]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جرائم الكنيسة في حق العلم والعلماء

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-06 ، الوقت: 17:27:40
  • تقييم المقالة:

 

تاريخ حروب رجال الكنيسة الكاثوليكية للعلم والعلماء في القرون الوسطى طويل وحافل بالجرائم والإبادة الجماعية في حق الإنسانية، وحين كانت تمسك بيدها سلطة القرار فرضت سيطرة شبه كاملة على أوروبا لمدة ألف عام. وفي هذه الفترة أتسمت بعدم التسامح والتعصب الديني، وكانت هذه هي الصفة الغالبة في تعاملها مع الناس مما عطل أدوات البحث والاجتهاد في الغرب، عندما فرض رجال الدين قيودا شاملة على العلماء وحرموهم من مزاولة أي نشاط خارج ما تسمح به مبادئ الكنيسة المسيحية، وكانت نتيجة ذلك اتهام الكثير من العلماء بالهرطقة وممارسة السحر.

 

وفي زمن حكم رجال الكنيسة كانت تعتبر لديهم الأوبئة مثل الطاعون والكوليرا والجدرى ... إرادة إلهية لا يمكن مواجهتها، ولذلك لما اكتشف دواء التطعيم ضد هذه الأمراض لقي معارضة شديدة من قبل الكنيسة، وكان أن ألقت جماعة نصرانية قنبلة في منزل الطبيب (بولستون) الذي كان مركزه يقوم بتطعيم مرضى الجدري. وظلت الكنيسة تعارض أي بحث علمي لا يتماشى مع المبادئ المسيحية ومنها التشريح الذي اعتبرته تشويها لجثث ستبعث بعد البعث في صور مشوهة.

 

وكان الاعتقاد السائد لدى رجال الكنيسة هو أن العالم بدأ يوم الأحد 23 أكتوبر سنة 4004 قبل الميلاد، ولما تبين لرجال الكنيسة أن العالم المتوفي (وكليف) يقول بأن عمر الأرض أكثر بمئات السنين، أخرجوا رفاة عظامه وطحنوها ثم نثروها في البحر حتى لا تنجس الأرض.

 

حدث ذلك في سنة 1543م عندما أمر (كوبرنيق) بنشر كتاب له، وهو في أيامه الأخيرة على فراش الموت. كتب فيه أن الأرض ليست هي مركز الكون، وأنه بإمكان الإنسان إذا نظر من نقطة من الفضاء إلى الأجرام السماوية بدت له وهي تدور حول الشمس، ولوجدنا كذلك تفسيرا لضوء النجوم وحركة الكواكب، وبالتالي فإن الكواكب والنجوم هي من تدور حول الشمس، وأن الأرض ليست مركز الكون كما يسود الاعتقاد. وكل هذه الحركة (نجوم وكواكب) بفعل دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. هذا الكلام أغضب رجال الكنيسة وقوبل بسخرية واستهجان، واتهم صاحبه بضعف إيمانه بمسيحيته، وكان جزاءه أن حرم من الشهرة ومن ثمار اكتشافاته العلمية، ووضع مؤلفه في أدراج النسيان، وأضاف إليه رجال الدين عبارة " هذه ما هي إلا مجرد نظرية، لا يجب أخذها في الحسبان".

 

وقبل أن ينتهي القرن 16 ظهر العالم (جيرانو برونو) ليكتشف في أبحاثه معطيات جديدة تضاف إلى أبحاث (كوبرنيق) وتؤكد نظرياته. وأخذ على عاتقه بنشرها في أنحاء أوروبا متنقلا من مدينة إلى أخرى، كما أضاف إلى نظرية (كوبرنيق) قراءات فلكية تثبت صحتها وتدعمها، وطبق مبادئها على جميع الأجرام السماوية. وأضاف في نظريته الجديدة كون الأرض لا تدور حول نفسها فقط، بل تدور حول الشمس التي تعد نجما صغيرا مقارنة بالنجوم الأخرى المنتشرة في المجرات، وقال باحتمال وجود كائنات أخرى تسكن الفضاء الخارجي.

 

جرأة هذا العالم أدت إلى القبض عليه سنة 1594م، وتم سجنه من قبل الكنيسة لمدة ستة أعوام في انتظار تقديمه إلى المحاكمة. وفي سنة 1600م قدم إلى المحاكمة فأدانته بتهمة ما كان يعرف وقتذاك بالهرطقة والزندقة. رفض مبدائيا أمام المحكمة نوع الخطيئة الموجهة إليه. ثم حكم عليه بالإعدام حرقا، وربط لسانه وتجريده من ملابسه وتقييد يداه ورجلاه بقضيب من حديد ثم جيء به إلى ميدان الزهور وسط روما، ثم بدأ منفذو الإعدامات بحرقه حيا وسط حشود كثيرة من المؤمنين بالكنيسة الذين كانوا يهتفون بالموت للكفار مثل (برونو).

 

بعد انقضاء 32 سنة من حرق (برنو) ظهر العالم الفلكي (جاليليو) في إيطاليا، يؤكد حقيقة ما ذهب إليه العلماء الذين أتهمتهم الكنيسة بالهرطقة بأدلة وبراهين قاطعة، غير أن اختراع جاليليو للتلسكوب وتجاربه الفلكية كانت أخبارها عمت أوروبا، وكان محل تقدير واحترام بين الناس، لذلك لما سمع بأخباره رجال الكنيسة تملكهم الخوف، ولم يستطيعوا القيام بأي شيء مسئ ضده، ولا أن يجرأ أحد على تقديمه للمحاكمة وقتله نظرا لآرائه المؤيدة للذين أعدموا من قبله. غير أنه لم ينج من المضايقات والتهديدات بالقتل وهو في سن السبعين من عمره، ولكن الكنيسة ارغمته على الاعتراف علنا بخطيئته أمام الناس وعدم دقة أبحاثه العلمية نظرا لكبر سنه، لكي تبقى الحقيقة الثابتة ما يقوله رجال الكنيسة من كون الأرض هي مركز الكون وكل الكواكب والنجوم تدور حولها.

 

في سنة 1770 حدث أن تحول الماء في بعض الأماكن الأوروبية، وفسر علماء الأكاديمية الملكية للعلوم بالأمر الطبيعي لكن رجال الكنيسة رفضوا أن يكون ظاهرة طبيعية وأرجعوا أسبابه إلى غضب الله. ولما تكرر وقوع الظاهرة في السويد قام أحد العلماء بدراستها وانتهى إلى نتيجة مفادها أن احمرار الماء تعود أسبابه إلى وجود حشرات ذات أحجام صغيرة تطلق مادة حمراء، ولما علم كبير الأساقفة بنتائج الدراسة وصفها بالعمل الشيطاني ورفض نتائجها جملة وأصر على أن هذه الظاهرة غير طبيعية، ثم مورست على هذا العالم ضغوطات وتهديدات بالقتل، ليتراجع في الأخير عن نتائج تقريره ويسند ذلك إلى أمر مجهول تتجاوز مستواه ومعرفته العلمية.

 

وأرجعت الكنيسة أسباب حدوث الصواعق والبرق بإعراض الناس عن دفع العشور وعدم مساعدتهم في إصلاح الكنائس، ولما حاول (بنيامين فرانكلين) إثبات أن البرق ما هو إلا شحنات كهربائية موجبة وسالبة، وأن وضع أعمدة حديدية مانعة للصواعق تمتص شحناتها الكهربائية، عارض رجال الكنيسة هذه المانعات، غير أن الناس أخذوا بنصائح هذا الرجل، ووضعوا فوق بيوتهم مانعات الصواعق لامتصاص شحنات الصواعق. ولما وقع في أمريكا (ماساشوست) زلزال سنة 1755م أرجعوا أسبابه إلى نصب مانعات الصواعق فوق البيوت والمحلات. وفي ألمانيا أجبروا رجال الدين بوضع مانعات الصواعق على الكنائس بعدما دمرت الصواعق حوالى أربعة مائة برجا من الكنائس وقتلت نحو مائة وعشرين فردا كانوا مكلفين بخدمة الأجراس، ولم يمض وقت طويل حتى كانت جميع الكنائس قد أذعنت للنظرية العلمية ونصبت على أبراجها مانعات الصواعق.

 

وحسب التفسير الكنائسي لبعض الظواهر الطبيعية، فإن الأعاصير والرياح العاتية تصنعها الشياطين، وهي من تقوم بتهييجها، لذلك أصدر البابا ( جورجي) الثالث عشر أمرا بدق الأجراس عندما تهب الرياح العاتية ويزداد الجو سوء. ثم ربطت ظاهرة الأعاصير بفعل الساحرات اللاتي يساعدن الشياطين في صنع الكوارث المختلفة، ولذلك أصدر البابا (أنوسنت) الثامن فى سنة 1484م أمرا بقتل جميع الساحرات، ثم قام رجال الكنيسة بحملة واسعة في ألمانيا ضد الساحرات بتهمة ضلوعهن في فساد الجو وإظهار باقي الظواهر الغريبة، وأدت حملة رجال الكنيسة إلى قتل آلاف الساحرات حرقا.

 

تلك نظرة على ما فعله رجال الدين النصارى في العلماء والمخالفين لرأيهم ودينهم ومصالحهم، ولكن لم يسجل التاريخ أن أناسا باسم الإسلام قتلوا أهل الديانات الأخرى، أو أنهم قتلوا العلماء والمفكرين، غير  أننا لا ننكر أن بعض الأنظمة العربية لم تخل من ممارسات تعسفية ومضايقات في حق المفكرين وسجن أصحاب الرأي بل حتى إعدامهم.

 

صحيح، أن المجتمعات الإسلامية تعتبر من يتطاول على دينها وعقيدتها خطا أحمرا، وكل ما يطعن في ثوابت المجتمع سواء كان بلفظ أو بكتابة، يكون قد تجاوز حدود ما يسمح له به القانون، ولذلك فإن ابن المقفع الذي كانت عقيدته مزيجا بين فلسفات الشرق والغرب وأن تصرفه وصل إلى حد إغضاب الخليفة المنصور (الدولة العباسية) فاتهمه بالكفر ثم قتل وقطعت أطرافه وألقي في النار.

 

 وهو ما حدث للإمام ابن حنبل الذي تعرض إلى الكثير من المضايقات، وتم سجنه من قبل الخليفة المعتصم، وقد عذب في السجن، وهو كذلك ما حدث للكندي الذي جرد من ملابسه وهو في الستين من عمره وجلد ستين جلدة، وذلك نزولا عند طلب الحكم وسط تهليل الناس. وهو ما حدث كذلك للرازى الذي ضرب على رأسه حتى فقد بصره. وكذلك ابن رشد إذ جلبت له فلسفته هموما كثيرة، وقد حرقت داره وكتبه وأتهم في إيمانه، والكثير من الفلاسفة وجهت لهم تهمة الزندقة والكفر ولكن هذه التهم لم ترق إلى حد عقوبة الإعدام.

 

لكن، كل هذه الحالات لم تكن إلا ذرة حبة رمل في كثبان رمل مقارنة بما حدث في أوروبا على أيدي رجال الكنيسة. فضلا عن أن هذه الحالات كانت بأمر حكام ولم تكن بقرار صدر من مسجد أو من طرف إمام.

 

إن الثابت والمتغير في المسيرة الأخلاقية التاريخية للغرب المسيحي هو نجاحه في استبدال مظالم وجبروت الكنيسة النصرانية، بمظالم جديدة سمتها الديمقراطية، وهي ديمقراطية أرادت أن تفرضها على العالم وبالأخص على العراق وأفغانستان أوقعت حربا كادت أن تقضي على الشعبين من خلال الفتن الداخلية. والثابت كذلك في العقلية الغربية أنها لم تتخل عن همجية أسلافها القدماء، وهي تطبق طريقة التلون، فتتلون لكل زمن بلونه، وهذا الغرب الذي يدعي حرية الرأي لا يأوي إلا كل منحرف عن عقيدة، وما شعار التنوع في المعتقدات إلا عنوان زائف، لأننا رأينا كيف منعت المسلمات المرتديات للحجاب من المدارس والأعمال الحكومية، وحرمت قوانينها التشكيك في (الهولوكست)، وكل ما يطعن في السياسة الإسرائيلية، بينما يشجع الغرب كل من يطعن في الإسلام ورموزه الدينية، وهو  يتستر تحت عناوين كثيرة وخاصة العلمانية، ولكن مبادئ سياساته تقوم بالأساس على خلفيات دينية صليبية، وتتحرك بهذا الدافع وتؤمن في أعماق نفسها بالمصير المحتوم الذي ينتظر البشرية في ملحمة (هرمجدون).

 

إذن، قد آن لنا أن نقارن في هذا المحل أيهما أرحم وأعدل، التاريخ الدموي للنصرانية أم الإسلام الذي حرم دينه قتل الأسرى والشيوخ والنساء والأطفال وقطع الأشجار وتدمير المنازل وتخريب الممتلكات، بغض النظر عن الجرائم المرتكبة في حق السكان الأصليين لأمريكا الشمالية على يد البيض الذين كانوا يحملون أفكار الكنيسة، والحروب الصليبية الأمريكية والأوروبية التي ما زالت إلى يومنا تقتل عشرات الألوف في أفغانستان والعراق وفي فلسطين وفي بعض دول إفريقيا؟

.... عبد الفتاح ب ... 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق