]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل الإنسان مسير أم مخير برأي الغزالي؟ ( الجزء الخامس)

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-07 ، الوقت: 18:49:41
  • تقييم المقالة:

 

قال الدكتور صليبا: " لقد ذهبت المعتزلة في قولها بالعناية إلى أن الله لا يستطيع أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم وخيرهم، وأن هذا الذي فعله نهايته وآخر قدرته! فالنظام يقول مثلا: أن الله إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده في الدنيا، ولا يقدر على فعل ما ليس فيه صلاحهم، أما في الآخرة ، فإن الله لا يوصف بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا يستطيع أن ينقص من نعيم أهل الجنة ، ولا أن يخرج واحدا من الجنة، فإن ذلك ليس مقدورا له ! فما أبدعه وأوجده هو المقدور له. ولو كان في علمه ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وترتيبا وصلاحا لفعله، لأنه جواد، والجواد لا يبخل على المخلوقات بما فيه صلاحها. أما الغزالي فإنه لم يأخذ بهذا الرأي الذي أخذت به المعتزلة، لأنه لو أخذ به لجعل إرادة الله مقيدة بما فيه صلاح الإنسان وخيره. وكيف يستطيع الغزالي أن يجعل رعاية الأصلح للعباد واجبة على الله، وهو يقول بالقدرة الإلهية المطلقة ". تاريخ الفلسفة العربية

 

والنتيجة أن المعتزلة قيدت قدرة الله بما أنشأ وقدر وأنه لا يستطيع فعل ما يخالف صلاح عباده، ثم برمج نفسه على أن لا يستطيع فعل أكثر من ذلك أو أقل، وهو مذهب بعض الفلاسفة الذين زعموا أن الجواد لا يجوز له " أن يدخر شيئا لا يفعله، فما أبدعه وأوجده هو المقدور له. ولو كان في علمه ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وترتيبا وصلاحا لفعله ".

 

وأما الغزالي فهو الآخر قد جعل الله مقيدا بالقدرة المطلقة، فقدرته لا تسمح للإنسان أن يكون حرا في أفعاله وحركاته لأنه خلق القدرة والمقدور وخلق الاختيار والمختار وحركات العباد وأفعالهم.

 

قال الدكتور صليبا: " إذا اطلعنا على الأصول التي بنى عليها الغزالي أفعال الله، نستطيع أن نبيّن حقيقة رأيه في مسألة رعاية الله للأصلح.

 

قوله: أن كل حادث في العالم فهو فعل الله وخلقه واختراعه، لا خالق له سواه، خلق الخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم، وحركتهم، فجميع أفعال عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته.

 

وقوله: إن انفراد الله باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة لهم على سبيل الاكتساب، فالله خلق القدرة والمقدور جميعا، وخلق الاختيار والمختار جميعا.

 

وقوله: أن فعل العبد، وإن كان كسبا له، فلا يخرج عن كونه مرادا لله، فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين، ولا لفتة خاطر، ولا فلتة ناظر، إلا بقضاء الله وقدرته ومشيئته، عنه يصدر الخير والشر، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر... والطاعة والعصيان، والشرك والإيمان.

 

وقوله: يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه!

 

وقوله: إن الله قادر على إيلام الخلق وتعذيبهم، من غير جرم سابق، وسبب ذلك أنه ملك مطلق التصرف في ملكه.

 

وكل هذه الأقوال تكتسي طابعا جبريا وتوكيدا لما سبق ذكره إزاء موقف الغزالي من الحرية الإنسانية، وقوله إن الله يكلف الخلق ما لا يطيقونه مخالفة لما جاء في القرآن، ولعله بنى أفكاره على أحاديث وضعها الصوفية وأهمل نصوصا هي في غاية الوضوح من هذه المسألة، وتوكيدا على أن الله لا يكلف نفسا إلا ما كسبت من خير أو شر وكذلك لا تكلف ما لا تطيقه جاء في هذه الآيات تبيانا لذلك:

 

( لا نكلف نفسا إلا وسعها). الأنعام152

 

( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق). المؤمنون62

 

(لا تكلف نفس إلا وسعها). البقرة233

 

وكذلك كان الرد واضحا من القرآن بالنسبة لمن يعذب بغير جرم أقترفه في سلسلة من الآيات توكيدا على أن الله لا يظلم أحدا مهما كبر حجم ذنبه أو صغر، إنما تجزى كل نفس بما كسبت في حياتها العقلية:

 

(وما الله يريد ظلما للعباد)، قد نفى الله الظلم عن نفسه في هذه الآية بشكل مطلق.

 

وقال: ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم). فالله مستغني عن الكذب وعن ظلم العباد، وهو يقيم موازين العدل بين الناس يوم القيامة، وقد حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما فكيف يأتي بشيء ينهى عنه؟ 

 

(ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون). الأحقاف19

 

(وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون). الزمر69

 

(وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون). يونس47

 

(ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون). الأنعام160

 

وأما قوله: عنه ( عن الله) يصدر الخير والشر، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر، والطاعة والعصيان، والشرك والإيمان، يعد في عرف المؤمن بالله كلاما آثما وكبيرة من الكبائر، وإساءة عظيمة لله ونقيضة من نقائض اللفظ والاعتقاد لا تستقيم في التعبير ولا في التفكير، ويفضي هذا المعنى إلى أن الله هو من يصنع الشر والشرك والكفر والعصيان ويسلطه على عباده. لقد خصص الغزالي أبوابا للحديث عن الأدب والأخلاق وتكلم وأطال الكلام ورغب ورهب، ولكنها لم تكن بمثابة الأخلاق التي تجيش في اللحم والدم وفي القيم والمزايا بل كانت في صفحات ورق وكلمات وحروف وأصداء، وهو لم يحسن في قوله أدبه مع الله.

 

إن الله خلق العالم على نظام التكافل بين أجزاء الوجود، وهو قائم على هذا التكافل منذ أن خلق، فما من شيء في الوجود إلا ويقابله نقيضه من نفع وضر ولذة وآلام، ولا معنى للكرم بغير الحاجة ولا معنى للأمن من غير الخوف ولا معنى لفضيلة بغير نقيصة ولا معنى للشجاعة بغير الخطر ولا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع إلى الطعام، وهكذا لا معنى لشيء بغير نقيضه، وهذا التكافل كان لازما في طبيعة الكون بل لازما في طبيعة الإنسان العاقل المختار، ومن الواضح أن قوله بهذه الصيغ لا يحل الإشكال الفلسفي ولا يغني عن التماس الحلول على نظريات المعترض عليهم، ولم يعلم الغزالي أن العقل الإنساني كان فاتحة التمييز بين الخير والشر، ولم يكن قبل وجود الكائن العاقل من تمييز بين خير وشر، وكان الوجود كأنه يسوده ظلام لا تمييز فيه بين ما هو طيب وما هو خبيث، وما من شيء في الوجود إلا وفيه ضر ونفع وفيه خير وشر، ولم يكن المخلوق الأول قبل الغواية يوجد في عقله من فارق بين حسن وقبيح وبين ما هو يَسر وما هو يسوء، ولم يكن له مدلول في ميزان الذهن والوجدان، وكان عدم التمييز هو كل شيء. فلما عرف الإنسان التمييز ذم الشر واستحسن الخير، والإنسان العاقل مطالب بفعل الخير وهو ممتحن بالشر، وأن السنن الإلهية تفرض على الأخلاق الحية أن تمتحن بمحنة المعرفة والجهل كما أن الإنسان ممتحن بالفضيلة والرذيلة وبالخير والشر، لأن عقله نامي في معرفته من طفولته إلى أرذل العمر، وقد يأتي بالعجب في علمه وفي جهله، وقداسته تكمن في امتثاله لفعل الخير والنفع وهو قادر على الظلم والفساد. ولعل هذا الرأي أقرب إلى الإقناع والمعقول من تفسير الغزالي، والحقيقة أن آراءه اختلطت بكثير من الخرافات الصوفية والكشفية حتى أن العقل يتعسر عليه أحيانا معرفة ما هو صحيح وما هو سقيم، وتلك هي طبيعة الصوفي إذ ينسب الخير والشر لفعل الله...يتبع ..

...... عبد الفتاح ب .. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق