]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مغرب أمازيغي أم مغرب عربي ؟

بواسطة: Amazigh Ait Hamouda  |  بتاريخ: 2012-03-02 ، الوقت: 15:23:24
  • تقييم المقالة:

كثيرا ما تتغير أسماء البلدان تبعا لتغير حكامها وساساتها ، أو يطرأ على عقيدتها الدينية ما يستدعي التغيير والتبديل ، أو ما يعتري لسانها من تعلم واتقان ، وهو أمور أثرت في تقمص شمال افريقيا لعدد من التسميات تبعا لظروف أحاطت بها منذ القديم إلى الآن ، فكانت تسميتها قديما ببلاد نوميديا وموريطانيا ( الشرقية والغربية ) ، وقبلها ببلاد تامازعا في الحوليات الأمازيغية ، وأطلق عليها إسم بلاد المغرب تمييزا لها عن المشرق ، وقسموها إلى مغرب أدنى وأوسط وأقصى تبعا لقربه وبعده من مركز الخلافة ، ثم ظهروصف المغرب الإسلامي ، وأخيرا برزت تسمية المغرب العربي، بعد تمكن الفكر العروبي في بلداننا منذ أوائل القرن العشرين تحت جنح ظلام المستدمر الأوروبي ،وأينع وازدهر بفعل حركة القوميين العرب ، الذين وجدوا مغاربيين طبًّلوا لفكرهم سذاجة ً، أو حبًّا في الإسلام ، أو طمعا في الجاه ، والمناصب السلطانية العلية .


***الهوية بين الثابت والمتغير :
المتتبع لحركة التسميات في كتب التراث الإسلامي يلحظ أن التسمية الأخيرة هي وليدة الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ( 1945) ، عند انتشار ما يعرف بهوس القومية التي اتخذت ديدبانا لتحقيق الاستقلال من الاستدمارات التي لحقت بكياناتها، وتعرض لها عالمنا الإسلامي مشرقا ومغربا ، وفي ذلك مسايرة لمنطق الغرب في نشأة ما يعرف اصطلاحا بالدول الحديثة على أسس قومية عرقية ولغوية وتاريخية ، مثلما حدث بألمانيا وأيطاليا ، غير أن ما صُلح في الغرب ، قد لا يكون صالحا بنفس الدرجة في غيره، لاختلاف العقيدة وتباين الرؤى والطموح، أو لتمكن طبائع في نفوس المجتمع يصعب انمحاؤها وتبيديلها .
فالقومية العربية التي نظّر لها الغرب المسيحي ، وتجاوب معها عرب المشرق من أهل الصليب والهلال ، وصفق لها أهالي بلاد المغرب الإسلامي إما سذاجة ورغبة في التحرر ، أو حبا في التقرب من ينبوع الشرق وهالته ، وهم الذين كانوا دائما منفعلين لا فاعلين ، يجُرهم الأمل في التقرب من مركز الهوية العربي الإسلامي المركزي الذي يمثله القرب من بيت الله الحرام ، ويترجمه حب آل المصطفى والعناية بالقرآن ، ولغة القرآن ، وهم في حالهم أ شبه بحال فراشة ترنو دائما التقرب من مركز النور ، غير أن ذلك الدنو كثيرا ما كلفها الاحتراق والموت الأكيد .
فالهوية بمكوناتها المتعددة من أرض ، و أصول سكان ، ومعتقد ، ولغة ، وإرث ثقافي وحضاري ، وتاريخ مشترك ، منها ماهو ثابت كالأرض( تمازغا) ، ومنها ما هو متغير أو قابل للتغيير كاللغة ،فهوية شمال افريقيا اعتراها عبر التاريخ تبدلات وتشوهات عديدة لا يسمح المجال للخوض فيها .
فالإنسان المغاربي أو الشمال الإفريقي المكنى ( بالبربري) في توثيقات الوافدين منذ عهد هيرودوت،إلى علال الفاسي هي تسميات فرضها الأجنبي على المحلي ، وهي تعني في الغالب المجتمع الذي يبدي شراسة في مقاومة الغريب ، أو لاستهجان لغوي على شاكلة بربرة التي تعني الكلام الأمازيغي غير المفهوم في لسان العرب ،وأهالي البلاد الأصلية يُعرفون بالأمازيغ ( الرجال الأحرار ) ويستهجنون تسميتهم بالبربر وهم في ذلك صنو للعرب الذين لا يقبلون تسميتهم الأصلية ( الأعراب) التي يعتبرونها نقيصة يجب التملص منها، ولو أنها وردت بنص قرآني صريح الدلالة والمعنى ، والوافد في العرف التاريخي والمنهل السوسيولوجي هو المطالبُ بتحمل تبعيات تنقله وهجرته ، وهو المجبر بحمل هوية الموطن الجديد المستقبل له ، فلو كان معيار التبرير العروبي سليما ، لكنا فنيقيين و رومانا ،ووندالا وأتراكا وفرنسيين بحكم خضوع بلادنا( تامازغا) لحكمهم ، وكثيرا ما برورا بقولهم أن التسمية لغوية أكثر منها سلالية ، وتناسوا بأن أمما كثيرة تتكلم لغة مستعمريها دون التفريط في هويتها الأصلية ، فأهالي نيجيريا مسلمهم وكافرهم يتكلمون الأنجليزية كلغة رسمية لكنهم نيجيريون ، وشعوب أمريكا اللاّتينية جميعها تصدح بالأسبانية لكنهم لم يقولوا يوما بأنهم أسبان ؟ والأمريكيون بمختلف أصولهم تقمصوا هوية الأرض الأمريكية التي أوتهم وأنعمتهم بخيراتها دون التفكير في الحفاظ على عرقيتهم الأصلية ...ولا غرو أن الحرص على التسمية ( المغرب العربي) قد يعني أن الوافد العربي لم يأتي لنشر الإسلام بقدر ما جاء لإخضاع البلدان وكسب الأوطان وإخضاع الأبدان وقهر الحريات ، وطمس اللغات والعادات والتراث ، بما لا يتوافق بتاتا مع روح الإسلام ، الإسلام الذي قد يرى فيه الكثير من قراء الحوارالمتمدن رأيا مناقضا ، قد يصدق مع ما قاله صديقنا مختار ملساوي ذات يوم في إحدى مقالاته وفيما معناه ، بأن الباحث الإسلامي النابه ، كلما تعمق في دراسة الإسلام وفهم كنهه إلا وقد وصل إلى طريقين لا ثالث لهما ، إما أن يكون مؤمنا سفاكا للدماء باسم الجهاد على شاكلة ابن لادن والزوابري ، أو يكون علمانيا ملحدا ، على شاكلة وفاء سلطان ، وحسين مروة ، وفرج فودة وغيرهم .


*** العروبة مادة الإسلام ؟:
العارفون بخفايا التفكير العروبي يدركون أن غاية العرب هي أن يكونوا روحا لجسد الإسلام حسب ما يرمي إليه الفقيه القرضاوي، ويلمح إليه المفكر المصري محمد عمارة وغيرهما من جهابذة هذا التفكير، الذي نشره نصارى الشام بتوجيه أنجليزي ، وأنغرس في وجدان الأمة بفعل تاريخ مدرسي مشوه، كوَّن أجيالا من دعاة القومية العربية ،وهي التغريدة التي لازمتنا طيلة الأربعة عشر قرنا من تاريخنا ، والتي قًلبَت فكر ابن خلدون القائل (في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم) ، إلى فكر نقيض له فحواه( الدعوة القومية العربية من غير عصبية الإسلام لا تتم)، وبذلك انقلب الإسلام من مخدوم إلى خادم ، ونفخ في روح المسلمين معتقد باطيني بطنيٌّ مفاده أن لا انفصال بين العربي والإسلام ، دون إعمال العقل أو النظر في كنه الأمر ، على شاكلة أهل الرأي، من ذوي الألباب وتفكير اليوم .


***العرب جزء من كل ، وهم مجموعة مع مجموعات كثيرة تحت خيمة الإسلام .
ونحن نعايش القرن الواحد والعشرين ، لسنا بحاجة إلى من يُثبت الفروق الجوهرية بين المعتقد الديني ، والسلالة ، واللغة ، فعصر التنوير قد تجاوزناه ، ففي مقدور الإنسان أن يكون مسلما ،وبلغته الأصلية ، أو بأي لغة أراد ، دون الحاجة إلى وساطة عربية ، فأصبحت مقولة محمد غنيم :
إن العـروبة لفظ إن نطقت به *** فالشرق والضاد والإسلام . سراب في صحراء الربع الخالي .
لنفرض جدلا أن مقولة العصبية العربية هي التي أقامت الإسلام ، كما يتوهم البعض ، فما القول في عصبية الأتراك الذين دكوا قلاع القسطنطينية وأوصلوا الإسلام إلى قلب أوروبا ، وما القول في عصبية الأكراد الذين خاضوا حربا شرسة ضد الغزاة الصليبيين وأثمر جهدهم بتحرير القدس ( التي فرط فيها القوميون العرب) ، وقد يكون الشيخ الغزالي محقا عندما تعارك مع أحد السفراء العرب الذي جعل ( صلاح الدين ) بطلا عربيا . ، وما القول في عصبية الأمازيغ المرابطين الذين قارعوا المد الصليبي في الأندلس وزادوا من عمرالتواجد الإسلامي فيه قرونا أربعة أخرى ، والعر ب وصفوه بالبدوي الجبار، والغليظ القاسي ، أو بتعبير آخر ( البربري )، في حين جعلوا من المعتمد بن عباد (المثيلي) النرجسي مظلوما ، وبطلا قوميا تشد الرحال لزيارة ضريحه في أغمات قرب مراكش في كل المناسبات والأعياد ، وأين عصبية ( قطز التروكستاني ) الذي دحر التتار في عين جالوت وأوقف الدمار الذي أطال الإسلام والمسلمين بفضل صيحته المدوية ( وإسلاماه) وليس ( ياأعرباه).


***أسطورة المغرب العربي :
فالعروبة مشرقا فيها خلاف وشقاق ونفاق ، أما مغربا فهي إفك وعنصرية نتنة، تنبه إليها الأمازيغ عند حادثة ما يعرف خطأ ( بالظهير البربري ) ، وترجمه أمازيغ القبائل خلال أزمة حزب انتصار الحريات الديموقرطية سنة 1949 بحزب مناويء عرف ب PPK ( حزب الشعب القبائلي ) ، وهوى الفكر المصالي مترنحا (إن كان فكرا ) في الطرف الأغر ، وتعمق الشرخ بانعقاد مؤتمر طنجة عام 1958 شاركت فيه الفعاليات السياسية المغاربية ( حزب الإستقلال المغربي ، الدستوري التونسي ، حزب جبهة التحرير الجزائري) ونجح علال الفاسي العروبي في ترجمة مواقفه واتجاهاته ومبتغاه، بوضع أسس ما يعرف ( بالمغرب العربي) تماهيا مع طروحات عرب المشرق ، ومسايرة لفكر الجامعة العربية ، والفعل مهما طُبل له ، فهو يعد في تقديري حمية جاهلية مستنكرة دينا ، ومستقبحة من المتنورين العقلانيين، الذين يرون أن الأمر فيه دعوة صريحة لتمزيق الأمة في صراع طائفي ، بظهور فعاليات مطلبية عنصرية مشابهة ، لأن العروبة المفروضة تحت وقع أنظمة استبدادية كفيلة بتأجيج عنصريات مماثلة وما أكثرها في شمال إفريقيا ، وأعتقد أن وصف المغرب ( بالعربي ) هي ألتي أخرت آليات الفعل الإتحادي ، مع وجود عوائق سياسية مثل قضية الصحراء الغربية ، واتجاه ليبي قذافي نحو تخوم إفريقيا بعد يأس من إحجام العرب الأخذ بمنهج إبداعات الكتاب الأخضر .
حان الوقت لإجراء مراجعات جادة في شأن هويتنا المتميزة في شمال إفريقيا ، وما على الأطراف المعنية سوى البحث عن أساليب التعايش السلمي وفق منظور الدول المدنية، تجعل من الشقاق الإثني ، والتشعب الديني شيئا ثانويا ، داخل وعاء يكفل الحرية الدينية والمذهبية واللغوية ، أسوة بغيرنا من الدول التي صاغت مستقبلها ، ومستقبل أبنائها ، بعيدا عن التسنجات والتنطاحات التي يشهده عالمنا المسلم مشرقه ومغربه ، ومجال التسمية شاسع واسع ، يمكن استلهامه من القواسم المشتركة جغرافيا واقتصاديا وثقافيا ونفعيا ، المهم أن تكون التسمية غير مقصية يجد فيها الجميع مكانه ومتنفسه ، وهامشا من الحرية قد يضفي إلى تناغم ايجابي وثراء لغوي وحضاري منقطع النظير .


***نافلة القول،أننا في شمال إفريقيا ننظر حاليا إلى تسمية ( المغرب العربي ) باستهجان وازدراء ، لأنها لا تعبر عن واقعنا وتاريخنا ، ولا تترجم بصدق أفعالنا وجهادنا عبر العصور والأعاصير ، فهي تسمية خبيثة تُظهر لونا ثقافيا ، وتخفي وراءها ألوانا من الرداءة والدناءة ،وهي تبعث الفكر العنصري من مرقده ، وتنذر بمستقبل عصيب متأجج بفكر أحادي النظرة ، غرسه الغرب ، واستنسخه العرب في ضرب الدولة العثمانية ، وقد يُبعث الخطأ ثانية في وثبة ،أو وثبات لا يعلم خطرها ومداها إلا الله .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق