]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اليتيم

بواسطة: chaymaemaya  |  بتاريخ: 2012-03-11 ، الوقت: 11:20:29
  • تقييم المقالة:

 طبيعة الطفل اليتيم

مما لا شك فيه أن الطفل اليتيم هو أحد الفئات التى تتعرض لأزمات بشكل كبير فى مجتمعاتنا العربية ، فتتعدد الأزمات بين عدم الإعتراف به من أطراف ، واعتراف دون وعى بالكيفية الملائمة للتعامل معه من أطراف أخرى ونظراً لعملى لفترات كبيرة من حياتى المهنية داخل دور أيتام مختلفة فى كافة الأبعاد ، فقد وجدت من المناسب أن نلفت النظر لأزمات الطفل اليتيم والتعامل معه فى مجتمعاتنا العربية ، محاولين سد ثغرة كبيرة فى إيجاد أعمال نفسية توضح الكيفية الملائمة والأكثر مناسبة للتعامل مع الأطفال فى هذه الفئة .. ولتحقيق ذلك فسوف أفرد ملف كبير للموضوع أتناول فيه قضية الأطفال الأيتام لرفع الوعى باحتياجاتهم وأزماتهم وما يجعلهم فئة خاصة تحتاج أن نلتفت لها ونسعى لإحتواءها وإلا كلفتنا الكثير دنيا وأخرة ، ولنبدأ بموضوع اليوم حول طبيعة الطفل اليتيم ..
طبيعة الطفل اليتيم
يقع تصنيف الطفل اليتيم ضمن فئة ذوى الاحتياجات الخاصة بالمعنى الأعم والأشمل للكلمة ، والتى درج على استخدامها فى الإشارة للأطفال المعاقين فقط ، ولكنها فى الحقيقة كلمة تشير إلى كل فئة تتطلب معاملة خاصة واحتياجات مختلفة عمن يقعون فى مرحلتها العمرية أو فى نفس ظروفها .
وبالتالى فالوصف ينطبق تماماً على الأيتام ، الذين يتم إيداعهم فى دور للرعاية أو ما يطلق عليها " دور الأيتام " وتبعاً للشروط الخاصة التى تفرضها الحياة فى دور الأيتام نجد للأطفال الأيتام خصوصية ، ويصبح تساؤلنا هنا ، لماذا يعتبر الطفل اليتيم من ذوى الاحتياجات الخاصة ؟
فيرجع ضم اللطفل اليتيم إلى فئة ذوى الاحتياجات الخاصة لعدة أسباب منها:
1- غياب الأم والأب رمز الحماية والحب والرعاية بكل أشكالهم وهما ما لا يعوض دورهما أى شخص أخر ، فصلة الدم والحب الذى يبدأ قبل حتى أن يتواجد هذا الصغير ويتوقف حبه على لونه أو شكله أو صفاته تجعل من الوالدين وتبعاً لكل الأديان وكلمات الحكماء والوصايا المختلفة ومنها وصايا لقمان لابنه حينما أبلغ إبنه بأن والديه أول وأخر من أحبه لذاته .
2- غياب الجو الأسرى فى التنشئة الإجتماعية للطفل ، ففى معظم الأحوال يتواجد الأطفال فى دور الأيتام ويخضعوا لرعاية أم بديلة فى الصغر ويغيب عنهم الدور الأبوى والتكامل بين دور الوالدين لتحقيق رغباته .
3- تدخل عدد كبير من المؤسسات والهيئات والأشخاص فى تربية الطفل ، والتغير الدائم فى صناع القرار بالنسبة له مما يصعب عليه عملية التوافق والتأقلم التى يبذل فيها جهد من طاقته النفسية مايلبث أن يزول فى لحظة حين تقرر الأم البديلة أو المديرة التى تعود على قوانينها ووفق أوضاعه معها أن تغادر المكان فيبدأ فى رحلة أخرى بحثاً عن التوافق والتكيف مع الجديد .
4- انشطار المجتمع فى نظرته لليتيم بين من يسيؤن التعامل معه عن سوء فهم أو أفكار مغلوطة سواء دينية أو اجتماعية ، وبين من يرون ضرورة تقديم يد العون للطفل اليتيم ، ولكنهم يجهلون الطريقة المثلى لذلك ، فنقع بين طرفين يصدر عنهما تصرفات عشوائية تؤثر على الطفل وتترك ترسيبات نفسية قد يشكل مستقبله .
5- عدم وجود نظم ثابتة وإشراف علمى منظم ودقيق يوضح النموذج الأمثل للتعامل مع هذه الفئة فيدرس احتياجاتها ويحدد طريقة التعامل معها ، فيكون الاجتهاد دون فهم التكوينة الأساسية فى أغلب الأحيان.
6- غالباً مالا يتم التفكير فى هؤلاء الأطفال فى الكبر أو ما يتعلق بمستقبلهم وإعدادهم للتعامل بشكل سوى مع المجتمع خارج الدار بعد أن يحين وقت خروجهم للمجتمع الأكبر .
كل هذه الأسباب وغيرها يقع خلف وضعنا لهذه الشريحة التى يشغلها الأطفال الأيتام ضمن الفئات ذوى الاحتياجات الخاصة ، وما يترتب عليه من ضرورة فهم احتياجاتهم ، ومتطلباتهم ، والتعامل معها بما يكفل إيجاد طفل متوازن بأكبر درجة ممكنة .
وفى الأجزاء التالية سوف نتناول احتياجات الطفل اليتيم ، وكذلك الأمور التى قد تؤثر على هذه الاحتياجات واشباعها ، فتظل حاجة ملحة لا يتم اشباعها على نحو كافى ، أو بالكيفية المتطلبة .. وغيرها من الموضوعات.

----------
(2) احتياجات الطفل اليتيم

لكل إنسان فى كل مراحل حياته احتياجات تختلف من مرحلة عمرية لأخرى ، وتختلف أيضاً باختلاف التنشئة مكاناً وزماناً ، إلا أن هناك حاجات إنسانية ثابتة ، وأساسية تتواجد لدى كل فرد ، وفى كل مراحل عمره ، يلعب إشباعها دوراً كبيراً فى استقرار حياته وإستمرارها ..

أولاً : تعريف الحاجة :
الحاجة هى افتقار إلى شيء ما إذا وجد حقق الإشباع والارتياح للكائن الحي، أو هى حالة من العوز تحتاج إلى إشباع بطريقة معينة يعقبه شعور بالراحة لفترة ما تظهر بعدها حاجة أخرى أو نفس الحاجة حين تكون من الحاجات ذات الطبيعة الدورية ..
ثانياً : تصنيف الإحتياجات :
قام العديد من الباحثين بمحاولات لتصنيف الحاجات تبعاً لمعايير مختلفة ، منها تصنيف الحاجات إلى حاجات فسيولوجية ، وحاجات نفسية تخص الفرد نفسه ، وحاجات اجتماعية يرتبط ظهورها وإشباعها بوجود الفرد فى وسط جماعة لها شروط ومواصفات خاصة تفرضها على من ينتمون لها وتطالبه بطريقة معينة لاشباع ما يظهر لديه من حاجات ..
ولعل أهم تصنيفات الحاجات هو التصنيف الذى يقوم على وضع كل الحاجات فى فئتين كبار ، تتضمن الفئة الأولى حاجات تضمن البقاء الإنسانى للفرد وتحفظ حياته مثل الحاجات الفسيولوجية ، والفئة الثانية تتضمن حاجات تضمن حياة أفضل وأكثر مناسبة وهى الإحتياجات النفسية والإجتماعية ..
وانشغل عدد أخر من الباحثين بتدرج هذه الحاجات حسب أهميتها ، ويعد مدرج ( ماسلو ) للحاجات والذى يتكون من خمس مستويات يقع فى قاعدته الحاجات الفسيولوجية ، ثم الحاجة للأمن ، ثم الحاجة للإنتماء ، ثم الحاجة إلى تقدير الذات ، فالحاجة إلى إثبات الذات ، وقد وضع ماسلو هذا المدرج بحيث يكون إشباع كل مستوى شرط للبحث عن المستوى الذى يليه ، فإذا ما أشبع الفرد الحاجات الفسيولوجية الأساسية بحث عن الأمن ، وبعدها الإنتماء ، وهكذا ..
ومن الجدير بالذكر أن رب العزة أوضح لنا هذا فى كتابه العزيز قبل كل ما توصل له الباحثين .. ففى الأية الكريمة " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " صدق الله العظيم .. نجد توضيح لترتيب احتياجات البشر فالجوع من الإحتياجات الفسيولوجية ، لحقها الأمن من الخوف ، وبالطبع هناك الكثير من الحقائق التى وصل لها العلماء بعد دراسات عديدة سبقهم لها القرأن الكريم بمئات السنوات ..
ثالثاً نماذج لاحتياجات الطفل اليتم :

لا يختلف الطفل اليتيم عن أى طفل أخر ، بل عن أى انسان أخر فى احتياجه بالدرجة الأولى للاحتياجات الفسيولوجية الأساسية التى تضمن له بقائه وتعد ضرورة للحياة ، ثم تظهر الإحتياجات الأخرى مثل الحاجة للحب ، والحاجة لتقدير الأخرين ، والحاجة إلى تقبله من الأخر ، والحاجة إلى إثبات الذات ، وغيرها .... إلا أن أهم الحاجات والتى سوف نختصها بدرجة كبيرة من التوضيح لأهميتها وكونها مطلب أساسي للطفل اليتيم تحديداً لطبيعته التى تحدثنا عنها فى الجزء الأول ، وهى :
الحاجـــة للأمـــــن :
لقد وضع الله سبحانه وتعالى الحاجة للأمن مباشرة بعد الإحتياجات الفسيولوجية وذلك للدلالة على أهميتها ، فتخيل لو أن لديك كل شئ وينقصك الإحساس بالأمان ؟؟ سوف تفقد كل الأشياء قيمتها لأنك ببساطة لا تأمن ايجاد فرصة الاستمتاع بها ، كذلك لا تأمن استمرار وجودها .
ورغم الاحتياجات المتعددة للطفل اليتيم والتى يشابه فيها الطفل فى الأسرة بقدر ما ، إلا أن الحاجة للأمن تعد الحاجة الأهم للطفل اليتيم الذى يفتقد قدر كبير منه بشكل اساسى كما شرحنا لغياب الوالدين والذين يمثلا المناخ الطبيعى للأمان الحقيقى للطفل .
ورغم أهمية الإحساس بالأمان والحاجة له إلا أن هناك عدد من الأمور التى تتم فى دور الأيتام وعلى يد من يقدمون له الرعاية تؤثر على إحساسه بالأمان وتجعله مطلب عزيز ، ويحدث ذلك عن عدم دراية أو كما ذكرنا عن محاولات عشوائية تؤثر على احساس الطفل اليتيم بالأمان ..

------------

(3) مؤثرات سلبية على احساس اليتيم بالأمان

توقفنا فى الجزء السابق عند وصف أهمية الأمن بالنسبة للطفل اليتيم ، والذى يعد أهم احتياجاته على الإطلاق ، إلا أن هناك أمور تصدر منا رغم اتفاقنا جميعاً على أهمية الأمان للإنسان بوجه عام وللطفل اليتيم بوجه خاص تؤثر على شعور الطفل اليتيم بالأمان .. وهو ما سوف نتناوله فى الجزء الحالى
بعض العوامل التى تؤثر سلباً على إحساس الطفل اليتيم بالأمان :
وتشمل بعض الممارسات التى نقوم بها فى بعض دور الأيتام ، ولها تأثير بالغ على إحساس الطفل اليتيم بالأمان وتحتاج إلى تكاتف الجهود للتقليل منها أو اختفاءها نذكر منها :
1- تدخل عدد كبير من الأشخاص فى تربية الطفل اليتيم :
ومشكلة هذا التدخل أنه يتبع لأهواء البعض فنجد مصلحة بعضهم فوق مصلحة الطفل ، فيجد نفسه مضطر لأن يغير طريقته تبعاً لمن يتعامل معه ليحصل منه على الحب والأمان .
2- إعتبار الطفل كائن لا إرادة له :
فعليه دائماً أن يكون مستعد لتقبيل واحتضان من يأتى له ويناديه بماما وبابا وأخويا بغض النظر عن قبوله لهذا من عدمه ، وإلا سحبنا منه الأمان وانصرفنا عنه .
3- الحب المشروط :
وهو بُعد مكمل للبعدين السابقين ولكنى فردت له بعد جديد لأنه بالفعل عامل قاسى بما يحمله فى حد ذاته ، فالحب المشروط يعنى أن أقد للطفل اليتيم الحب والإحساس بالأمن فى وجودى معه بحسب مواصفاته وتوافر الشروط التى أحتاجها فيه ، مثل شكله ، وهندامه ، واستعداده وإحتفاله بوجودى معه ، وإلا سحبت منه الحب ، وسحبت منه كل ما يمكن أن أقدمه له من أشياء أعلم أنه يحبها ، وأبدأ هنا فى الانسحاب إما الإنسحاب بشكله الواضح بأن أحرمه من الزيارة مثلاً أو الحرمان غير المباشر والذى يتمثل فى وجودى ولكن مع إظهار ملامح الإهمال العاطفى .
4- عدم وضوح فلسفة للعقاب :
فيخضع الطفل للعقاب على السلوك بحسب طبيعة شخصية من يعاقب ، فإن كانت الأم البديلة التى تعمل معه الأن ترفض سلوك معين بحكم التربية والتنشئة التى خضعت لها فإنه يعاقب عليه وبالطريقة أيضاً التى تعودت عليها الأم البديلة والتى تراها صحيحة ، ويمكن ألا يعاقب على نفس هذا السلوك مع أم بديلة أخرى ، ربما خضعت لتربية مختلفة ، وأسلوب عقاب مختلف ، ناهيك عن أن نفس السلوك فى نفس الفترة قد تقبله الأم البديلة من طفل ولا تقبله من أخر ، أو تقبله المديرة فى وجود زيارة للدار ولا تقبله فى وقت أخر ..
ويكون الحل هنا أن نعلم الطفل السلوكيات المرفوضة ونعلمه بالعقاب الذى يفضل أن يكون تدريجى ، كما يجب أن يتفق عليه الجميع ، بحيث لا يهتز شعور الطفل اليتيم بالأمن ..
5- التغير المفاجئ لفريق العمل مع الطفل اليتيم :
وهو ما يلعب دوراً كبيراً فى استقرار الطفل فى دار الأيتام من الناحية النفسية وشعوره بالأمن ، فهو محاصر دائما بإحساس بالفقد ، فقد تعود منذ نعومة أظافره أن العالم حوله متغير ولا يخضع لأى درجة من الإستقرار ، ولا الثبات ، وحتى هذا التغير لا يبلغ به ، ولا يتم دراسة طريقته ، فعليه هو فى كل الأحوال أن يكون مستعد للفراق والبعد من الأخرين ، بعدما كون لغة حوار ، وكون حالة من الإستقرار الداخلى مع الطرف الأخر الذى يتعامل معه ..
فجأة يجده يغيب عنه دون اعتبار لرغبته وتقبله ، ويكون عليه فى كل الأحوال أيضاً أن يسرع فى التوافق مع الجديد وإلا فالعقاب أو الهجر ، وكلاهما أكثر مرارة من الأخر .
6- عدم السرية فى التعامل مع الطفل اليتيم وسط الباقين :
لا يخفى علينا أن ما يجمع بين الأطفال فى الدور الواحدة أو حتى الحجرة الواحدة فى دار الأيتام ليس كما يجمع بين الأخوات فى الأسرة الواحدة ، كما أن الأطفال لا يعرفون سراً ليس من باب خيانة الأمانة ولكن من باب عدم إدراك أهمية الإحتفاظ بما سمع ..
وهنا تكون خطورة ذكر نقاط ضعف الطفل أمام إخواته أو من يشاركونه التواجد فى الدار أو محاولة إذلالة بها ليسمع ما نريد ، فيكون التهديد بأن نقول لإخواته ما يعانيه .. فهذا السلوك يسئ لإحساس الطفل بالأمان وثقته فى الأخرين من المحيطين أو غيرهم لأن الطفل يقوم بتعميم تجربته مع شخص على كل الأشخاص الأخرين الذين يتعامل أو سوف يتعامل معهم فى مراحل حياته المختلفة حتى حين خروجه من الدار ووجوده وسط البشر فى الحياة العامة ..
هذه بعض الأمور التى تؤثر على احساس الطفل بالأمان ، وغيرها الكثير ، ولكننا عمدنا إلى ذكر أهمها وأكثرها تواتراً ..
وفى الجزء الرابع نتناول بعضاً من الأمور التى تترتب على غياب الشعور بالأمن لدى الطفل ، لنعلم مدى تأثيرها على شخصيته ، بل ولا أكون مبالغة لو قلت أنه يؤثر على المجتمع بوجه عام .. فيصبح هؤلاء الأطفال الذين يعانون من غياب الأمن خطر يهدد المجتمع بحثاً عن أمنه عنوة ، ورغماً عن المجتمع فياخذه بقوة أو بالأحرى يأخذه بعنف موجه للجميع بأكمله .


 chaymae maya


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق