومن ثمّ مفاهيم الحداثة الثلاث: العقلانية والذاتية والحرية.
وإلى ذلك ضمّ الكتاب بالإضافة إلى المقدّمة قسمين رئيسيين: أوّلهما في فكر الفلسفة المثالية، وضمّ فصلين: من كانط إلى أخلافه، وأسس فلسفة الحداثة في الفلسفة الألمانية. بينما تتبع في القسم الثاني "نظرية الحداثة لدى هيجل" توغّل فيها عميقاً في الماضي لإبراز عملية تكوّن الوعي الحديث، ثمّ عمل على تبصيرنا ببنية هذا الوعي ومرتكزاتها الآنفة الذكر. وفي فصل لاحق سيتوقف المؤلّف عند نقد هيجل للوعي الحديث، فيؤكّد أولاً أن هيجل لم يكن واصفاً، وإنما كان ناقداً ومن أوائل الفلاسفة الذين تنبّهوا إلى بعض القضايا التي ينبغي التوقّف عندها وتقويم مسارها الداخلي بغاية إصلاح بعض مظاهر اعوجاجها وتطرّفها، وهو إذا كان احتفى بأسس الحداثة الثلاثة: العقلانية والذاتية والحرية، فإنه وقف ضدّ العقلانية المتطرّفة التي قد تذهب إلى حدود فقد العقل، وإلى ذلك نقد العقل التجزيئي الذي قسّم الحياة إلى ثنائيات متعاندة وليس إلى ثنائيات متعاضدة، مركّزاً على بعض إشكاليات "الفهم" التي توقّف المؤلّف عندها مطوّلاً.
ومن ناحية اخرى، فإنه في نقده للذاتية المتطرّفة، يؤكّد المؤلّف أن هيجل رأى أن مبدأ "الذاتية" يعتبر من أهم سمات الحداثة، وقد سعى إلى مدحه والإعلاء من شأنه في الفكر الحديث حتّى حتى عدّه أصلاً للحداثة ومنشأً لها، ولكنه في الوقت نفسه ميّز بين هذه الصورة من صور الذاتية، وهي الصورة المعتدلة العقلانية، وصورة أخرى مغالية.
والاعتدال في هذا الصدد، بحسب تعبيره، هو وعي الإنسان بأن الفكر فكره هو، أي إنه "أناه" المفكّرة، غير أن بعض الفلسفات قد ذهبت بمبدأ الذاتية هذا مذهباً قصياً إلى حدّ إضفاء الصفة المطلقة على "الأنا" بل عبادتها، وفي ذلك غرور كبير.
أما بالنسبة للحرية المتطرفة، فإن المؤلّف سيتناول أطروحة هيجل حول في إشكالية فكرة الحرية بالنسبة للفكر البشري، فهي فكرة لم تكن قابلة للتحديد ومعرّضة للالتباس، إلاّ أنها أصبحت معيار التفرقة بين القدامة والحداثة، نظراً لأن الحضارات السابقة لم تعرفها ولا خبرتها، وحتى وإن خبروها، كما في مجتمعات الأحرار والعبيد، إلاّ أنهم لم يفقهوها. ويعزو سبب هذا الالتباس إلى أن الناس في اندفاعهم الكبير إلى الحرية، ما ميزوا بين "الحرية العاقلة" العالمة بما تتطلّبه الضرورة المجتمعية، و "الحرية الذاتية المطلقة" الثائرة على كلّ شيء يقيّدها، فهي بالتالي تتمرّد على كلّ تضييق.
ثمّ يأتي الفصل السادس: تخوم أنظار هيجل في الحداثة، ليتابع من خلاله المؤلّف النقد الهيجلي للحداثة من خلال أربعة مفاهيم: الارتياب، التهكّم، شقاء الوعي، و غياب الإله. ثمّ يناقش في الفصل السابع والأخير القول في "نهاية التاريخ" و "نهاية الفلسفة" فيستعرضهما المؤلّف ويفصّل فيهما وفي المناقشات التي أعقبت وفاة هيجل.
*كتاب بحثي مهم، لا غنى عنه للباحثين في مجال الفكر بعامة والحداثة على نحو خاص.

المؤلّف في سطور
د. محمد الشيخ، باحث وأكاديمي مغربي أصدر كتباً عدّة عن الحداثة منها: المغاربة والحداثة، ومسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، ورهانات الحداثة، بالإضافة إلى كتابه الجديد.

الكتاب: فلسفة الحداثة في فكر هيغل.
الكاتب: د. محمد الشيخ
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، 2008
الصفحات: 496 من القطع الكبير.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق