]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

القضاء والقدر/ السفر الميثولوجي الواحد في الأدب اليوناني الكلاسيكي

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-03-11 ، الوقت: 14:14:49
  • تقييم المقالة:

مدخل: حين ولى الإنسان الإغريقي القديم نظره شطري السماء والأرض ghea ex uranus,كان قد وجد تعاقب الليل والنهار,أي الزمان فألهه وجله وقدسه, وسماه cronus.يتصف بأنه اله ظالم وقاسي,يولد  له ابن بالنهار يقتل بسرعة,وابن بالنهار يقتل بسرعة ايضا.يتوالى اولاده,ابان الليل و النهار,ولايدوم واحدا منهم,بل,بلغ بالزمن الجور والظلم ان أهوى بأبيه عند الأفق لتلتقي السماء بالأرض.

هذه الفكرة,فكرة تغلب الزمان على المكان,تعد مرحلة هامة في تاريخ الفكر الإنساني,ويوحي ان الإنسان توصل الى حقيقة فلسفية هامة هي ان المكان يقع تحت حسه,اما الزمان هوفكرة مجردة,بل,يدل هذا على الحياة والإستمراية فيها والإنتصار على الفناء,وانتصار المحدود على اللا محدود,والنظام على اللا النطام.وهكذا توصلت معظم الروائع الكلاسيكية الإغريقية الى مبدأين هامين:مبدأالخلق ومبدأالنظام,الذي يسود الوجود,اين تسود العدالة الشعرية في جميع مظاهر الحياة,حين حل الإله في الإنسان,والأنسان  في الإله (الحلولية).

وبما ان الحياة هي التي تقلد الفن,فكان لابد للقضاء والقدر ان يقوم باعادة التوازن ما بين الحياة والفن, وما بين  المكان والزمان ومابين الإله والإنسان ,والإنسان والطبيعة ,بطبيعة الحال القضاء والقدر الأسطوري.

يعتبر القضاء والقدر من أهم قواعد الأثر الكلاسيكي,منذ ان وضع ارسطو قواعدا له ,ضمن فن لعبة المحاكاة,بل,هو المحور الأساسي  التي تدور حوله الأحداث,واليد الخفية التي تحرك الإنسان نحو مصيره المسطر سلفا,دون ان يدري,دون مشيئة منه.فكان أن ارهب الأرض والإنسان معا,يعيش ويراقب غير ذي بعيد وليس بمعزل عنهما,بل,اتخذ له زوجة  وبنينا وبناتا.يحب ويكره,يغضب ويثور لأتفه الأسباب.كما يعزى في الميثولوجية الإغريقية بأنه يوجد ثلاثة الهات كن يتحكمن في مصائر الألهة والناس ايضا.يمثلن كلوثو /clotho  ولاكسيس/ lachesisوأتروبوس/  athropos.كما توضحه وتبينه سفرية  كلا من  اوديب oedipe/oedipus,وايضا ثيسيويس thes/ thesus  في  سفر واحد تراجيدي.لكن لما هذا السفر...!؟

جمهور التنظير للأثر الأغريقي القديم ,يرى ان (ثيسيويس)  ليست من الأدب  في شيئ ,بل,ما هي الا سيرة ذاتية بطلها شخصية تملؤها المغامرة في ألوان من الدعابة والتسلية والجد الخشن,فهو مجاهد عنيد متحد للأحداث ساخرا من الأحزان والخطوب,واثق بقوميته وقومه معتز بوطنه ووطنيته,ذائق حلاوة الصداقة .وفيما يرى الكاتب الإغريقي اوديب يفرض نفسه على الأيام ويتحدى الآلهة,ويعاند ويكابد القضاء والقدر,يخرج من محنته ظافرا,يريد من جهة اخرى أن ينسى الماضي ولا يفكر الا في المستقبل.اما ثيسيوس يعيش قانعا راضيا مطمئنا لايفكر الا في الماضي,يستحضر منه الشيئ اليسير,والشيئ الخطير.فاذا كانت مأساة اوديب تطرح اشكالية:في ما الذي يمكن ان يحدث لمن قتل أباه وتزوج أمه...!؟فان ثيسيوس يطرح اشكالية أخرى:في ما الذي يمكن ان يحدث لمن قتل رجلا اعرض طيبا...,لم يتزوج ممن ساعده وانقذه...,!؟ فكلا الإشكاليتين في الأصل تطرح مشكل الحكم,الفيصل في الصراع من أجل البقاء,من حيث كان الإنسان بأمس الحاجة الى قانون اخلاقي صارم ينظم له علاقاته و حياته,كيما يأخذ طريقه الى مجتمع المدينة والمدنية,ومن أجل ترسيخ فكرة وحدة العائلة والمحافظة على النوع الإنساني والبقاء.

ولدت اسطورتي اوديب وثيسيوس في سفر ميثولوجي واحد,كرمز وتعزية,وشفاعة وتطهير وتكفير للضمير الإنساني قاطبة.

لما القضاء والقدر!؟

انا نعلم جميعا بأن مصير اوديب ذاك البطل,الذي خلص الإنسانية جمعاء من الهولة sphinx,يهزنا ويدهشنا باجابته عن اللغز:- ما الكائن الذي يمشي في أول النهار على اربعة وفي وسط نهار على اربعة وفي آخر النهار على ثلاثة...!؟:انه :الإنسان – كان في الأصل يجيب على الإنسان ذاته,بل,اللغز ذاته,هو الهولة ,هو السفانكس,ليؤكد صوفوكل هدا على لسان الكورس:

لقد  ملئ العالم بالمعجزات,ولكن لاأشد اعجازا من الإنسان نفسه.يهزنا ويدهشنا مصير اوديب اذن,لأنه يمكن ان يكون مصير كل واحد منا,ولأنه يمثل مشهدا من مشاهد التجلي في اللاوعينا (فرويد),وهكذا نجلس في هلع آسر,فيما يعرض علينا اوديب رغباتنا الطفولية,وبالتالي يتحقق النمط الأولي في مثل هذا الموقف.اي ان هناك قوة عارمة تستولي علينا,وفي لحظات مثل هذه لانكون افرادا ,بل,نصير قبائلا واجناسا وشعوبا يتردد فينا صورة الأله.وقتئذ,نصير نتكلم بصورة بدائية تتحدث فينا بألف صوت (يانك),الا ان القضاء والقدر في ايامنا هذه حلت محله اجهزة الأمن في دولة يحكمها نظاما فاشيا ظالما دكتاتوريا.كما تروي اسطورة اوديب عند فرويد,لتروي نوع من أنواع الشذوذ الجنسي,وتزداد فعالياتها عندما ترتبط الأسطورة بالعقدة,لتكون قوة هائلة مذهلة مدهشة,وان القدر المهيمن على الحدث هو القدر القاسي,الذي لااختيار فيه  ولا مرد له,يجثم بكل قوة على المرء ,حتى قبل ان يولد,وهو ايضا وحي الألهة حين يقتل الرجل أباه ويتزوج أمه وينجب منها بنينا وبناتا هم اخوته في آن معا...!وبما أن جميع الأمور الإنسانية والإلهية تنشأ بالتبادل من أعلى الى أدنى ومن أدنى الى أعلى (هيراقليطس)يتملص اوديب من هذه الإتفاقية الملزمة ويناشد الحرية والانعتاق بقوله:لقد كنت أرى نفسي قويا,بحيث استطيع استغني حتى عن الإله.كما يؤكد اكثر نقض هذه الإتفاقية بقوله:يا لها من خيانة الإلهة ملؤها الجبن !انها لخيانة لاتطاق,وددت لو أفلت من الألهة التي تحيط بي, وددت لو اتحرر من نفسي,ان في نفسي شيئ يجذبني...!وفي حين يقترب اوديب من تثنية غير معقولة:الأم التي أخرجته من أحشائها ,ومبدأ والد ألقاه في هذه الأحشاء.كان في وجهة  نظر المنظرون  للأسطورة/ او العقد الإغريقية ينشد  الإله :هو الطفل  وعلى طرف نقيض يكون ثيسيوس سعيدا,لأنه أدى ما كان واجب عليه نحو الألهة,فهو يترك للأنسانية قاطبة مدينة: اثينا الذي أحبها وكان ينتمي اليها قلبا وقالبا,وآثرها حتى على زوجه,وابنه ,يسعى راضيا مرضيا الى قدره  حسب قوله:لقد أبليت في خدمة الإنسانية المستقبلة ما استطعت لقد حييت. وتمثله فريود في مغامراته بمتاهات قصر (كريت)  الذي سجن فيه الحيوان الخرافي (المونيتور) الشبيه بالثور,قصر شيده المهندس الإغريقي (ديدالوس)- ديدالوس:مهندس اغريقي بنى متاهة جزيرة كريت حيث سجن المونيتور,ثم سجن فيها هو نفسه بأمر من (مينوس) ,لكنه تمكن من الفرار,اذ صنع لنفسه جناحين من ريش لصقهما بالشمع.واصطحب معه في طيرانه ابنه ايكار.وحين حلقا واقتربا كثيرا من الشمس فذاب الشمع وسقطا في البحر – يعتبر هذا بمثابة ولادة قيصرية,فالمسالك الملتوية (المتاهة) بالقصر تمثل الأحشاء,وخيط (اريانا)  السري السحري العجيب هو الحبل السري,انه القدر عموما الذي لامفر منه.

اختلال التوازن:

وفي حين اوديب ينتقم من الإنسانية جمعاء بقوله: ليس الإنسان خليقا ان نشغل به انفسنا الى هذا الحد,يلتزم صديقه ثيسيوس عقله ويتحكم الى ضميره,ويعزف على وتر لعبة التوازن,بين ماهو أرضي وما هو سماوي,في تثنية معقولة بقوله:بماذا نشغل انفسنا اذا لم نشغلها بالإنسان الذي لم يقل كلمته الأخيرة بعد...!؟صحيح القضاء والقدر لعب دورا مهما في في تغيير مجرى حياة اوديب,وقلبها رأسا على عقب.حولها من انسان فاعل الى انسان لعوب,ومن بطل قومي  وطني عزيز النفس رفيع الشرف,عادل كريم السريرة الى شبيه بالبطل,يجري وراء نزواته ورغباته الطفولية,وأختل بهذا (التحول) و(التنقل),نظام القوى مابين الأرض والسماء,ومن هنا يصير الخطأ صوابا,والفوضى نظام غير  مرئي,وطاقة الشخص تتجاوز قدرة الشخص ذاته.وازدادت بفعل ذلك غروره وتكبره وسخريته من الألهة.صار يسعى جاهدا في الوصول الى عليائهم ومرتبتهم الرفيعة وجبروتهم وكبريائهم,ثم تشرح الأسطورة بأن اوديب لم يحسن اللعب بالأوراق التي أتيحت له,لكن,هل كان في مقدوره تحاشي القضاء والقدر,المسطر له سلفا..!؟ لقد تنبأ اوديب لهذه اللعبة الخطرة,لكنه لم يكن يريد ان يلعبها منفردا,فهو في حاجة الى من يساعده,وليس الى من يعطف عليه,لقد عجز اوديب عن رد القضاء والقدر اذن,وبالتالي هو لايرى نفسه مسؤولا ولا منهزما عما تورط فيه من ألم.لكنه ,من جهة أخرى أحسن الإنتفاع بما كتب له من بؤس وحرمان,حسب ما جاء بقوله:ما ينبغي عن أحد من الناس بقوله انه سعيد قبل ان يقضي الساعات الأخيرة من حياته دون ان يتعرض لشرما,ومع هذا تراه يستفيد من وحدتي التطهير والتكفير (ارسطو)كآخر الأوراق وكآخر حل يلجأ اليهما شخص بائسا يائسا,وفاقد للأمل كلية,واللجوء الى الوسيلة الصعبة الخطرة,فقع عينيه ويؤكد هذا بقوله: أهدا هو الذي كنت تريده الي يا تريسياس!؟كنت تحسدني  على ضوئي فأردت ان تجرني الى ظلمتك ,لقد عاقبت عيني اللتين لم تضيئا لي الطريق,وكأن الشخص الأعمى صار لدى اوديب لحظات تجلي وتفوق.يتفوق على من يحسده ويبغضه كما جاء به على لسانه:لن تستطيل علي منذ اليوم بما يمنحك العمى من تفوق.اوديب بهذا العمل أمعن الإتصال بالإله مجسدا المقولة التليدة: الطفل هو الإله,وحتى السعادة التي تكتنف رفيقه ثيسيوس هي سعادة مجنحة لسيرة ذاتية عابرة ,بينما العكس تماما عند أوديب هي سعادة خالدة  ستظل ترددها الأجيال على مر الزمن خصوصا عندما كفر وتطهر من اثمه,بما صادره من حكم قاسي في حق نفسه وبدنه لقد انتصر الإنسان ذاك الذي عرف مكر الألهة والغرور والمحنة والتكبر ,,ونال أخيرا عفوهم ,وثأر لنفسه من نفسه.لقد تطهر من أدران انفعالاته أخيرا,وسمى بذات نفسه الى اكليل الحرية والإنعتاق تجاه أخيه الإنسان ,وكذا السعي الى مساواته باتجاه الجماعة,وما تتطلبه الديمقراطية من قيم في المكان والزمان والحدث وعظمة الشخصية ورفعة اللغة (في مكان واحد وفي زمان واحد يتم فعل واحد).فاز أخيرا برضى وشعور  كل فرد انساني بمبدأ ارادته الخاصة  في تقرير مصيره بالمقام الأول.هذا هو السفر الميثولوجي في الأد ب اليوناني,لكل من اوديب ملكا ورفيق دربه ثيسيوس,الذي يعزى للأول نشأت مدينة(اثينا),بينما ثيسيوس نشأت مدينة (طيبة),وبقدر ما كان ثيسيوس عينا ويدا وساعد اوديب,بقدر ما كان  هذا الأخير يسعى لتجسيد أسطورة ثيسيوس,أسطورة الخلق الشامل,الذي يجمع الإنسان والفنان معا.كما عملت هذه السفرية (الأوديبوثيسيوسية) بمؤارخة الأسطورة,حينما حول الكاتب الإغريقي عقدة اوديب الى تاريخ.كما عمل من جهة أخرى الى تسطير التاريخ,حينما حول السيرة الذاتية (ثيوسيوسية) الى أسطورة,متبعا الحكمة  القائلة:الناس يصنعون التاريخ بصنعهم للأساطير,ومع مرور الوقت أتخذت هذين العملين ضد الظلم والطغيان.ان التاريخ التي تنشده أغلب الأساطير,هي الحرية باتجاه الخير والشر,وسوف تكون نهاية هذا التاريخ بنهاية هذه الأسطورة .الصورة البدائية صورة الكلمات الأولى التي تخاطب الإنسانية قاطبة بألف صوت,وهي بمثابة فرائض يجب ان تؤديها الأمم والشعوب,وان تدافع عنها والا خبث في نفوسها جذوة الإيمان بالحرية والإيمان بالمدينة و بالمدنية,والإيمان التام بمبدأي الحرية والمساواة من أجل بناء الصرح الإنساني العظيم المنشود,محليا وعالميا ضمن حضارة الثقافة والديمقراطية.

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق