]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

يوم في حياتي

بواسطة: wilden  |  بتاريخ: 2012-03-12 ، الوقت: 21:36:11
  • تقييم المقالة:

يوم في حياتي

بقلم: ولدان

 

كنا لا نزال نهرول بين المطبخ وقاعة المعيشة، نذهب ونجيء ونصطدم أحيانا ببعضنا البعض في الرواق الضيق، تحمل كل واحدة منا طبقا قد تم إعداده مسبقا من قبل المسؤولة عن تحضير الإفطار في ذلك اليوم، لتضعه بعناية على الطاولة الكبيرة المستديرة، والتي تنوعت أطباقها وازدانت بقوارير العصائر والمشروبات الغازية مختلفة الألوان، لم تعد تفصلنا على آذان المغرب إلا دقائق معدودات حتى سمعنا جرس الباب يُقرع!!!، استغرب والدي وطلب من أخي فريد أن يذهب ليستطلع الأمر، بينما لم نتوقف نحن البنات عن التنقل بين المطبخ وغرفة المعيشة لنتأكد من أن كل شيء قد أصبح  في مكانه، رجع أخي وهو يلهث من فرط السرعة وتأثير المفاجأة، وتوجه نحو والدي مباشرة واخبره بان ابن جيراننا القديم سمير قد وصل لتوه إلى المدينة لقضاء بعض الأمور، ويود لو أننا نستطيع أن نجود عليه ببعض من إفطارنا ونستقبله ببيتنا، لأنه تأخر ووجد كل المحلات في هذا الوقت قد أقفلت وليس لديه مكان ليفطر فيه، نهض والدي من مكانه المعتاد بصعوبة محاولا الإسراع في الحركة، بعدما كان يجلس متكأ على وسادة وثيرة  كان يضعها تحت ذراعه كي تسنده، فتعثر بأطراف عباءته البيضاء العريضة التي أهدته إياها والدتي خصيصا في ذكرى ميلاده الستين قبل عامين، والتي لغلاوتها على قلبه، لم يكن يرتديها إلا بحلول هذا الشهر الفضيل، تنحنح والدي وتوجه إلى باب البيت وهو يؤنب أخي فريد ويلومه لإبقائه الضيف واقفا أمام مدخل البيت ولم يقم بدعوته للدخول، رحَّبَ به وأسرع بإدخاله لقاعة الاستقبال، وقبل أن يُغلِقَ باب الغرفة وراءه، أطَلَّ علينا  من وراء الباب وطلب منا تحضير صينيَّةِ الإفطار، استبشرت أُمي بقدوم الضيف ونهضت هي الأُخرى بصعوبة، بعد أن اتكأت بيديها الاثنتين على الطاولة الخشبية كي تستطيع الوقوف باستقامة، ثُمَّ قالت لنا بنبرة محفزة: أسرعن يا فتيات، فلم يتبق وقت طويل على آذان المغرب، ولا يصِّحُ أن نترُكَ ضيفَنَا ينتظِرُ وهو صائم، الحمد لله الذي أرسل لنا هذا الضيف لنتقاسم معه إفطارنا ونُؤْجَرَ عليه، مرَّ زمنٌ طويلٌ ولم يطرُق بابنا ضيف، حتى بدأتُ أظن أنَّ الناس ما عادوا يذكرُونَناَ.

 انتشرت أخواتي الثلاث وتفرقن في أرجاء البيت يطبقن تعليمات أمي بحذافيرها، أمَّا أنا فقد اضْطَرَبْتُ وَتَمَلْمَلْتُ وأصابتني رَجْفَةٌ في أطرافي وتزايدت نبضاتُ قلبِي ما إن سمعتُ إسمهُ يذكر، وجالت في مخيلتي صورة سمير التي كنت اعرفها وأهيم بها منذ سنوات مراهقتي الأولى، فقد كنت معجبة به في سرِّي، وهو الفتى الذي كان يتميز عن باقي المراهقين في حَيِّنَا بخِفَّةِ الدم والمرح، ناهيك عن ابتسامته الآسرة التي كانت تُفقدني التركيز عِند النظر إليه..... كان يفوق أترابه طولا، كما أن ملامح الرجولة بدت كاملة في صوته ووجهه، أما أنا فقد كنت حينها فتاة هزيلة الجسم عادية الملامح لا يكاد يلحظ وجودي احد، فقد كنت افتقر للجاذبية التي كانت تتمتع بها زميلاتي وجاراتي اللاَّتي هُنَّ في مِثْلِ سنِّي، كما أن الخجل الزائدَ لعِبِ لُعْبَتَهُ مَعِي وجَعَلَنِي انطوائية قليلة التواصل مع الآخرين، لكنني ومع ذلك، أردت أن أتجرأ ذات يوم واستجمع شجاعتي وأكسر حاجز الخجل الذي كان يربكني ويجعلني ابدوا كالمغفلة والساذجة في حضرته، وقلت لنفسي: لم لا أجرب محادثته؟  في النهاية لا يوجد ضير من ذلك، فهو جارنا ومن الطبيعي أن اكلمه ويكلِّمَنِي...... وبعدما اكتفيتُ مِنْ مُراقبته من بعيد، جاء اليوم الذي استوجب أن أطبِّقَ ما كُنتُ اخططُ لهُ، فسبِقتُهُ ذَاتَ صباحٍ إلى مخبزة الحي، وتظاهرت أمامه بعدم الاكتراث لوجوده، فبادرني بالتحية وسألني عن أحوالي وأحوال دراستي، فتلعثمت وتأْتأْت وهربت الكلمات مني، ولم ادري ما أجيب به في تلك اللحظة، لكنني بقيت انظر إليه وأنا ارتجف، فمد يدهُ نَحْوَ كِيسِ الخُبْزِ ورفعهُ عنِّي وقال: أعتقدُ أنَّكِ مريضةٌ يا هناء، دعِينِي أُوصِلُ الكيسَ عنكِ، فسلَّمتُ له الكيس بِدُونِ مناقشة، وتبِعتُهُ صامتة إلى باب البيت، حِينَهَا فقطْ تأكَّدْتُ أنَّنِي قد ضيَّعْتُ على نفسِي فُرْصَةً لن تُعوَّضَ، وأثْبَتُّ لهُ بالدَّلَائِلِ القاطِعَة أنَّنِي فتاةٌ خرقاء لا تستطيع أن تُكوِّن جُملة مفيدةً واحدة، لتتواصل بها مع الآخرين، وزاد بعدها خجلي منه أكثر،لأنه سيحتفظ بذلك الموقف المحرج في ذاكرته إلى الأبد، ليُشوِّه ما تبقى من صورتي أمامه كلما سعيت لتحسينها في المستقبل، وهكذا بقيت أرصُده كل يوم من بعيد، وأحبِسَ مشاعري بداخلي، أملاً في أن تُفَكَ عُقْدَةُ لِسَانِي ذات يوم واستطيع أن أحظى باهتمامه.                  

زادت حسرتي عندما رأيتُه في ساحة الإكمالية يكلِّمُ فتاةً من نفس عُمُرِهِ، كان يبدوا سعيدا ومُسْتَمْتِعًا بِرِفْقَتِهَا، والحقُّ يُقال ولو كان مراً، فقد كانت الفتاة على قدر كبير من الجمال، جعلتني رؤيتُها بِرِفقتِه، أشعر بإحساسين متناقضين تماما، الأول: كان الغيرة منها: لأنها وبما تمتلك من حُسْنٍ ومَفَاِتن وحلاوة ِحديث، إستطاعت أن تقف بجانب حبيبي وتكلِّمُهُ بدون أية عقدة نقص، والثاني كان إعجابا بها، لأنها بدت في تلك اللحظة تناسبه أكثر مني.

فقررت منذ ذلك الحين أن أصرِف النظر عن سمير وأتريث لحين أن يُغيِّرَ الزَّمَنُ بِحَالِي، ما عجزتُ عن تغييره بنفسي.

 لم أستفق من غيبوبة ذكرياتي إلاَّ ويدُ أُمِّي تُمْسِكُ بشعري وتجرُّه إليها ببطء، كانت عيناها  ترسلان شرارة غضبٍ اتجاهي بسبب تقاعسي عن مساعدة أخواتي، وبالرغم من حرصها على عدم إحداث ضجة كي لا ينتبه ضيفها، إلا أن محاولتي في التخلص من قبضتها القوية تسببت في ارتطامي بأختي سمية التي أوقعت صينية الإفطار من يديها على الأرض وأحدثت فوضى عارمة بالمكان، جعلت الجميع يخرج مسرعا لاستطلاع سبب هذه الضجة، أغلقت عيناي وطأطأت رأسي وبقيت قابعة على الأرض بدون حراك وكأن أطرافي شُلَّت، تمنَّيتُ في تلك اللحظة أن تنشقَّ الأرض وتبتلِعني، لأنني ما كنت أستطيع تحمل موقف محرج آخر يشهدُ عليه سمير ويسجِّلُه في خزانة ذكرياته  السيئة عني، لكنني تفاجأت به يسرع اتجاهي و يفك ربطة عنقه الرمادية من على قميصه الأبيض ويربطها على ساقي التي كانت تنزف بشدة بسبب سقوطي على زجاج الأطباق المهشمة، لم أكن أحس بالألم من كثرةِ إحراجي منه، واستغربت لعدم انتفاض والدي وأخي في وجهه عندما حاول رفعي من على الأرض بل ساعده أخي فريد وسأله إن كان يحمل حقيبة معداته الطبية بالسيارة، أم انه يتوجب عليهم نقلي إلى المستشفى لخياطة الجرح وإيقاف النزيف، فأدخل يده داخل جيب سرواله واخرج مفاتيح السيارة ورمى بها إلى أخي وطلب منه إحضارها بسرعة ليستطيع تنظيف الجرح ويرى إن كان يستدعي نقلي إلى المستشفى لخياطته، وبعدما وضعني برفق على الأريكة طلب مني الضغط على الجرح كي يخف النزيف، وما إن أنهى سمير تنظيف الجرح وتضميده حتى سمعنا آذان المغرب، فتوجه والدي إلى سمير وطلب منه التقدم نحو مائدة الإفطار التي أعادت أختي سمية توضيبها من جديد، أما أنا فاتكأت على كتف أمي وخرجت من الغرفة أعرج برجلي المصابة، بعدما شكرت سمير على اهتمامه بي، فابتسم لي وقال لي: حمدا لله على سلامتك، إنها إصابة خفيفة، لكن ارجوا أن لا تتحركي كثيرا في الساعات القادمة كي لا ينفتح الجرح ويعاودك النزيف.

بعد إتمام الإفطار طلب سمير من أبي أن يلقي نظرة أخرى على جرحي كي يستطيع مغادرة البيت باطمئنان، كانت تبدو على ملامحه علامات الاهتمام والقلق مما أثار شك والدتي التي لا تخيب ظنونها الا نادرا  في مثل هذه التصرفات التي بدت انها مبالغ فيها اتجاه ما أصابني، أما أنا فقد كدت أطير فرحا برؤيته من جديد يرعاني ويقلق من أجلي، ونسيت للحظة ما اعتقدته دوما بشأن ما يحتفظ به في ذاكرته  اتجاهي.....

فبالرغم من أنَّ سمير فقد الكثير من جاذبية المراهقة التي كنت أعشقها فيه، إلاَّ أنَّ نُضوجهُ زادهُ وسامةً وهيبة جعلتني أقعُ في غرامه من جديد، ولكن بشكلٍ مختلفٍ عمَّا كُنْتُ أُحسِّهُ عن ذي قبل، لقد شعرت لأول مرة أن نظرات سمير اتجاهي قد تغيرت عن السابق، وأحسست أنني استطعت أن ألج إلى داخله واستقر في فكره للحظات، كانت سعادتي في ذلك اليوم لا توصف، وتأكدت أنني ما عدت تلك الفتاة غير الواثقة بحالها، فكما كان الوقت كفيلا ليحول مسار حياته الى طريق معبد مرسوم بدقة نحو النجاح ، كان نفسه الوقت الذي زادني جمالا وثقافة وثقة بالنفس اكتسبتها بعدما حررت نفسي من قوقعة الخجل التي كنت اسكن داخلها. 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • الملك الحزين | 2012-04-15
    فعلا الخجل يمنع الثقة بالنفس-- لكن كانت للصدفة ( ويا لمحاسن الصدف) نقطة إنطلاق لمسار جديد ارسل العزيمة و مواجهة الصعاب. قد يدفع ذلك المرء إلى فعل المستحيل للوصول إلى الهدف و لو بعد حين.
  • Fairouz Attiya | 2012-03-17
    سلمت ولدان................حروفك يملؤها احساس عميق بجمال الماضي..............وسطورك يغمرها وهج تلك المرحلة العمرية البديعة...............فدمت مبدعة غاليتي................وسلمت و سلم قلمك من كل سوء
    • wilden | 2012-03-18
      سعيدة جدا بمرورك أختي فيروز وكم تمنيت أن تقرأي لي كما أقرأ لك دوما، فكتاباتنا تتلاقى في نقطة واحدة وهي أنها نابعة من مشاعر صادقة وأوصاف تلتحم بالتشابه مع الواقع ..
  • الان صباح | 2012-03-14

     بوركت ياولدان على هذه القصة الجميلة.. وارى ان بوسعك ان تكتبي جزء ثان يكون تكملة لها وربما ثالث ورابع.. سلمت يداك.

     

    • wilden | 2012-03-18
      أخي آلان......ربما تكون للقصة بقية، وكما يحمل عنوانها في تعبر عن يوم واحد فقط في حياة هناء، شكرا على مرورك القيم الذي أعتز به دوما ، على أمل أن أقرأ لك أيضا  
  • wilden | 2012-03-13
    قد تتشابه البيئة وقد تبدو العادات مألوفة وربما قد تتشابه الحكايات في بعض الاحيان حتى يخيل لنا اننا نعيش ما عاشه غيرنا، أردت بهذه القصة تصوير جزء بسيط في يوميات الكثير من الفتيات، أردته أن يكون يكل تفاصيله بذكرياته ومواقفه العفوية، كي نكتشف في الأخير أننا بشر قد تتطابق حياتنا وتتشابه في بساطتها، لا لشيء سوى لنشعر بالراحة من عدم الإختلاف.......اشكرك على مرورك وتعقيبك وسعيدة جدا باستمتاعك بقراءة القصة.... 
  • نورالدين عفان | 2012-03-12
    كالعادة متألقة ومبدعة حتى وأنتي تحكي عن أيام طفولتك التي يبدو أنك تفتقدينها وتحنين إليها ....وانا أقرأ قصتك بين الإنتباه والتخيل والمقارنة والضحك والفضول ......إنتبهت بداية القصة لأتمكن من معرفة شخصيات وظروف الحكاية ثم  تخيلت بيتكم وجدرانه والمطبخ وغرفة المعيشة ثم قارنت بين ماعندكم من عادات ذكرت على عجل وبين ماعندنا في أثناء الشهر الفضيل ثم ضحكت من المواقف التي صارت معك وإنتابني الفضول لمعرفة تطورات الحكاية ....
    مع كتاباتك أزداد قناعة باهمية الأدب المحلي الذي يغنيك في كثير من الاحيان عن الإجهاد في فهم حالة الكاتب ودوافعه  ويختصر بك الطريق لانه بمجرد ان تفهم البيئة تستنتج أشياء أدعي انه يصعب على من هو ليس إبن بيئة الكاتب أن يفهمها ..سلمتي وسلم قلمك وادعو لك بالمزيد من التألق .....

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق