]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تحت مبررات هجمات الحادية عشر جاءت الحرب الصليبية الحادية عشر (1)

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-11 ، الوقت: 11:44:40
  • تقييم المقالة:

 

تحت مبررات هجمات 11 سبتمبر 2001 كانت الحملة الحادية عشر لغزو العراق وأفغانستان من قبل الولايات المتحدة والغرب، وهي حملة كانت أكبر من القضاء على طالبان ونزع أسلحة الدمار الشمال في العراق أو اسقاط نظام صدام، فهذه المزاعم المعلنة لم تكن سوى تغطية لدوافع حقيقية وتسطيحا لإخفاء أهداف صليبية، فالعالم كله أكتشف أن مزاعم وجود أسلحة دمار شامل كانت أكاذيب تخفي دوافع العقيدة الدينية الصهيو ـ صليبية التي تجمعهما مختلف الأهداف والمصير. وهي عقيدة ناشئة عن خليط استقاه قساوسة اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل فتمازج وتزاوج هذا المنسوج  في الأفكار المتطرفة الداعية إلى إعداد حرب هرمجدون المقدسة من أجل تعجيل عودة المسيح . وكان الرئيس الأمريكي السابق (بوش) قد تأثر بهذه الأفكار فسارع إلى إعلان الحرب على العراق معلنا في ذات الوقت من أنها حرب صليبية مقدسة وأصر على أن طابعها صليبي مقدس، ثم أكد مرة أخرى في تصريح له أمام الجنود الكنديين على أن الحرب التي يخوضها صليبية عندما قال في معرض حديثه عن دوافع الحرب: (قفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية الهامة). وبالطبع كان بوش يعي ما يقول وليس كما فسر البعض على أن قوله كان زلة لسان لا يعبر عن حقيقة شن الحرب على العراق. وقد علق على تصريح بوش روبرت فيسك قائلا: " يبدو أن بوش كان يعتقد حقيقة أنه يقود حملة صليبية ".

 

وما يؤكد أن الحرب التي تزعمتها الولايات المتحدة كانت دوافعها صليبية، شكلها ومضمونها، ظاهرها وباطنها، وما صرح به الرئيس الألماني ( راو  يوهانس) عند بدء الحرب في مقابلة مع القناة الفضائية الألمانية ( إن تي فاو) إذ اعتبر أن الرئيس الأمريكي استند في حربه على العراق من منطلقات إنجيلية قائلا: "   إن ادعاءات الرئيس بوش بوجود دوافع إلهية حثته على قيادة هذه الحرب يظهر وقوعه أسير رؤية أحادية مبنية على ضلال مبين ... وأضاف قائلا : أن الرئيس الأمريكي ليس له ارتباط بأغلبية النصارى الذين عبر عنهم البابا يوحنا بولس الثاني مرات عديدة برفضه للحرب". وتبدو في رأي الرئيس الألماني أن الحرب على العراق كانت غير مبررة وغير مقبولة، وأنه كانت للولايات المتحدة أهدافا غير معلنة، ولكن تصريحات بوش أوضحت أن إعلانه لغزو العراق كانت لها روافد دينية.

 

وترى في هذا الشأن الصهيو ـ مسيحية أن هجرة اليهود من أنحاء العالم إلى فلسطين وتوسيع الاستيطان فيها بمثابة مقدمة لدنو معركة (هرمجدون) المقدسة، لأن هجرة اليهود من كل حدب وصوب ستعزز فرص بناء الهيكل على أنقاض مسجد الأقصى وتسهيل خروج ملك اليهود المخَلص، ليتبعه خروج المسيح مباشرة فيوحد ذلك اليهود والنصارى لمحاربة الجوييم (الأمميين) الذين سيقتلون جميعا.

 

فالصهيو ـ مسيحية المنضوية تحت المذهب البروتستانتي ربطت تجاربها التاريخية الصليبية بخروج أتباع هذا المذهب من بريطانيا إلى أمريكا بخروج اليهود من مصر إلى ما يسمى بأرض الميعاد حيث ساعد إطلاق هذا التطابق على الحالتين في ترسيخ الطابع الديني لأمريكا وتأييدها المطلق للكيان الصهيوني، ففي إحدى الأسفار تقول: " طوبي لمن يهشم رؤوس أطفال بابل بالحجارة ". ولهذا الغرض أخذوا على عاتقهم العمل من أجل تحقيق النبوءات التوراتية، ولهذا الغرض كذلك وقف جميع الرؤساء الذين تقلدوا السلطة في البيت الأبيض موقفا دينيا موحدا تجاه إسرائيل، وكان العامل الديني هو من يصنع العلاقة بين الدولتين منذ نشأة إسرائيل إلى اليوم، ولذلك فإن الحرب على العراق جاءت على خلفية الانتقام ممن اضطهدوا وسبوا اليهود إلى بابل في عهود ما قبل التاريخ، وهدموا الهيكل الذي حار اليهود منذ زمن بعيد  وإلى اليوم في كيفية إعادة بنائه.  فالتحيز الأمريكي الغربي إلى إسرائيل ليس معناه أن اللوبي الإسرائيلي يملك تأثيرات قوية في مجالات مختلفة في السياسات الغربية ، بل إن التحيز الغربي يقوم على أسس دينية بحتة منذ قيام الحملات الصليبية الأولى، ونشأ مع حركة الإصلاح الديني البروتستانية منذ أربعة قرون وهي من ساهمت في بعث اليهود من جديد من أجل إقامة دولة إسرائيل لتحقيق التنبؤات التوراتية وبناء الهيكل .

 

كل هذه التأويلات والتخمينات بنيت على رؤيا ذكرت في سفر دانيال وهي من دون شك لا تشير إلى أي علامة من علامات نهاية العالم، بل هي علامات تشير إلى أحداث وقعت في زمن قورش الفارسي الذي أسقط ممالك ميديا وليديا (تركيا) وبابل، ولكن اليهود والنصارى حرفوا معنى الرؤيا وأطلقوا تفسيراتها على أحداث ليس مقيدة بزمن ستقع حسب زعمهم قبل نهاية العالم في مكان يسمى هرمجدون بالقرب من حيفا.

 

وتصديقا لرؤيا دانيال أطلقوا مبررا لغزو العراق وأولوا اسمي ( مادي وفارس) المذكورتين في سفر دانيال على أنهما إيران والعراق ونسوا أن مملكة مادي كانت تقع في الجزء الشمالي الغربي من إيران الحالية إقليم (همدان) وفارس كانت تقع في الجزء الجنوبي من إيران الحالية في زمن قورش الذي أسقط المملكة الميدية ووحد بين المملكتين الفارسيتين. فمثلا تقول القصة كما ورد في نص الرؤيا أن ملكا من الملائكة خاطب دانيال قائلا: " أن الكبش ذو القرنين الذي رأيته ( في المنام) هو ملك مادي وفارس، والتيس الأشعر هو ملك اليونان، والقرن العظيم النابت بين عينيه، هو الملك الأول وما إن انكسر حتى خلفه أربعة عوضاً عنه، تقاسموا مملكته، ولكن لم يُماثلوه في قوته، وفي أواخر ملكهم عندما تبلغ المعاصي أقصى مداها يقوم ملك فض حاذق وداهية جافي الوجه وفاهم الحيل فيعظم شأنه، وإنما ليس بفضل قوته، ويسبب دماراً رهيباً ، ويفلح في القضاء على الأقوياء ويقهر شعب الله وبدهائه ومكره يُحقق مآربه، ويتكبر في قلبه، ويُهلك الكثيرين وهم في طمأنينة، ويتمرد على رئيس الرؤساء، لكنه يتحطم بغير يد الإنسان".

 

ونص الحلم يقول أن الملك الذي رأيته هو ملك مادي وفارس، وتاريخيا ثبت أن قورش هو من كان ملكا على فارس وميديا، وهو من وحد بين المملكتين، وحسب المزاعم اليهودية فإن المقصود بمادي وفارس العراق وإيران، والتيس الذي رآه في الرؤيا هو الإسكندر المقدوني، ولكن اليهود والنصارى فسروا على أن المقصود بملك اليونان أمريكا ودول الغرب عموما، وأن الملك الذي أنكسر (مات) وخلفه أربعة ملوك هم ملوك فارس القديمة الذين خلفوا قورش وكانوا أضعف منه قوة ( غمبيز ابن قورش، داريوس الأول والثاني والثالث)،  وأما الملك جافي الوجه هو الإسكندر المقدوني الذي أسقط الإمبراطورية الفارسية، ومات موتة طبيعية عندما عاد من باكستان إلى بابل، غير أنهم أولوا أن  المقصود بالملك جافي الوجه الرئيس العراقي صدام الذي حسب زعمهم الذي سيستخدم أسلحة الدمار الشامل ويتمكن من القضاء على أمريكا والغرب ثم يقهر اليهود ولكنه يتحطم بغير يد، أي يموت موتة طبيعية، وعلى هذا الأساس بنيت دوافع مسرحية غزو العراق حتى وإن ادعوا أنها كانت بدافع نزع أسلحة الدمار الشامل ومحاربة القاعدة.

 

والباحث في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد (التوراة والإنجيل) لا يجد إشارات ترسم صورة واضحة ودقيقة في كيفية نهاية العالم، ولا توجد فيه علامات دالة على ذلك إلا من خلال حلمين اثنين. الحلم الأول رآه دانيال وسمي بسفر دانيال. والحلم الثاني رآه يوحنا وسمي بسفر الرؤيا. على ضوء هذين الحلمين نسجت روايات كثيرة تزعم معرفة تاريخ نهاية العالم في الديانتين العبرية والمسيحية، فضلا عن أنه لو عقدت مقارنة بين السفرين لتبين أن قصة سفر الرؤيا مقتبسة شكلا ومضمونا من سفر دانيال، لم تتغير فيه إلا بعض الأسماء وحشوه ببعض الزيادات، لكن سياق الحلم ومقاصده بقي على حاله من أوله إلى آخر.

 

ويعترف صاحب كتاب (الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية) مايكل كورتب أن الدوافع الدينية في الحروب هي من تصنع المواقف الأمريكية وذلك وفقا لما قال: "  توجد الجذور الدينية للموقف الأمريكي تجاه الحرب والسلام في الكتب المقدسة المسيحية واليهودية... حيث أن المسيحية كانت لها السيادة في تشكيل الموقف في الولايات المتحدة تجاه الحرب ".

 

إن الحرب الدينية أو الصليبية هي من كانت تشكل مواقف سياسة الدول الغربية في إطار الحملات الصليبية تجاه دول الشرق وتنصير الشعوب الوثنية في كل من قارة أمريكا وآسيا وإفريقيا، وهي من شكلت الموقف الأمريكي تجاه الحرب على العراق وأفغانستان، وهذا المصطلح يعني حرب الصالحين ضد الكفار، (أي المسلمين) كما كانت تسمى في عهد الحروب الصليبية القديمة وتطلق اليوم على الإرهاب والمعتوهين سياسيا. وقد يطلق عليها أحيانا اسم الحرب العادلة لكسب تأييد أكبر للحرب، وقد تطلق عليها عناوين أخرى تبريرا لكسب الرأي الداخلي والخارجي وتعبئة أكبر عدد للحرب.....يتبع.

 

.... عبد الفتاح ب..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق