]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل الإنسان مسير أم مخير برأي لغزالي؟ ( الجزء الثالث)

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-07 ، الوقت: 18:35:34
  • تقييم المقالة:

 

وكل هذه العقائد التي آمن بها الناس ودانت بها الشعوب القديمة لا يوجد فيها حلا لمسألة القدر بأي وجه من الوجوه يمكن أن تقنع العقول وتطمئن إليها النفوس. وأما ظاهرة الشر فهي حالة شعورية وليست مسألة عقلية في أصلها، ومسألة القدر تلازم مسألة الشر في مضامينها والأفعال المفروضة على الإنسان قسرا، والعقل مع الإيمان بوجود الله يجعله يسلم أمره إليه، ولا يفكر في إجراء حكمته وعدله وقدرته، والعقل الإنساني لا يمكن بأي حال أن يسوي ما يجري عليه وما يجري على الحيوان والنبات والجماد في مسألة الاختيار، ولكن العدل الإلهي لا تحيط به العقول البشرية المحدودة الرؤية والتفكير، لأن الإحاطة بدلائل حكمة الله أمر غير ممكن في حكم العقل الإنساني نفسه. فالعقل البشري المحدود النظرة والقدرة لا يمكنه أن يحيط بحكمة الخالق وقدرته التي ليست لها حدود، ومن ثم اقتضت حكمة الخالق أن يكون الإنسان حرا وأن تجرى قدرته بمحاسبة المخلوق على حريته وأعماله.

      

((وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ))،(الإنسان 30)، ومعنى المشيئة الإلهية هنا، هو أن الإنسان إذا همَّ بفعل الشر باختياره تركه الله يفعل ما يشاء دون اعتراض،وهذا نوع من المشيئة. فعدم الاعتراض عن فعل الشر مشيئة لأنه تركه يفعل ما يشاء، والاعتراض عليه هو كذلك مشيئة لأنه منعه من الفعل، وهذا تفسير المعضلة التي غرق فيها الكثيرون وغرق فيها الغزالي تحديدا.

 

(( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))، (السجدة 13ولو شاء الله لجعلنا كالملائكة لا نعصي له أمرا كبيرا أو صغيرا أو لجعلنا كالجماد لا نحيد عن ميزان قدرته قدر أنملة، ولكن الله خلقنا على نظام الاختيار والتكليف وهو قادر على أن يجعلنا كالملائكة معصومين في كل شيء، ولكن الله خلق مخلوقا بخلاف الملائكة يحدد مصيره بنفسه، ويعمل وفقا لما تمليه عليه إرادته، والله لا يقول إلا الحق فقد قال: (وما الله يريد ظلما للعباد). وقال: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته). وقال: (أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ).

 

وتذليل الصعوبة في فهم معاني هذه الآيات أن الهداية ليست من الخصائص الموروثة في الإنسان ولو ركبت في طبائع البشر لصارت هداية جبرية، ومن ثم يجري عليه ما يجري على قانون الجماد والنبات والحيوان، وهي كذلك ليست هداية جبرية كجبرية (الكارما ) في الديانة الهندية والطوالع البابلية والقدر الظالم في الأساطير اليونانية، وجبرية العبرية باصطفاء سلالة من سلالة وعزل جميع السلالات عن رحمة الله أو كجبرية المؤمنين بوراثة الخطيئة وقبول الكفارة بموت الجسد دون الروح.

 

إذن، العدل كما جاء في الإسلام، وكما أختاره الخالق للمخلوق، فهو أصلح وأنسب مما يختاره لنفسه، ومن اختار غير هذا المنهج، فإنما اختار للإنسان منزلة غير المنزلة التي خلق من أجلها، وأما أفعاله فهي تنقسم إلى ثلاثة:

 

 فعل منه: وهو الذي يخضع لسلطان العقل والإرادة والوعي وهو حر في فعله، أي باستطاعته أن يصنع قدره بنفسه، وقبل أن يختار الطريق الذي يوصله إلى النجاة والفوز بحياة أبدية في ظل نعيم مقيم أو في عذاب مهين، بيَّن الله  له هذا الطريق وذاك، ومنحه قدرة الاختيار بينهما، فهو قادر على اختيار طريق الخير والسير على دربه حتى ينال نتائجه، وقادر على أن يسير على درب الشر وينال نتائجه بدليل قوله تعالى: ﴿ وهديناه النجدينوبين هذا الاختيار وذاك فإنه قد صنع قدره بنفسه.

 

وفعل فيه: وهو الفعل المسخر فيه والذي لا يخضع لسلطان العقل والإرادة، وكل ما فيه يعمل خارج إرادته، كالموت والحياة ونمو الشعر والأظافر وانتقال الإنسان عبر مراحل من عمره إلى أن يبلغ  مرحلة الشيخوخة، وعمل كل عضو داخلي بغير إرادته.

 

وفعل عليه: وهو الفعل الذي يقع عليه قسرا، أو فعل قدر عليه، ونتائجه لا تحسب عليه.

 

ولو لم يكن الإنسان مختارا ما أمره الله بفعل شيء ولا جعله هاديا مهتديا لا يحيد عن هداية جبرية ولكان أشبه بالنظام الذي تسير عليه الأرض حول الشمس وحول نفسها كما قال تعالى: ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾.السجدة13

 

فالهداية الجبرية إذا لازمت البشر في حياتهم رفع مقابل ذلك عنهم التكليف ورفعت كذلك عنهم أدوات التمييز بين ما هو خير وبين ما هو شر، وصاروا لا يفرقون بين صالح وطالح، وربما لا يعرفون الشر أبدا. فمسألة الشر حالة طبيعة موجودة في الحشرات والحيوان، وإلا كيف نفسر هروب الذبابة والبعوضة والحيوان عندما يراد لهم القتل أو القهر، فهي تحاول الإفلات من قبضة عدوها وإن أتيحت لها وسائل الدفاع فتراها تحاول الدفاع عن  نفسها بقوة حتى الموت ولا تستسلم لعدوها..... يتبع..

   ....... عبد الفتاح ب...

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق