]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الابنة الثالثة عشرة

بواسطة: منال عبد االحميد  |  بتاريخ: 2012-03-02 ، الوقت: 13:51:37
  • تقييم المقالة:

  لم يكن البارون " منليك " ينقصه المزيد من الفتيات.. الحقيقة أنه تعب من إنجاب البنات على مدار أثني عشر عاماً وهبه الرب خلالها عشر فتيات .. والحقيقة أن الرب كان كريماً معه ، فلم يسقط أي حمل لزوجته ولم يفقد أي مولودة له .. ودائماً ما تمني لو كان الرب أقل كرماً معه وأكثر تحديداً .. فبدلاً من عشر فتيات كان بإمكانه أن يمنحه غلامين فقط ليرثا أملاك عائلة " منليك " الشاسعة التي تمتد على زمام ثلاث مقاطعات في جنوب فرنسا ويحتفظا باسم العائلة الأرستقراطية العريقة التي تعد أعرق وأكبر أسرة في فرنسا الملكية .. لو كان من ( التتار ) المسلمين  لأمكنه الزواج من أخري علها تهبه الغلام المنشود .. بل ليته على الأقل كان لوثرياً أو كلفينياً إذاً لأمكنه أن يطلق زوجته بسهولة ويتزوج بأخرى .. ولكن آه من هذه المرأة .. " جوليا بولنتادور " قريبة البابا " بيوس الرابع  " ..هل يجرؤ على  مجرد  التفكير في التحول عن الكاثوليكية أو الحصول على الطلاق ! إذن لفقد كل أملاكه ومركزه العائلي الممتاز .. ولحرمه البابا وكان مصيره ديوان التفتيش ! فليس أمامه إذاً إلا أن ينتظر حتى تتمخض مفرخة البنات عن صبي بمعجزة ما !  كانت كل هذه الأفكار تدور في رأس البارون " فرانسوا منليك " وهو يدور كالمجنون في باحة قصره الخارجية منتظراً انتهاء زوجته من ولادتها الحادية عشرة .. أو على الأصح من خيبتها الحادية عشرة ! إنه للأسف يتذكر كل يوم ولدت له فيه بنت .. فعندما ولدت " جوليا " ؛ البكر سمية أمها ؛ قيل له يومها أن مجيء البنت في المرة الأولي بشري بطوفان من الذكور يلونها ! وسُميت " جوليا " باسم أمها وعمدت على يد البابا نفسه .. هل كان يمكن حينئذ ألا يتظاهر بالسعادة أمام الناس وأمام زوجته .. وقبلهم أمام نفسه ! ولم تكد " جوليا " تجلس على حجر أمها حتى لحقت بها " بولين " .. وبمجرد أن نطقت " بولين " أول كلمة ( بابا ) حتى هبطت " صوفيا " فوق رأسها ورأس البارون الذي بدأ يفقد صبره ويساوره الخوف من أنه لن يحظى بالغلام المنشود .. على الأقل في الأجل المسمي ! ومشت " صوفيا " مبكراً ولكن قدوم " ماريانا " أصابها بالغيرة القاتلة فتعسرت ومرضت وعادت للحبو من جديد .. وكانت " ماريانا " شقراء بالغة الجمال .. والحق أن البارون أحبها أكثر مما أحب أي واحدة من بناته السابقات أو اللاحقات .. ولا يدري إذا كان ذلك بسبب إنها أكثر بناته شبهاً به .. أم لأنها الوحيدة التي تركت له زوجته مهمة تسميتها بنفسه.. أم لأنها في النهاية حملت أسم والدته الحبيبة المرحومة ! آه والدته .. ليته أستمع إليها من البداية ! قالت له أنه سيتورط بزواجه من قريبة للبابا ولن يستطع بعد ذلك أن يفتح فمه أمامها .. وهل يستطيع أن يغضب القريبة العزيزة للرجل الذي يخافه ملك فرنسا نفسه ويرتعد بين يديه ؟! قالت له أن بنات ( شمبانيا ) ماكينات  لإنجاب البنات  فلم يصدقها ولم يأخذ كلامها على محمل الجد ..  وها هي ذي النتيجة ! أصبح أباً لعشر فتيات وزوجاً مرتعباً أمام ابنة عم  البابا ال.... ! ولم يطل انتظار البارون هذه المرة .. والحق أن زوجته بدأت تسجل أرقاماً قياسية في ولاداتها الأخيرة .. فقد قذفت " شنتال " ؛ البنت قبل الأخيرة "؛ إلى الحياة في أقل من عشر دقائق .. أما البنت الأخيرة " ماري " فقد كان مولدها معجزة .. فقد ولدتها أمها وهي تغط في النوم ولم يوقظها إلا صرخات الخادمة حينما رأت شيئاً يتحرك تحت اللحاف وسمعت صوت صرخات البنت الأولي .. ولولا مجيء الخادمة بدون سبب لربما   كانت البنت الآن في عداد الموتى ! وعلى حين غرة لمح البارون ؛ بينما هو غارق في أفكاره غير السعيدة ؛ مساعدة الطبيب تهرع نحوه وعلى وجهها تعبير يعرفه جيداً .. تلاشت كل أفكار البارون وأصابه وجوم مفاجئ  ووجد نفسه عاجزاً عن النطق للحظة وتجمد مكانه حتى وصلت إليه الممرضة التي لم تنطق بدورها .. فقد كانت تعرف أن البشري التي تحملها تستحق عليها .. عضة كلب ! وأخيراً أستجمع البارون شتات نفسه وسأل الممرضة بحذر : " ماذا ؟! بنت أخري ؟!! " ولكن الممرضة هزت رأسها نفياً وما زال الوجوم يخيم على وجهها العابس فعاد البارون يسألها بلهفة وقد عاوده قليل من الأمل : " ماذا  إذاً ؟! ولد ؟! " ولكن الممرضة هزت رأسها نفياً مرة أخري ..ولكن وقبل أن تأخذ الحيرة بمآخذ البارون نطقت الممرضة أخيراً وقالت بخوف : " بنتان !! " ************ بعد عام واحد كان البارون قد تعافي من أثر الصدمة المريعة التي حلت عليه يوم مولد فتاتيه التوءم " جولييت "و" كولييت " .. وربما كان الفضل في تعافي البارون من هذه الصدمة يعود فقط لأبنته الحبيبة " ماريانا " التي نجحت وحدها بفضل جمالها الأخاذ وحنانها الدافق وتعلقها الجنوني بأبيها في نسيانه لمأساته أو على الأقل في إلهائه ؛ ولو قليلاً عنها .. وطوال خمسة أعوام لاحقة توقفت زوجته عن الحمل والولادة .. وأعتقد الطبيب الخاص بها أنها تعرضت لتلف خطير في الرحم في الولادة الأخيرة جعل من الصعب حدوث حمل جديد وأعلن الطبيب مخاوفه هذه دون حذر فسبب للبارون حزناً وغماً لا يوصف .. فقد أصابه يأس قاتل وأصبح على ثقة من أنه لن يحظى بالوريث المنشود أبداً ! وخلال الخمسة أعوام هذه تزوج الشقيق الوحيد للبارون " جوستاف " من فتاة قروية من أصول وضيعة فثارت ثائرة البارون لهذا الأمر .. والحق أن ثائرة زوجة البارون هي التي ثارت أولاً وحرضت زوجها على التصدي لأخيه ومحاولة إيقاف إتمام هذه الزيجة .. إذ كيف تقبل قريبة البابا أن تكون نسيبتها فتاة قروية وضيعة كانت تعمل خادمة في أملاك الأسرة ؟! ولكن الزيجة تمت رغم أنف البارون وأنف زوجة البارون .. وأصبحت الفتاة الوضيعة زوجة لفرد من عائلة " منليك " ودخلت قصور الأسرة الفخمة لتلد فيها صبيين في ثلاثة أعوام ! وكانت هذه الضربة الأخيرة هي التي أفقدت البارون كل توازنه وتعقله .. فأندفع في مشاجرات ومشاحنات يومية مع زوجته وأصبحت الحياة بينهما لا تطاق حتى أن الخدم أصبحوا يفرون من القصر ولا تنجح كل الإغراءات المادية التي تقدم لهم في استبقائهم .. وكانت كل مخاوف البارون سببها أن شقيقه الآن أصبح لديه ولدين ومن حقه أن يرث كل أملاك الأسرة باعتباره والد الوريثين الشرعيين الوحيدين .. وهكذا لن ترث بنات " منليك " شيئاً على الإطلاق .. بل ربما أستطاع شقيقه أيضاً أن يجرده من كل أملاكه  وهو حي .. و يضطر البارون العتيق وعميد عائلة " منليك " إلى طلب الإحسان من أخيه أو التسول في شوارع باريس ! وعندما حملت زوجة الأخ الأصغر للمرة الثالثة وقيل ؛ رجماً بالغيب ؛ أنها تحمل غلاماً ثالثاً تفجر الغضب والخوف في قلب " فرانسوا منليك " وأصابته حمي غريبة ظل صريعاً لها ثلاثة أشهر متتالية وصار عصبياً لا يطيق أحد ولا حتى عزيزته " ماريانا " نفسها ! ولم يتعافى البارون ولم يبدأ في استرداد صحته إلا عندما سمع خبر حمل زوجته للمرة الثانية عشرة ! ************ هذه المرة كان البارون منتبهاً تماماً ومتابعاً لزوجته يوماً بيوم في حملها .. وكان هذا الأمر غريباً جداً بالنسبة للزوجة " جوليا " التي لم تري من زوجها  أي اهتمام يذكر بها أو بحملها بعد مولد " صوفيا " ؛ البنت الثالثة .. وبالطبع فقد سُرت لهذا الأمر  وبدأت تعيش دور العروس الحامل بكل دلاله وجماله .. وكان من في القصر كلهم ؛ بما فيهم البارون والبارونة ؛ يسيطر عليهم إحساس قوي وصل لدرجة العقيدة أن المولود القادم سيكون ذكر .. سيكون وريث البارون المنتظر ! ودون ترو .. بدأ البارون في الإعداد لوصول وريثه المنتظر وأحضر الكثير من اللوازم والمتطلبات الخاصة لاستقبال غلامه العزيز الذي طال  الشوق إليه.. واشتري مهر عربي أبيض باهظ الثمن له شهادة نسب عليها خاتم سلطان عمان شخصياً ليكون أول حصان يتدرب البارون  عليه لتعلم الفروسية.. حتى زجاجات النبيذ والشمبانيا الفاخرة خزن منها البارون كميات مهولة لحفل تعميد طفله العزيز ! ومضت الأيام أبطأ مما كانت عادة في أي حمل سابق للبارونة " جوليا " التي كانت تحيا ؛ ويحيا كل من حولها معها ؛ في هذا الحلم اللذيذ الجميل .. بل في هذا الوهم الملون البديع ! وذات صباح من يوم أثنين مشمس بديع وبينما كانت البارونة تتمشي الهوينى في الحديقة جيئة وذهاباً ؛ كما نصحها طبيبها ؛ أحست بآلام حادة مفاجئة تمزق جسدها .. لم تكن آلام طلق فآلام الطلق تأتي متدرجة من الضعف إلى القوة ومتقطعة على فترات زمنية قصيرة .. ولكن هذه كانت آلام مبرحة غريبة لم تجربها البارونة من قبل رغم ولاداتها الإحدى عشر ..ولم تكن هذه الآلام ؛ إن كانت نوع غير معتاد من الطلق ؛ مقتصرة على منطقة الرحم أو البطن فقط بل كانت البارونة تشعر كأن جسدها كله من أخمص قدميها حتى جذور شعرها تغلي وكأنها توشك على الانفجار ! وصرخت البارونة وسقطت أرضاً بين أيدي وصيفاتها وجاء البارون على عجل .. وحُملت البارونة إلى غرفتها وتم استدعاء الطبيب الذي جاء على عجل متعجباً من تبكير الولادة عن موعدها ثلاثة أشهر كاملة . إنه لم يري ولادة تتم في الشهر السادس من الحمل من قبل ! وكان أخشي ما يخشاه البارون أن يكون طفله قد مات في رحم أمه أو أن يكون على وشك الاحتضار لذلك فقد جاءت الولادة مبكراً .. وبمجرد أن وصل الطبيب حتى قام بفحص البارونة بدقة متناهية أعلن بعدها إن الولادة ما يزال أمامها ثلاثة أشهر وأن الآلام التي تعانيها ليست آلام ولادة على الإطلاق ! أصيب البارون بدهشة شديدة وسأل الطبيب متعجباً ؛ وسط صرخات زوجته المدوية التي تتلوي ألماً أمامه ؛ عن سبب هذه الآلام المبرحة إذا لم تكن آلام ولادة .. فهز الطبيب رأسه نافياً أن يكون لديه تفسير قطعي لحدوث ذلك الأمر الغريب ، ومحاولاً تفسير الأمر بفرض أن التلف الذي أصاب رحم البارونة في الولادة الأخيرة قد يكون مسئولاً عن حدوث هذه الآلام الشديدة .. وأشفع الطبيب إعلان رأيه الحاسم بإعطاء البارونة كميات من أحد المسكنات مكتفياً بذلك ! وتناولت البارونة المسكن فهدأت الآلام قليلاً .. وأخيراً قرب الفجر تمكنت من أن تحظي بشيء من الراحة .. ولكنها قبل أن يكتمل شروق الشمس هبت صارخة وقد عاودتها الآلام .. أعنف وأوجع من المرة الأولي ! وظلت البارونة شهر كامل على هذه الحال .. تعاني الآلام ليلاً نهاراً .. ولا تكاد تتناول طعاماً أو شراباً حتى كرهت نفسها .. وصارت تتمني أن يسقط الجنين الذي في رحمها أو تموت هي وتستريح من هذا العذاب ! أما البارون فقد كان حزيناً على ما يحدث لزوجته طبعاً.. ولكنه من ناحية أخري كان لديه شعور غريب أن ما يحدث هذه المرة دليل قاطع على أن زوجته لا تحمل بنتاً مثل كل مرة .. وقد صدق إحساس البارون في ذلك .. فالبارونة بالفعل لم تكن تحمل بنتاً .. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنها تحمل ولداً ! ************ وأخيراً في نهايات الشهر السابع من الحمل حدثت تغييرات غريبة في حمل البارونة .. فقد تدلي الجنين إلى أسفل في الحوض حتى أصبح بطنها كالكرة المنفوخة فوق الساقين مباشرة ، وصارت الأم تشعر بثقل دائم في جسدها وصارت تقريباً عاجزة عن الحركة .. ورغم ذلك لم تتوقف نوبات الآلام المبرحة بل ربما زادت عن ذي قبل .. وبعد يومين آخرين وفي بداية الشهر الثامن جاء الطلق حاداً سريعاً قاتلاً .. ورقدت البارونة بين يدي طبيبها الدائم تحوطها عناية وصيفاتها وخادماتها ويرقبها زوجها بكل قلق وأمل .. وتوقع الطبيب حدوث الولادة في فجر اليوم .. ولكن الغريب أن ذلك لم يحدث ! وفي اليوم التالي عادت آلام الطلق أعنف وأقوي من الليلة السابقة وبدأ رحم البارونة في تسريب السائل المحيط بالجنين بكثافة مما أدي لتوقع الجميع حدوث الولادة في نفس اليوم .. ولكن لم يحدث ذلك أيضاً .. الغريب أن السائل الذي قذفته البارونة كان أسود غليظاً مختلفاً تمام الاختلاف عن سائل الرحم العادي ! والأعجب أن نوبات الطلق استمرت عدة أيام متتالية دون حدوث ولادة .. أما أغرب شيء على الإطلاق فقد كان استمرار تدفق هذا السائل الأسود الغليظ من داخل الرحم دون توقف وكأنه بئر لا نهاية له ! وبعد مرور أسبوع كانت الأم قد وصلت إلى مرحلة لا توصف من الإعياء والإرهاق الشديد  جعلتها تتمني أن تلد الشيطان نفسه .. المهم أن تتخلص من هذا الكابوس الراقد في جوفها والذي يأبى الخروج .. وبلغت مخاوف البارون على حياة البارون الصغير حداً جعله يفكر في أن يأمر الطبيب بالقيام بعملية الشق ولو كلفه ذلك حياة زوجته نفسها ! والحقيقة أن هذا التفكير بدأ يطغي على فكر البارون أكثر وأكثر كلما مضي يوم دون حدوث ولادة ودون توقف لنوبات الطلق والآلام المبرحة وتدفق السائل الأسود العجيب .. وبينما كانت البارونة ترقد في هذه الحال الحرجة جاءت الأنباء ذات صباح إلى البارون تبشره بمولد صبي ثالث لأخيه الأصغر ! ************ كان الطبيب ذو  الأصل الأسباني جالساً على مقعد في غرفة ملاصقة لجناح البارونة " جوليا دي منليك " محاولاً التركيز والبقاء مستيقظاً أكثر وقت ممكن .. إنه يمر بوقت عصيب ولا أحد يستطيع رؤية الأمر على حقيقته سواه هو .. ربما يفقد البارون ابناً ووريثاً .. وربما تفقد البارونة ولداً وتفقد آخر فرصة للحمل في حياتها ، فالمؤكد أنها لن تحمل ثانية بعد ما عانته هذه المرة ، فالرحم ؛ كما يعرف بخبرته ؛ قد صار ولابد في حالة سيئة للغاية بعد كل هذه المعاناة .. هذا هو كل ما يفكر به البارون وزوجته .. أما بالنسبة إليه هو فإن الأمر أكبر كثيراً وأخطر مما يخطر ببال أحد .. إنه يجد نفسه لأول مرة في حياته ، ومنذ أن تخرج وحصل كل العلوم والكنوز التي أدخرها أجداده من معاهد العلوم الإسلامية الزاهرة في غرناطة التليدة ، عاجزاً وعلمه الذي تحصل عليه عبر سنوات من الدرس والخبرة غير قادر على إسعافه في هذا الموقف العصيب الذي يمر به .. إن البارون وأتباعه يطوفون به ليل نهار مشجعين ومعجبين بخبرته وعلمه ولكنه يعلم جيداً ما يمكن أن يحل به لو فشل في إخراج البارون الصغير إلى الحياة سليماً تماماً ! إن الأمر لا يقتصر على مجرد عملية ولادة عسرة مرهقة .. إنهم لا يفهمون ما يفهمه هو ولا يدركون حقيقة الأمر .. إن هذه ليست ولادة طبيعية على الإطلاق وحتى إذا ما ولدت البارونة أخيراً فلن يأتي جنين طبيعي .. ولن تعود الأمور طبيعية مطلقاً .. وهذا السائل الأسود الغريب ؟! إنه يمارس الطب النسائي منذ ثلاثين عاماً ولكنه ولأول مرة يقف عاجزاً أمام ظاهرة لا تفسير لها .. لغز غريب لا يعرف له معني ! أي حمل هذا وأي ولادة .. وأي جنين .. أي جنين هذا ؟! وبينما كان الطبيب غارقاً في أفكاره هذه أتت إليه مساعدته لتخبره بأن البارون يطلب لقاءه حالاً في غرفته الخاصة ؟! ************ وكانت هذه أول مرة يدخل فيها الطبيب إلى غرفة البارون " منليك " الخاصة على طول مكوثه وخدمته في هذا القصر.. لقد دخل جناح البارونة مرات كثيرة بالطبع بحكم عمله ، ولكن حجرة البارون الخاصة فهذه أول مرة  .. ترى لماذا لم يستدعيه في حجرة المقابلات أو حتى في حجرات الاستقبال الخاصة ؟! وبمجرد أن دخل الطبيب من باب الغرفة حتى وجد البارون واقفاً في منتصفها منتصباً كالرمح .. وأمامه خادمه الشخصي " لوجو " الذي أشار إليه البارون إشارة صغيرة برأسه فأسرع مغادراً بعد أن قام بإغلاق باب الغرفة بإحكام من الخارج ! كان البارون قد حسم أمره الآن .. ربما كان متردداً في الأيام السابقة .. ولكن الآن ؛ وبعد مولد ابن أخيه الثالث ؛ فلا مجال للتردد ! ************ بمجرد انصراف " لوجو " دعا البارون الطبيب إلى الجلوس قبالته على أحد المقاعد .. وبدأ في سؤاله عن حال زوجته وعن فرص خروج الجنين حياً وعما إذا كان يتوقع حدوث الولادة في القريب أم أن الأمر سيطول أكثر من ذلك .. وأخذ الطبيب يجيب عن أسئلة البارون بما عرف عنه من رزانة وهدوء محاولاً بث أكبر قدر ممكن من الاطمئنان في نفس البارون .. ولكن فجأة ووسط كلام الطبيب قاطعه البارون قائلاً بلهجة عادية وكأنما جاء الأمر عفواً : " لو خيرت أيها الطبيب بين ضحية واحدة وبين ضحيتين فماذا تختار ؟! " تظاهر الطبيب بالدهشة ؛ مع أنه في الحقيقة  قد أدرك قصد البارون تماماً ؛ وتساءل بهدوء : " ماذا تقصد يا سيدي ؟! " فأجابه البارون وهو يميل بمقعده إلى الأمام ليقرب وجهه من وجه الطبيب : " أقصد أنك أبرع طبيب نساء في فرنسا .. لا بل في أوربا كلها .. ولابد أنك تدرك أنه من الصعب أن تنجو البارونة مما أصابها ! " أرتبك الطبيب لهذه الصراحة وتلعثم وهو يقول : " عفواً يا سيدي .. ولكنك لست طبيباً ولا يمكنك إصدار الأحكام في مثل هذه الحالات .. أنا شخصياً ورغم كوني طبيب ليس من حقي أن أصدر مثل هذه الأحكام النهائية ! " " ولكنك تعرف بخبرتك بالطبع ما إذا كانت الحالة التي تواجهك صعبة أم لا .. ولابد أنك تدرك مدي خطورة وصعوبة حالة زوجتي  ! " " نعم نعم .. إنها حالة صعبة .. ولكن ليس بإمكاننا الآن التنبؤ بحجم الضرر الذي أصاب الرحم ولا باحتمالات موت البارونة أثناء الولادة !" وهنا فقد البارون أعصابه فصرخ في وجه الطبيب بصراحة كان يحاول تجنبها طوال الوقت : " أنا لا تعنيني احتمالات موت البارونة .. بل كل ما يعنيني هو احتمالات حياة ابني !! " " أعتقد يا سيدي أن الأمرين متلازمين وعلى نفس القدر من الأهمية .. فبحياة البارونة نضمن حياة الجنين .. إذا ماتت البارونة فسيعني هذا موت الجنين على الفور ! " " ليس إذا كان الجنين خارجاً بالفعل عند حدوث وفاة البارونة ! " " عذراً يا مولاي .. ولكن كيف سيحدث ذلك ؟! " وهنا أبتسم البارون ساخراً وقال متلطفاً : " لا تراوغني في الحديث يا عزيزي .. أنت تعرف تماماً ما أرمي إليه .. أنني الآن أسألك بصراحة : هل من الممكن القيام بعملية شق لاستخراج الجنين الليلة ؟! " ************ لم يعرف أحد ما الذي حدث في هذه الليلة بالضبط .. كل ما قيل أن البارون كان في حجرته الخاصة وبرفقته طبيب زوجته الخاص يتناقشان بحدة وبصوت مرتفع .. وفجأة قطعت مشادتهما صرخات حادة قادمة من جناح البارونة ! هرع البارون ؛ وفي إثره الطبيب ؛ إلى حجرة زوجته ليجد أمامه منظراً عجيباً لم يري مثله من قبل في حياته .. والمؤكد أنه لا يتمني رؤيته مرة أخري ! كانت زوجته ساقطة على الأرض بالقرب من فراشها وسط بركة من الدماء السوداء الغزيرة .. وحولها ثلاث وصيفات واثنتين من مساعدات الطبيب وكلهن ملطخات بالدماء مثلها .. وهي تصرخ دون توقف وهن يشاركنها الصرخات !! أما بطن البارونة المنتفخ فقد تحول الآن إلى حفرة غائرة في مقدمة البطن وواضحة تماماً وكأن البارونة لا ترتدي ست قطع من الملابس فوق بعضها ! ولكن أين الجنين .. هذا هو بيت القصيد ! ذُهل " فرانسوا منليك " لهذا المنظر بالغ الغرابة .. وأخذ يتلفت حوله كالمجنون باحثاً عن أي أثر لوليده دون جدوى ! أما الطبيب فقد هرع نحو  البارونة محاولاً فحصها وتبين حقيقة الأمر دون فائدة .. فقد حالت صرخاتها المريعة وحالتها العصبية الهستيرية دون تمكنه من لمسها .. كانت البارونة في الواقع تبدو على أعتاب الجنون نفسه ! وأعتاب الجنون نفسها هي التي كان البارون يقف عندها وهو يدور ويدور باحثاً عن وليده .. عن وريثه .. عن أي طفل وليد .. عن أي جنين دون جدوى ! الحق أن الطبيب والبارون وقفا عاجزين عن تبين حقيقة ما حدث وسط الحالة  الهستيرية التي تعانيها البارونة وكل من حولها من نساء .. ولكن الأمر الواضح أن البارونة قد ولدت .. ولكن أين المولود هذا هو السؤال المهم ! وقبل أن يفق " منليك " من الصدمة والذهول سمع صوتاً غريباً قادماً من أسفل فراش زوجته .. كان صوتاً غريباً جداً وكأنه صوت نقيق ضفدع .. وقبل أن يجد فرصة لاستطلاع حقيقة الأمر فوجئ  بشيء غريب يزحف خارجاً من تحت الفراش .. وفي هذه اللحظة انطلقت صرخات الوصيفات ومساعدات الطبيب المرعوبة وهرعن إلى الخارج لا يلوين على شيء وهن يصرخن بلوثة : " الشيطان .. الشيطان ! " أما البارونة  فقد ظلت مكانها دقيقة تنصت لصوت النقيق وتنظر برعب لمقدمة الكائن الغريب الذي يزحف خارجاً من ظلام أسفل الفراش .. وفجأة شهقت بفزع ووضعت يدها على قلبها .. وفي اللحظة التالية مباشرة توقفت أنفاسها وشهقاتها ورعبها .. كان كل شيء فيها قد توقف .. كانت  البارونة قد أسلمت الروح ! ************ في هدأة الليل تحركت عربة مقفلة من قصر البارون " منليك " .. كانت كل نوافذ العربة وبابها الوحيد كلها مغلقة بإحكام شديد .. وتحركت العربة بهدوء تحت دجى الظلام وأخذت طريقها عبر التلال الجنوبية حتى وصلت منطقة " نوفارا " المنعزلة الموحشة .. وهناك فُتح باب العربة وهبط منها " لوجو " ؛ الخادم الشخصي للبارون وكاتم أسراره ؛ ثم تبعه البارون نفسه بعد قليل .. وبمجرد هبوط البارون من العربة أشار إلى " لوجو " إشارة معينة صامتة فتحرك الخادم متفقداً المنطقة ليتأكد من خلوها التام من أي مخلوق بشري .. فلما أطمأن إلى ذلك وتأكد منه عاد إلى حيث يقف البارون وأومأ له برأسه في صمت .. وعندئذ تحرك الاثنان ودخلا إلى العربة وبدآ في إنزال عدد من الصناديق الطويلة المتينة المحكمة الغلق .. أنزل البارون بنفسه "؛ بمساعدة " لوجو " صندوقاً وراء صندوق .. وقاموا بصفها إلى جوار بعضها حتى أفرغا العربة تماماً .. كانت الصناديق عددها ست على وجه التحديد .. وبعد فترة وجيزة بدأ " لوجو " في حفر حفرة عميقة واسعة محاولاً تعميق الحفر إلى أقصي قدر ممكن .. وما أن انتهى من إعداد الحفرة حتى ضرب البارون أحد الصناديق الست بقدمه فأنزاح من مكانه وأنزلق داخل الحفرة .. وبعدها قاما بالردم على الصندوق حتى أختفي تماماً في جوف الأرض .. وتكرر هذا الأمر ست مرات حتى تم دفن كل الصناديق ومواراتها باطن الأرض .. ولما أنتهي ذلك .. وجه " لوجو " اهتمامه إلى تسوية التربة في المنطقة التي دُفنت فيها الصناديق الستة بعناية لإخفاء أي أثر لما حدث الليلة ..وقد تم كل ذلك دون أن يتبادل الرجلان كلمة واحدة ! وفي تباشير الفجر كان البارون في عربته عائداً إلى القصر ..وحده ! فقد كوفئ " لوجو " المخلص على عمله ومساعدته في إخفاء الصناديق ؛ بما تحتويه ؛ مكافأة عظيمة جعلته  غير محتاج لخدمة البارون ؛ أو أي سيد آخر بعد ذلك .. كانت مكافأة " لوجو " حفرة سابعة بجوار الصناديق رقد فيها جثة هامدة .. بعد أن أطلق البارون عليه النار من خلفه خمس مرات ! وفي اليوم التالي أعُلن نبأ وفاة البارونة " جوليا منليك " زوجة البارون " فرانسوا منليك " أثناء الولادة .. وعرف الجميع أن البارونة توفيت ولحقت  بها أبنتها الوليدة ، الابنة الثالثة عشرة للبارون " منليك " .. وتم دفن الصغيرة بعد أن أعطيت أسماً افتراضيا ؛ في حديقة القصر .. أما البارونة  فقد حظيت بطقوس دفن فاخرة وتولي رئاسة قداس جنازتها ابن عمها البابا ( بيوس الرابع  ) بنفسه .. ثم حُمل جسدها إلى ( مقبرة أسرة منليك ) ليدفن هناك ! وبعد مرور أيام الحداد .. وكما أكد الجميع أنه بسبب شدة حزنه أقدم البارون " منليك " على بيع كل أملاكه وأراضيه وعقاراته وجمع كل ما له من أموال وأشتري سفينة خاصة وحمل عليها كل أمواله وكنوزه بالإضافة إلى بناته الإثنتي عشرة وهاجر إلى الأرض الجديدة ..أمريكا وهناك أستقر في  ( نيواورليانز ) ! وحسنا فعل البارون .. فبعد أيام من رحيله هب الشعب الفرنسي في ثورة رهيبة وحطموا سجن الباستيل وفتكوا بالنبلاء والأغنياء الذين أصبحوا طعمة سائغة للمقصلة .. وتم مصادرة كل الأموال والثروات .. وأخيراً جاءت النهاية بجز رقبة الملك نفسه ورقبة جلالة الملكة لتنتهي قصة الملكية في فرنسا إلى حين .. وتنتهي علاقة البارون " منليك " بوطنه فرنسا إلى الأبد !! ورغم أن البارون قد أنقذ كل أمواله وكنوزه عندما هاجر إلى العالم الجديد .. ألا أنه لم يأخذ كل ما يخصه من فرنسا . فقد نسي هناك شيء ما .. شيء هام كان حرياً به ألا ينساه ! ************ ومرت أعوام أخري وصارت الآنسات الثلاث " جوليا " و" بولين " و" صوفيا " فتيات ناضجات جميلات .. ومشت البنات الأخريات في طريق النضج والنمو بسرعة خارقة وأصبحن صبيات حسناوات يخطفن الأبصار بجمالهن الناضج المثير .. ولكن لم تبلغ إحداهن ما بلغته الآنسة " ماريانا " من جمال وفتنة .. كانت " ماريانا " تشبه إلى حد بعيد لؤلؤة القلب في عقد كل حبة فيه جميلة بما يكفي .. وكما كانت أجمل شقيقاتها كانت كذلك أشجعهن وأكثرهن ذكاء وتكيفاً مع الوضع الجديد .. فقد تجاوزت مرحلة الحزن المرير بعد وفاة أمها الحنون بسرعة وساعدت أباها وشقيقاتها على تجاوزها .. ولعل البارون ؛ دون وجود " ماريانا " بجواره ؛ كان أقدم على العودة إلى فرنسا أو إدمان الخمر أو إلقاء نفسه في البحر .. أو أي عمل جنوني آخر ! والحق أن البارون مرت عليه فترة مريرة بالغة السوء بعد وفاة زوجته ورحيله عن وطنه .. ولكن الحق أكثر أن وفاة البارونة كان آخر سبب لحزن البارون ومرارته ! وحتى فقده للوريث المنشود لم يكن هو سبب حزنه وكآبته ! ولو شئنا الحق أكثر وأكثر لقلنا إن البارون لم يكن حزيناً على وجه الدقة .. بل كان نادماً وخائفاً .. نادماً على الخطأ الفظيع الذي تورط فيه بسبب شوقه الجنوني للحصول على وريث وخائفاً من نتائج عمله الوبيلة التي يمكن أن تلاحقه حتى في قبره .. فلم تكن نتائج أخطاء البارون قد دفنت بعد .. في الحقيقة أنها لم تمت بعد بل ما زالت على قيد الحياة ! ************ ومرت أعوام أخري وتزوجت " جوليا " من شاب أمريكي ثري من أصل فرنسي ورحلت بعيداً عن الأسرة لتسكن مع عائلة زوجها في (ديلوير ) .. وتقدم شبان عديدون لخطبة الآنستين " بولين " و" صوفيا " .. ولكن الحقيقة أن البارون لم يعاني قلقاً مثلما عاناه عندما بدأ طوفان الراغبين في الزواج يتهافتون على خطبة عزيزته " ماريانا " !

وفي الواقع فإن كل رجل دخل قصر البارون في ( نيوأورليانز ) وتعرف على عائلته كان يفكر أول شيء في خطبة " ماريانا " الابنة الرابعة وأكثر البنات سحراً وجاذبية وأكثرهن تعقلاً وحكمة .. ولكن آه من غيرة الأب حينما يغار على أبنته !

كان البارون يجد دائماً في كل شخص يتقدم لخطبة " ماريانا " عيباً يجعله غير مناسب لها هي بالذات .. ولكنه في نفس الوقت كان يرحب بنفس هذا الشخص إذا تقدم طالباً يد أي واحدة أخري من بناته ! وهكذا تزوجت " جوليا " الكبرى من أحد عرسان " ماريانا " ..وخلال فترة وجيزة تزوجت أربع أخريات من بنات البارون من رجال كانوا يرغبون أصلاً في الزواج من " ماريانا " .. وهكذا أصبحت الأخيرة مصدر لتوريد العرسان لشقيقاتها ! وفي أحدي الليالي أقام البارون حفلاً فاخراً احتفالا بخطبة أبنته السادسة " شارلين "  لأحد أثرياء نيوأورليانز ذوي الأصول الهولندية .. وتألقت " ماريانا " خلال الحفل وطغت فتنتها وحسنها على جميع الموجودات من النساء والبنات ، وجذبت أنظار جميع الرجال والشبان المتواجدين في الحفل حتى عريس " شارلين " نفسه ترك عروسه واقفة بمفردها بجوار البيانو وأخذ يلاحق " ماريانا " في كل مكان تذهب إليه إن لم يكن بجسده كله فبعينيه على الأقل ! المهم أن " ماريانا " ؛ وبينما كانت تعزف مقطوعة مرحة على البيانو استجابة لطلب الحاضرين ؛ شعرت فجأة بشعور غريب .. كان هناك شيء يسيل على ساقيها ! توقفت " ماريانا " عن العزف للحظة بعد أن أدهشها هذا الشعور الغريب الذي تحسه .. ولكنها عادت للعزف رغبة منها في ألا تخيب ظن الحاضرين وتفسد على أختها ليلتها الجميلة .. وإن كانت ظلت طوال وقت عزف المقطوعة التي استمرت لأكثر من ربع ساعة في حالة قلق وخوف ! وبمجرد أن انتهت من العزف ودوي تصفيق الجماهير المعجبة حتى هرعت من فورها إلى غرفتها .. وهناك وبمساعدة وصيفتها الخاصة رفعت ذيل فستانها الثقيل لتجد سائل أسود غليظ لزج يسيل فوق ساقيها ! تعجبت الوصيفة مما تري وسألت الفتاة عما إذا كان ميعاد طمثها قد حل .. ولكن لا لم يكن هذا هو الموعد الشهري ولا حتى قريب منه .. وحتى لو كان هو كذلك فليس هكذا تكون الأمور .. وظلت " ماريانا " تحاول رفع ذيل الفستان أعلى وأعلى لتتمكن من رؤية المصدر الذي يخرج منه هذا السائل الغريب ! وفي النهاية اضطرت الفتاة لصرف وصيفتها وخلع ثيابها بمفردها ؛ إذ كانت تخجل أن تخلع ثيابها أمام أي أحد ؛ للبحث عن مصدر خروج هذا السائل الأسود .. وصار من المؤكد بعد قليل أنه لا يخرج من رحمها ! وهكذا تتبعت " ماريانا " الأمر حتى تيقنت في النهاية ؛ ويا للغرابة ؛ أن السائل الأسود اللزج كريه الرائحة لا يخرج إلا من سرتها ! ذهلت " ماريانا " لذلك وأصابها قلق خشية أن تكون قد أصيبت بمرض خطير من تلك الأمراض المريعة التي تسمع عنها .. البرداء والطاعون والجذام .. رباه ما أسوأها من ليلة ! ورغم ذلك أصرت الفتاة على عدم إفساد ليلة أختها .. فارتدت ملابسها ببطء ونزلت إلى قاعة الحفل وأخذت ترد على ابتسامات المعجبين والولهانين بابتسامات شاحبة وهزة رأس .. مع أنها كانت في أشد حالات الخوف والجزع ! وانتهي الحفل أخيراً بعد أن أعلن البارون " منليك " إتمام الخطبة بين أبنته " شارلين " والثري الهولندي الشاب " برنارد فوكنماير " وأنصرف الحضور في إثر بعضهم وكان أخرهم الخطيب السعيد .. وقبل حلول منتصف الليل كانت قاعة الحفل قد خلت من أي أحد آخر عدا البارون وبناته .. وعندئذ هرعت " ماريانا " إلى غرفتها وهي ترفع ذيل ثوبها الثقيل وتعدو على السلم بشكل لفت نظر أباها .. فتبعها على الفور ! واقتحم " منليك " غرفة أبنته الشابة دون استئذان ففوجئ بمنظر أذهله وسود  بقية أيام حياته ! كانت " ماريانا " واقفة أمام المرآة شاحبة الوجه بشدة وخلفها وصيفتها تحمل لها فضل ثيابها وساقي الفتاة عاريتين وهناك خطوط من سائل أسود غريب تسيل على ساقي الفتاة وتتجمع في بركة صغيرة أسفل قدميها ! ارتبكت الفتاة لظهور أبيها المفاجئ .. لكن دهشته وذهوله هو غطي الأمر كله .. فقد حدق البارون في منظر السائل للحظة .. ثم فجأة شحب وجهه وأصفر صفرة الموت .. وفي اللحظة التالية أقدم " منليك " على تصرف غريب .. فقد رفع يديه المغطيتين بالجواهر والخواتم اللامعة وضرب خديه بعنف وجنون ! ************ عاد " فرانسوا منليك " إلى غرفته وهو في حالة ذهول كامل وشبه غيبوبة .. كان يترنح على الباب وكاد يسقط على وجهه لولا أن لحقه خادمه الخاص وساعده على الوصول إلى غرفته ولكن البارون رفض أن يرافقه خادمه إلى الداخل .. ودخل إلى غرفته وارتمي على أول مقعد أمامه ! إن منظر هذا السائل الغريب الذي يسيل على جسد أبنته ليس غريباً عليه .. فقد رآه من قبل .. إنه نفس السائل الذي تدفق من رحم زوجته " جوليا " في أواخر حملها الأخير قبل أن تحدث الكارثة وتلد هذا الشيء ! لقد تخلص من دليل خطيئته وتخلص من كل الشهود عليها .. ولكن يبدو أن خطيئته نفسها لم تمت بعد ! ولم يجد الشرير سوي " ماريانا " ؟! " لا لا أيها السيد ليس " ماريانا " .. ليس " ماريانا " .. خذ كل من لي في العالم إلا " ماريانا " .. أتركها لي .. أيها السيد إذا كنت تعرف الرحمة فخذني أنا مكانها .. أيها السيد أترك لي ابنتي الحبيبة .. أرجوك أيها السيد .. أتوسل إليك وأجثو عند قدميك .. فأسمع واستجب ! " كان البارون يتوسل ويتوسل بصوت باك يائس وهو يتشبث كالغريق بمسند مقعده .. يدعو ويتوسل ويترجى .. ولكنه نسي أن السيد لا يعرف الرحمة .. ليس له رحمة .. لم ولن يكن له رحمة إلى الأبد ! ************ لم يستطع البارون النوم هذه  الليلة .. وما كان يسعى إلى ذلك وابنته تئن من الألم في مقصورتها .. كان يشعر وكأن كل هموم الدنيا قد تجمعت بين أضلاعه , وأخذ يؤنب نفسه على تلك الحماقة التي ارتكبها والتي ما كان عاقل سيقدم عليها . عودة إلى الوراء .. في فترة توقف زوجة البارون عن الحمل .. بعد مولد ابنتيه التوءم " جولييت " و" كوليت " أنتظر البارون " منليك " بلهفة حدوث حمل جديد ، لعل وعسي يأتي الغلام المنشود في تلك المرة .. ولكن للأسف فقد مرت الشهور تلو الشهور دون أن تبدأ أعراض الحمل في الظهور على زوجته .. وبناءً على رغبة البارون المجنونة خضعت الزوجة لفحص تلو فحص على يد طبيبها الخاص الذي بذل جهده في محاولة تحديد السبب الذي حال دون حدوث الحمل طيلة هذه الشهور رغم أن البارونة كانت تحمل سريعاً في المرات السابقة .. ولكن المشكلة أن الطبيب نفسه كان يظن أن البارونة قد حدثت لها مشكلة خطيرة في الرحم أثناء الحمل الأخير قد تحول دون حدوث حمل جديد أو تمنع ذلك لفترة طويلة على الأقل .. وطبعاً لم يجرؤ الطبيب على مواجهة البارون بتلك الحقيقة القاصمة تاركاً الأمر للأيام لتظهر هذه الحقيقة المرة بالتدريج .. وفي هذه الأيام السوداء تزوج شقيق " منليك " الأصغر من الفتاة القروية الوضيعة وأنجب منها ولدين .. فأنفجر الفزع في قلب البارون وأيقن أنه في طريقه لخسارة أملاكه وأمواله .. وربما يخسر لقبه ومكانته نفسها ويصير مجرد تابع لأخيه الصغير والد الوريثين الوحيدين .. عندها بدأ البارون يفقد صبره وتوازنه وحكمته .. ثم ؛ وبمرور مزيد من الوقت ؛ بدأ ينزلق إلى ما هو أخطر وأخطر .. وكان السبب في كل المصائب التي حدثت في هذه الفترة هو إصغاء البارون لخادمه " لوجو " .. " لوجو " اللعين الذي أودي به إلى طريق الهلاك .. طريق الشيطان ! ففي ذات يوم ؛ وكان البارون جالساً في مكتبه يفكر في مصيره بعد مولد أبن أخيه الثاني ؛ وجد " لوجو " فجأة واقفاً أمامه في الغرفة .. لم يفهم كيف تسلل هذا الخادم اللعين إلى الغرفة رغم أنها مغلقة بالمفتاح من الداخل .. كان البارون قد بدأ يدخن بشراهة في تلك الأيام القاتمة وتقريباً كان ؛ وقت دخول " لوجو " المفاجئ ؛ جالساً وسط سحابة سوداء من الأدخنة الكثيفة وقد أثار دخول الخادم المفاجئ غضبه الشديد .. فهب من مقعده صارخاً محتجاً وكاد يبطش بهذا اللقيط اللعين  ( كما يسميه ) لولا أن الرجل الداهية أوقفه بجملة واحدة نطقها فحطت على رأس البارون كالصاعقة : " سيدي .. أنت تريد الوريث .. حسناً أنا أعرف كيف تحصل عليه !! " قال الخادم بابتسامته الخبيثة الصفراء .. ولم يقدم " لوجو " المزيد من التفسير ولم يطلب منه البارون تفسيراً أصلاً .. فقد كان مستغرقاً في تأمل وجه الخادم الحازم الخبيث والبحث عن علامات الصدق في ملامحه السائبة الماكرة .. وفي الأيام التالية ترك البارون نفسه تماماً لخادمه اللقيط اللعين وبدأ ينفذ كل نصائحه الشيطانية دون اعتراض .. لأن " منليك " لم يفقد عقله فقط في تلك الأزمة الطاحنة التي يعانيها .. بل كان قد فقد إيمانه أيضاً ! ************ بهدوء قاد " لوجو " الخبيث سيده عبر القاعات الملتوية المظلمة .. كانت هناك سلالم وقاعات وممرات لا حصر لها .. وكلها خالية ومظلمة وتتصاعد منها أبخرة وروائح غريبة عطنة .. وتبع البارون " منليك " خادمه وصعد وراءه سلماً وراء سلم ، ودخل معه قاعة وراء قاعة ؛ وعبر خلفه ممراً وراء ممر حتى أصابه التعب والإرهاق وكاد ينكص على عقبيه لولا أن تشبث " لوجو " بطرف كم البارون في جراءة وقال له في حزم وهو يشير إلى باب أسود قاتم مظلم أمامهما مباشرة : " لقد وصلنا ! " والحق أن لحظة التردد هذه لم تكن لحظة عادية .. بل كانت فرصة ذهبية .. كانت هبة من الرب ل" منليك " وفرصة أخيرة له للتراجع قبل أن يتورط في أخطر وأسوأ شيء أقدم عليه في حياته .. ولكنه بغباء منقطع النظير وببساطة ضيعها ! وفي داخل القاعة كان هناك مزيد من الأدخنة والروائح الثقيلة العفنة .. وأصيب البارون بالغثيان وكاد يتقيأ .. ولكنه وجد نفسه فجأة في قاعة مملوءة بأصناف من المخلوقات لا تعرف ماهيتهم بالضبط .. لقد كانوا كلهم عبارة عن أشكال طويلة نحيلة متدثرة بعباءات جلدية طويلة وأقنعة سميكة تحجب ملامح الوجوه بأكملها .. وكانوا يحيطون بشيء ما في وسط القاعة ويلتفون حوله في شكل دائرة محكمة .. ولكن بمجرد ظهور " لوجو " وسطهم في القاعة ساحباً وراءه البارون حتى بدءوا يوسعون له الطريق  و تركوه  يعبر إلى  مركز الدائرة .. حيث يقبع هناك هذا الشيء المخيف .. على كرسي عالي وكأنه عرش تحيط به غلالة من الظلام والأدخنة الكثيفة ! ولحظة أن وجد البارون نفسه يحدق مباشرة في هذا الشيء القابع أمامه ؛ محاولاً أن يعرف ماهيته وماذا يكون بالضبط ؛ فجأة أرتفع صياح جنوني ارتجت له القاعة .. فأقرب الملاصقين لعرش الشيء الغامض رفع عقيرته فجأة صائحاً : " المجد لسيدنا اسموديوس ولمن أعطاه القوة والمجد .. المجد لسيدنا الأكبر ! " وبدأت كل تلك المخلوقات العجيبة في ترديد الكلمات ؛ التي لم يفهم لها البارون معني ؛ بأصوات نحاسية مرعبة ذات رنين غريب ..وكان البارون قد وصل في هذه اللحظة إلى نهاية تحمل أعصابه وكاد يلوذ بالهروب رغم محاولات " لوجو " المستميتة للتشبث به وإرغامه على البقاء .. لولا أن نهض الكائن الجالس على العرش ووقف مواجهاً له بهيئته الرهيبة .. فتجمد الدم في عروق " منليك " وشعر بآلام مفاجئة تمزق صدغيه .. وتخلت عنه ساقيه ووجد نفسه يتخاذل ويثبت مكانه وهو يحدق بذعر في عيني هذا المخلوق الرهيب المنومتين .. والحقيقة أن البارون قد بال على نفسه خمس مرات في هذه الليلة من فرط الرعب !! ************ وفي الليلة التالية ؛ ورغم كل محاولاته لإقناع نفسه بالتريث والعدول عن ذلك الأمر الخطر ؛ وجد البارون نفسه يترك نفسه ليقاد كالأعمى إلى القداس الأول له .. القداس الشيطاني ! كان الموضوع ببساطة أن " لوجو " النتن الخبيث أقنع سيده أن الغلام المنشود والوريث المرتجي إذا كان لم يأتي عن طريق الرب فليأتي عن طريق عدو الرب .. إذا لم يكن هبة من الرب فليكن هبة من الشيطان ! ورغم أن " منليك " واجه الفكرة في البداية باحتجاج عنيف وكاد يطيح برأس خادمه اللعين أو يسلمه إلى ديوان التفتيش .. إلا إنه شيئاً شيئاً بدأ يتساهل ويسأل و يستوثق من صحة الأمر وإمكانية حدوثه .. كان البارون الذي تلقي تعليمه في أرقي جامعات أوربا وأختلط بأرقي الأوساط في باريس وصاهر البابا العظيم نفسه قد بدأ يخضع لتهويد وأخابيل رجل أمي جهول غبي مشكوك في أصله وفي عقله وفي عقيدته ! والحق أن رغبة البارون الجنونية في الحصول على وريث هي التي دفعته لخوض المهالك وسلوك مسالك التهلكة من أجل تحقيقها .. ولكن لابد لمن يريد الحلوى أن يتحمل لذع النار .. ولابد لمن يريد أن يحصل على قطعة الحلوى أن يدفع ثمنها ! وهكذا أرتدي البارون ثياباً بسيطة وحاول بواسطة قناع محكم أن يخفي ملامحه الأصلية عن المشاركين معه في القداس الشيطاني ! وفي نفس القاعة التي ولجها البارون الليلة الماضية برفقة خادمه اللعين وبحضور نفس المخلوق الرهيب بدأت طقوس القداس .. ولكن ليس قبل أن يقف أحد هذه المخلوقات العجيبة قريباً من العرش المظلم داعياً رفاقه إلى تقبيل يد المخلوق الذي يحتل العرش لنوال البركة ! وهكذا أندفع الأتباع لتقبيل يد المخلوق المتدثر بالسحب المظلمة وتدافعوا وكأنهم يتنافسون على الولوج من بوابة الجنة ووجد البارون نفسه يدفع دفعاً بواسطة أيدي كثيرة مجهولة إلى حيث يجلس المخلوق .. الذي مد يده إليه في أريحية وكرم زائد ! ورغم نفوره طبع " منليك " قبلة سريعة على يد هذا المخلوق ؛ أو على قفازه بمعني أصح ؛ ثم أنسحب سريعاً وكاد يبتعد لولا أن الجالس على العرش تشبث بيده بقوة وتمسك بها لأكثر من دقيقة وكأنه ينوي ألا يطلقها أبداً ! فزع البارون لهذه الحركة المباغتة وأصابه الذعر على ذعره ولكن المخلوق هتف بصوت غريب يجمد الدم في العروق : " أخيراً جاء البارونات لتحيتنا .. وبعدهم يأتي الملوك بحسب الزمان! " وفجأة تخلي المخلوق عن يد " منليك " وأطلقه فهرع الأخير مبتعداً وقد كادت أنفاسه تتوقف من فرط الرعب والذعر ! ************ وبدأت أول ليلة للبارون وسط هذه المخلوقات الغريبة .. وبدأ أول قداس شيطاني يحضره معهم ! وتوجه واحد من الأتباع نحو منتصف القاعة بالضبط .. وهناك كانت نجمة خماسية عملاقة تتوسط حلقة مستديرة مرسومة على الأرضية وكانت أول مرة يراها البارون " منليك " أو يلاحظها .. ثم قام هذا التابع بإشعال نيران هائلة وسط الحلقة ، ثم بدأ بقية الأتباع يناولونه عدداً من الشموع السوداء الرفيعة ليقوم بإشعالها وأخذوا يعدون : " أثني عشر .. ثمانية عشر .. أربع وعشرون .. ثلاثون .. ستة وثلاثون ! " وهنا توقف العد وتوقف الأتباع عن إشعال المزيد من الشموع .. وكان " منليك " لديه في يده أحدي هذه الشموع السوداء التي أحضرها له " لوجو " وهم بأن يشعلها ويناولها لموقد الشموع هذا .. ولكن " لوجو " أمسك يده بجراءة وهتف بصوت خفيض : " انتهي .. لا يصلح لأن العدد سيصبح سبعة وثلاثين ! " فسأله البارون بحيرة وبنفس النبرة المنخفضة : " وماذا في ذلك ؟! فليصبح سبعة وثلاثين أو أربعين حتى ..كن كريماً يا أخي ! " فأجابه " لوجو " بحزم وبنظرة باترة وكأنه هو السيد وليس الخادم : " لا يصلح .. يجب أن يكون عدد الشموع من مضاعفات العدد ستة ويقبل القسمة التامة عليه ! " وهنا أبتسم البارون بسخرية وقال لتابعه غريب الأطوار : " الآن عرفت القسمة التامة يا " لوجو " ! رحم الله أيام أن كنت تنتظر أسبوعين لأفرغ واقرأ لك الخطاب الوارد من أمك ! " ولكن إجابة " لوجو " أدهشت البارون حقاً فقد حدق في وجهه بعينيين ناريتين وأجاب بهدوء : " أنا أجيد القراءة والكتابة بست وثلاثين لغة يا سيدي ! " قال " لوجو " نعم .. ولكن بأرقي لغة لاتينية سمعها البارون في حياته ! وكاد البارون يعبر عن دهشته لهذه المعلومة الغريبة لولا أن الغرابة نفسها بدأت في تلك اللحظة .. فقد بدأ كل المشاركين في الطقوس ينزعون الجزء الأعلى من ملابسهم .. كاشفين عن جذوعهم النحيلة العجيبة وأضلاعهم النافرة وصدورهم المغطاة بأنواع وأشكال غريبة بالغة القبح من الوشم ! ولكن هل هو مطالب بأن يحذو حذوهم ؟ يبدو أنه كذلك لأن تابعه اللعين ؛ حذا حذوهم بالفعل ؛ وها هو ذا يشير للبارون بحزم كي يقلده .. وارتبك البارون ارتباكا مهولاً لهذا الأمر .. فهو غير متعود على التعري أمام أي أحد .. إلا أمام زوجته أحياناً ! ولكنه خضع في النهاية ونزع الجزء العلوي من ثيابه كاشفاً عن جذعه العريض القوي ولكنه في نفس الوقت أبي التخلي عن قناعه .. وخلال ثانية بدأ شخص غريب يقف ملاصقاً للعرش والجالس عليه في ترديد عبارات كثيرة متراصة بسرعة هائلة لم يفهم منها البارون شيئاً ، ويبدو أن " لوجو " اللعين أحس بغرابة الموضوع على سيده في المرة الأول ، فمال على أذنه وقال له بصوت لا يكاد يُسمع : " إنه يردد المفاتيح السبعة ! " وتعجب " منليك " من حكايات المفاتيح السبعة هذه وكاد يستفسر عنها لولا أن أحدهم قدم له في تلك اللحظة غليوناً ضخماً يتصاعد منه دخان رمادي  كثيف ذو رائحة كريهة نفاذة .. أرتبك البارون ولم يدري ما يفعل بهذا الغليون فنظر إلى تابعه الذي كان هو الآخر قد قُدم إليه غليون آخر وأخذ يدخنه بشراهة .. ولم يكن الخادم وحده هو الذي يقوم بتدخين مثل هذا الغليون بل كان الحاضرين يمسكون بغلايين مشابهة ويدخنون بشغف .. وتردد البارون الذي أدرك أن الغليون يحوي مادة مخدرة ، ولكنه في النهاية وتحت وطأة نظرات من حوله رفع الغليون إلى شفتيه وبدأ يمتص رشفات حذرة منه .. فملئت أنفه وخياشيمه ألعن رائحة شمها في حياته .. ولكنه واصل التدخين رغم ذلك حتى أحمرت عيناه وضاق صدره وبصق هبة سوداء من الدخان ..  ثم سقط على الأرض فاقد الوعي ! وغاب البارون عن الوعي فجأة بضع لحظات..  بعدها عاد إليه وعيه ليري أغرب شيء توقعه في حياته .. فقد كان واقفاً ويديه متشابكتين في أيدي أثنين من أولئك الرعاع واحد عن يمينه والآخر عن يساره .. وكان الحشد كله ملتفاً في شكل حلقة حول العرش ومنهمكين في أغرب رقصة همجية رآها في حياته وأكثرها صخباً .. والغريب أن " منليك " وجد نفسه يشاركهم هذه الرقصة الشاذة .. واستمرت الرقصة طويلاً طويلاً طويلاًَ .. حتى بدأ كل من حوله يتساقطون على الأرض فاقدي الوعي .. وكان هو آخرهم ! ************ واستيقظ البارون في الساعة الواحدة ظهراً ليجد نفسه في بيته وعلى فراشه المعتاد ! كان في غاية التعب والإرهاق ويشعر وكأنه قطع فرنسا كلها سيراً على الأقدام .. ولكنه بطريقة ما كان غير واع بأحداث الليلة الماضية ولديه استعداد تام أن يقسم أن ما حدث بالأمس لم يكن سوي كابوس  مزعج ! ولكن دخول " لوجو " المفاجئ بوجهه الغريب وملامحه السائبة الباهتة أيقظ عقل البارون على الفور وعادت له كل مشاهد الليلة الماضية دفعة واحدة ! قال " لوجو " بابتسامته السائحة غير مبال بملامح البارون الممتعضة لرؤيته : " صباحاً طيباً يا سيدي .. أراهن أنك لم تنم كما نمت هذه الليلة ! " فأجابه البارون بصوت منخفض وهو يدعك عينيه : " ماذا حدث يا رجل ؟! " " لا شيء يا سيدي .. فيما عدا أنك دخلت في نومة الصلاة وظللت راقداً حتى قبيل بزوغ الفجر وعندما حاول المركز الحي إيقاظك لم تستجب إطلاقاً .. فطلبوا أن أقلك إلى البيت ! " فعاد البارون يسأله : " وكيف حملتني بمفردك .. إياك أن تكون قد سمحت لواحد من أولئك الشرذمة الحقيرة باصطحابي إلى هنا .. سأذبحك لو سمحت لأحدهم بأن يطأ حديقة منزلي ! " والحق أن البارون كان غاضباً جداً وهو يوجه هذه الكلمات الحادة لخادمه الخاص ولكن " لوجو " اللعين أحتفظ بهدوء أعصابه وظل بارداً سمجاً كلوح الثلج وهو يقول بهدوء لزج يغيظ : " مولاي يعرف فطنتي جيداً .. لم أكن لأقدم على هذه الفعلة الغبية .. وأرجوا أن تحتفظ بأقصى قدر من رباطة جأشك يا سيدي .. فالليلة ستحتاج لكل هدوئك وقوتك لتشارك في القداس ! " وأغاظت إجابة " لوجو " البارون ولكن ذكر كلمة القداس شحب وجهه وأصابته رعشة مفاجئة وسأل بحذر وبصوت خافت : " أي قداس ؟! " فرد " لوجو " : " أول قداس حقيقي لك يا مولاي وسط جماعتك الجديدة .. القداس الأسود ! " وعند هذه النقطة أستيقظ " منليك " من أفكاره على قرعات عنيفة فوق بابه ! ************ فجأة سمع البارون " منليك " فجأة صوت قرع عنيف على باب حجرته الخاصة فأنتفض فزعاً وتبخرت الأحلام التي كان يعيش فيها وهرع نحو الباب وفتحه .. ووجد وصيفة أبنته " ماريانا " تقف على بابه بوجه شاحب وبجسم مرتعش وبنبرات مذعورة قالت له : " سيدي أن أبنتك مريضة جداً وقد ظهرت أشياء غريبة عليها ! " وكانت هذه الكلمات كافية لإصابة البارون بالجنون والشلل ولكنه تماسك وهرع نحو غرفة " ماريانا " .. وهناك رأي ما لا يتصوره بشر .. كانت " ماريانا " على الأرض بجوار فراشها تتلوي وتصرخ وهي تعصر  بطنها وكأن ناراً تشتعل في جوفها .. ومن بين ساقيها كان يسيل هذا السائل الأسود الغليظ صانعاً بركة صغيرة مخيفة حولها ومن فمها يتدفق قئ بني غامق اللون ؛ أقرب للسواد ؛ غليظ وأغرب شيء على الإطلاق .. إنه قئ جاف تماماً وعلى شكل قطع صلبة ! أنفجر الفزع في نفس البارون وأخذ يرتجف كورقة شجر صغيرة وشحب وجهه أكثر من " ماريانا " نفسها وأسرع نحو ابنته وحاول إنهاضها دون فائدة .. فقد كانت متصلبة وأعضائها يابسة .. وفي هذه اللحظة دخلت شقيقاتها " بولين " و" سارة " و" ماري " الصغيرة إلى المكان وقد أقلق نومهن وأفزعهن صرخات أختهن العزيزة  .. وبمجرد أن رأت " بولين " المنظر صرخت فزعاً ووضعت يدها لتغطي فاهها وكذلك فعلت " سارة " .. أما " ماري " الصغيرة فقد أسرعت نحو " ماريانا " وأخذت تبكي وتحاول لمسها .. وصرخ البارون مطالباً " بولين " و " سارة " بمساعدته لإنهاض " ماريانا " .. وبالفعل تمكن الثلاثة ؛ وبمساعدة وصيفة " ماريانا " ؛ من رفعها عن الأرض بمجهود شاق للغاية ووضعها في فراشها وقامت الأختان بتغطيتها وخرج البارون ليسمح لهن بتغيير ملابسها وليستدعي الطبيب فوراً .. وجاء الطبيب وفحص " ماريانا " على مدار ساعتين متواصلتين خرج بعدها من غرفة الفتاة ووجهه يبدو عليه أنه في أزمة كبيرة ! ولما سأله البارون بلهفة عن حالة أبنته قال له محرجاً : " لا أدري يا سيدي .. إنني لم أرى شيئاً كهذا من قبل ! " فصرخ البارون الذي فقد أعصابه تماماً : " ما معني أنك لا تعرف .. ومن يعرف إذن ؟! " فأجابه الطبيب محاولاً تهدئته : " سيدي أنني أقول لك أنني لم أري شيئاً كهذا من قبل .. ولا اعتقد أن أي طبيب في الأرض رأي مثل هذه الحالة ! " فاهتاج البارون وصرخ بصوت كالرعد : " لا تقل لي لم أري من قبل .. أبحث في كتبك .. أسأل زملائك الأطباء .. وإذا كنت عاجزاً عن معالجة ابنتي فدلني على أسم أكبر طبيب في الأرض وأنا أذهب  إليه ولو كان الشيطان نفسه !! " وعند هذا الحد انتهت المناقشة .. وبدأ عذاب " منليك " الذي لا نهاية له ! ************ وبدأت حالة الفتاة تسوء أكثر وأكثر .. وأستمر السائل الأسود والقيء البني يتدفقان من داخل جسدها وكأن هناك نهراً زاخراً في داخل جسدها الصغير .. ونحلت الفتاة وفقدت نصف وزنها في أقل من أسبوعين .وأصابها شحوب رهيب ما لبث أن أنقلب إلى صفرة داكنة .. وفقد وجهها الساحر جماله وفتنته شيئاً فشيئاً حتى أن أحداً ممن عشقوها لو رآها الآن لفزع من منظرها وأقسم بضمير مستريح أنها ليست " ماريانا " ابنة البارون " منليك ! أما البارون فقد كان في حالة يرثي لها .. وأسوأ ما في الأمر أنه الوحيد الذي يعرف ماذا يحدث بالضبط .. ولكنه آخر إنسان قادر على إيقافه ! " " إسموديوس" أيها الشيطان الجبان ! " كان يعرف أنه أخطأ خطأً كبيراً حينما ولج بقدمه وكر الشيطان من أجل الحصول على الوريث الذي كاد يجن من أجله .. والمصيبة أنه يعرف ماذا يريد منه الشيطان ولكن جبنه يمنعه من تنفيذه ! لقد أنتظر حتى أبيض شعره وكبرت بناته ونمت " ماريانا " العزيزة حتى أصبحت أجمل زهرة في الكون .. أنتظر حتى تعلق بها أكثر وأحبها أكثر .. أنتظر حتى أصبحت عروساً تسر الناظرين .. ثم ها هو ذا يعاقبه و يسلب منه زهرته لتكون الضربة أقوى وأوجع !! ************ ومر أسبوع مروع وصارت " ماريانا " كأنها بقايا إنسان .. أو شبح .. ثم بدأت تغييرات مرعبة تصيبها ! فبعد أن نحل جسدها وتحول لونها الصافي الرائق البديع الذي يشبه لون الخوخ إلى صفرة قاتمة مرعبة .. بدأت ملامح الفتاة ذاتها تتغير ! ولم يكن التغيير تغييراً عادياً كالذي يصيب المرضي المصابين بأمراض شديدة الوطء .. بل كان تغيير في ملامح الوجه الثابتة ذاتها .. وبدا كأن جمجمة الفتاة ذاتها بدأت تتغير تغيراً جذرياً .. وجن جنون البارون وأيقن أن الشيطان اللعين لن يسلب الفتاة منه ببساطة .. بل إنه ينوي أن يعذبه تعذيباً رهيباً ويقتله في كل يوم مليون مرة وهو يري أبنته العزيزة وهي تنحدر بهذا الشكل الرهيب .. يعذبه كما عذبوا الفتاة الصغيرة ذات ليلة لن ينساها أبداً ما حيي .. وكيف ينسي وصوت صرخات الطفلة البريئة ما زال يرن في أذنيه بعد انقضاء كل هذه السنوات ! ************ كان ذلك في أول قداس يحضره البارون مع جماعة عبدة الشيطان هؤلاء الذين ينتمي إليهم " لوجو " اللعين .. ورغم نفوره وكراهيته لكل ما رآه هناك فقد كان يجب عليه حضور القداس الشيطاني .. يجب عليه أن يعود وإلا سيكون الانتقام منه أفظع من كل خيالاته وأحلامه .. ورغم مرور هذه السنوات الطويلة فما يزال ما حدث في تلك الليلة السوداء عالقاً بذاكرة البارون لحظة بلحظة ! ************ ذهب البارون مرتدياً ملابس بسيطة فوقها عباءة ضخمة وقناع سميك على وجهه وكان بصحبته " لوجو " .. وتوجها نحو المكان السابق وهناك وجدوا الجمع اللعين محتشد حول العرش وحول الكائن الغامض الجالس عليه .. ولكن كانت هناك تغييرات هامة أجريت على الغرفة ! فقد أزداد عدد الشموع السوداء المشتعلة فيها حتى وجد البارون نفسه يتساءل سراً كم عدد مضاعفات الستة من الشموع متواجد في هذه القاعة .. وكذلك فقد كان هناك مائدة غريبة وضعت في منتصف الحجرة تماماً ، وكان شكلها غريب يشبه مذبح الكنيسة .. وأكتشف البارون لأول وهلة أن عدد أتباع هذه الجماعة أكثر مما ينبغي فقد كان المتواجدون الليلة أكثر من أربعة أضعاف الذين رآهم في المرة الأخيرة .. أما أغرب شيء على الإطلاق فهو وجود طفلة صغيرة لا تتجاوز السابعة برفقة أحد المشاركين في القداس ! طفلة صغيرة تشارك في هذه الطقوس المشينة .. طفلة تعبد الشيطان ؟! أي أب هذا الذي يسمح لنفسه باصطحاب أبنته الصغيرة في طقوس مثل هذه ؟! ولكن لا ليست الطفلة من أعضاء هذه الجماعة .. وليست ابنة أحد الأعضاء .. وليست قادمة بصحبة أحدهم .. رباه ليتها كانت .. ليتها كانت أي شيء.. ليتها كانت وظلت أي شيء .. ولكنها لم تكن ولم تظل أي شيء! كانت الطفلة واقفة بهدوء بجوار مخلوق متشح بالسواد من أعلاه حتى أسفله وله ملامح غامضة لا تستطيع مهما أوتيت من فطنة أن تجزم بأنها رجل أو امرأة .. ولكن تكوين الجسد وحده يعطي دليلاً على كونها امرأة ! كانت الطفلة واقفة وعلى وجهها ابتسامة طفولية هادئة وفي فمها مصاصة حمراء كبيرة وكانت تمسك بيد السيدة وتتعلق بها بشدة .. ولكن رغم ذلك فقد عرف البارون أن الفتاة ليست ابنة هذه السيدة .. ولم يعرف السبب الذي جعله متأكداً من ذلك .. إلا أن شعوراًَ طاغياً تملكه مؤكداً أنها ليست أبنتها .. وقد صدق شعوره .. فلم تكن هذه المرأة أماً لهذه المخلوقة الجميلة التي تشبه الملائكة .. مستحيل أن تكون هذه أماً لمخلوق أياً كان ! كان البارون يتطلع للطفلة بحنان ؛ فقد ذكرته ملامحها بابنته الحبيبة " ماريانا " ؛ عندما بدأت طقوس القداس الشيطاني فجأة ! فبغتة سمع البارون ؛ وهو في موضعه الذي لم يغادره منذ حضوره ؛ ضربتين قويتين على صاج معدني فأجفل ونظر نحو مركز القاعة .. ووجد كل الحاضرين يفعلون مثله ويركزون نظراتهم على المذبح .. وكانت الطفلة في هذه اللحظة ما تزال واقفة إلى جوار هذه السيدة غريبة الملامح تلوك مصاصتها بسعادة وقد شعرت بنظرات البارون الحنونة نحوها ؛ رغم القناع المحكم الذي كان يرتديه ؛ فنظرت نحوه وابتسمت له بشفتيها الملطختين بلون المصاصة الأحمر ابتسامة عذبة .. ولكن فجأة حدث ما لا يتصوره عقل ! حدث ذلك في لحظة ، بل في أقل من لحظة .. فقد فوجئ البارون بشخص من الواقفين حول العرش يتجه نحو الطفلة ويختطفها فجأة من مكانها بجوار السيدة ويحملها ويرقدها فوق المذبح ! ليس هذا فقط بل قام ثلاثة آخرون وساعدوا هذا الشخص على التغلب على مقاومة الطفلة العنيدة وقيدوا ساقيها ويديها بالحبال ثم وضعوا غطاءً قماشيا أسود على وجهها .. وانطلقت صرخات الطفلة المسكينة المستغيثة وأخذت تستنجد بالسيدة التي كانت برفقتها وتصرخ بفزع : " خالتي " صوفيا " .. خالتي " صوفيا " ! " ولكن خالتها " صوفيا " بدلاً من أن تحاول إنقاذها ما كان منها إلا توجهت نحو المذبح وأمسكت برقبة الطفلة البريئة بين يديها وأخذت تضغط عليها بوحشية ! وعند هذا الحد كان البارون قد فقد قوة احتماله فهرع من مكانه نحو المذبح صارخاً محتجاً محاولاً تخليص الفتاة البريئة .. ولكن الباقين منعوه بالقوة وكادوا يفتكوا به لولا " لوجو " الذي تدخل لإنقاذه وحمله على الابتعاد عن المذبح بالقوة ! وهكذا بدءوا في تعذيب الفتاة الصغيرة !! في البداية جردوها من ثيابها تماماً .. ثم تقدم أحدهم حاملاً مدية صغيرة ووقف بجوار المذبح الذي ترقد عليه الطفلة لحظة ثم صرخ بجنون : " من أجل سيدنا الشيطان ! " وفجأة أغمد مديته في فخذ الطفلة فانهمرت دماءها وتعالت صرخاتها المستغيثة ! وصرخ البارون " منليك " وهو واقف مكانه ولكن الآخرين منعوه من فعل أي شيء وأحاطوا به إحاطة تامة ! وأستمر التعذيب الوحشي لأكثر من ساعة .. فبعد طعنة المدية في فخذها طعنوها عدة طعنات أخري في أنحاء متفرقة من جسدها الغض اللين .. ومع كل طعنة كانت الدماء تتدفق وصرخات الطفلة تعلو مستغيثة متوسلة باكية بحرقة .. ولكن هيهات أن تؤثر دموع البراءة في قلوب حيوانية متوحشة لا تعرف الرحمة ! وهكذا بعد أن امتلأ جسدها بالجراح النازفة .. أخذوا يكوون جسدها بالنار دون ذرة واحدة .. ذرة واحدة من الرحمة .. وكان البارون في موضعه يكاد يجن بينما ظهرت ملامح الجذل الوحشي على ملامح الخالة " صوفيا " ! وبعد عذاب لا يتصوره عقل قام أحدهم وشق صدر الطفلة ؛ وهي بعد حية تتنفس ؛ وأخرج القلب الصغير الغض الدافئ  وقضم منه قضمة بوحشية لا مثيل لها .. وبعد دقيقة وجد البارون " منليك " تابعه " لوجو " يتقدم نحوه وفي يده ؛ لعنة الله عليه ؛ قطعة من قلب الطفلة يقدمها إليه مطالباً إياه بأكلها ! وغمت نفس البارون وأصابه رعب وتقزز لم يعرفه من قبل في حياته .. ثم أختلس نظرة طويلة إلى المذبح المغطي تماماً بدماء الطفلة ، وجسد الطفلة الممزق المعذب المسكين ما زال راقداً عليه وقد أغلقت عيناها البريئتين وكان من سوء حظها أن آخر ما تقع عليه عيناها هو هذه الوحوش المفترسة القذرة .. ألا لعنة الله عليهم وعليه وعلى " لوجو " وعلى الوريث الذي أورده موارد التهلكة ! ومن تلك الليلة .. وبعزيمة لا تعرف الضعف قرر البارون ألا يعود لوكر الشياطين هذا .. مهما حدث ومهما كلفه الأمر .. ولكن " منليك " لم يعرف أنه سيدفع ثمناً أكبر كثيراً من كل تصوراته .. وانه ليس ثمناً واحداً بل أثمان متعددة .. لقد دخل جماعتهم وعرف سرهم وليس من السهل أن يتركوه يمضى هكذا ببساطة ! ************ ومضت بضع ليال كئيبة مظلمة على البارون .. كان خلالها يعاني الأمرين مرة من إلحاح " لوجو " الدائم عليه بالعودة لحضور اجتماعات وحفلات جماعته الشيطانية .. ومرة من الكوابيس المتعددة التي بدأت تصيب زوجته وتقلق نومها وتفزعها .. وكان هذا كل يوم وكل ليلة ! وتطور الأمر حتى بدأ البارون يفضل أن ينام في غرفة منفصلة ليرحم نفسه من نوبات الفزع والصراخ التي تصيب زوجته كل ليلة وبلا انقطاع ! وعندئذ بدأت تغييرات غامضة وغريبة تحدث للبارونة رافقها ؛ في نفس الوقت ؛ امتناع " لوجو " التام عن دعوة سيده الحارة لحضور قداسات الجماعة وحفلاتها السوداء ! وبعد مرور شهر وفي ليلة قر باردة شديدة البرودة وممطرة شاهد البارون منظراً أفزعه وروعه لدرجة أنه نسي كل ما شاهده ومحي من ذاكرته وكأنه لم يكن ! ففي هذه الليلة كان " منليك " يتهيأ لدخول فراشه الخاص في حجرته المستقلة عندما داهمه فجأة حنين مفاجئ لزوجته " جوليا " ؛ التي كان يحبها رغم كل شيء ؛ وأحس بأنه يرغب في أن يكون معها في تلك اللحظة ! وفعلاً ودون تردد أرتدي البارون روباً فاخراً فوق ثياب نومه وغادر حجرته متوجهاً نحو جناح زوجته ولم ينس في طريقه أن يطمئن على بناته خاصة " ماريانا " الحبيبة التي كانت نائمة في فراشها كملائكة الميلاد ! وذهب البارون إلى غرفة زوجته وفتح الباب برفق رغبة منه في مفاجأتها بحضوره الذي سيسعدها كثيراً بلا شك .. ولكن عندما أطل البارون برأسه داخل الحجرة شاهد منظراً غريباً .. منظراً أفزعه وصدمه وروعه لدرجة أنه ظل عشر دقائق كاملة في مكانه لا يفهم ما الذي يجري بالضبط ! كانت البارونة " جوليا " راقدة في فراشها الوثير مرتدية ثياب نومها الحريرية اللامعة والفراش من تحتها ومن حولها في حالة فوضي عارمة وكانت هي نفسها مغمضة العينيين وتتنفس بطريقة غريبة ، أنفاس قصيرة سريعة متلاحقة .. وفوق ساقيها يرقد هذا المخلوق ! مخلوق غريب ملتف بالظلام ولا حدود ولا ملامح واضحة له .. واستمر " منليك " يحدق في المشهد الغريب الذي يجري أمامه دون أن يدرك ما يحدث بالضبط .. وكل ما ظل يذكره بعد ذلك أنه أستيقظ صباحاً ليجد نفسه نائماً بجوار زوجته .. وكانت هي تلتصق به وتمسح خده وتمسد على رأسه بحب وحنان .. والسعادة تقفز من عينيها ! ************ وبعد أشهر قليلة قام الطبيب بفحص البارونة وأعلن بسعادة أنها حامل .. للمرة الثانية عشرة ! واجتاحت موجة من البشر والسعادة البارون وكل الأسرة وكل من يعملون عنده وطغي إحساس غريب على الجميع يؤكد لهم أن الغلام المنشود آتٍ عما قريب .. وأنه قد آن الأوان أخيراً .. أخيراً .. أخيراً . لكي يحصل البارون على الوريث المرتجي ! ونفس هذا الإحساس لازم الزوجة " جوليا " نفسها وجعلها تطفو في السماء في موجة هائلة من السعادة .. واستمر هذا حتى بدأت نوبات الألم المخيفة وتبعها  تسرب هذا السائل الأسود اللزج كريه الرائحة من الرحم بشكل مستمر ! عندئذ بدأت البارونة تضيق بالأمر وتشعر بالضيق والغضب الشديد كلما باغتتها نوبات الآلام المبرحة .. وكان سبب ضيقها وإحساسها بالغضب أنها وجدت نفسها مضطرة إلى تحمل متاعب الحمل والولادة مرة بعد مرة بعد مرة ؛ إلى ما لا نهاية ؛ حتى تحقق للبارون حلمه وتأتي له بالولد المنشود .. وذلك دون أي التفات لصحتها أو لمتاعبها ! وبدأت العلاقة بين الزوجين تتوتر وبدأت " جوليا " تنظر لزوجها على أنه زوج أناني لا يعرف إلا مصلحته وأحلامه .. أما هو فقد ضاق فعلاً بها وبالبنات اللائي أنجبتهن له مفرخة البنات وتمني لو أنه فعل فعلة أخيه وتزوج واحدة من سفلة الشعب .. لعلها كانت تكون أكثر حذقاً ومهارة من ابنة عم البابا !! ومرت الشهور طويلة كئيبة مليئة بالألم والعذاب والقلق والفزع .. حتى حان يوم الولادة الملعونة .. ويومها فقط تذكر البارون المشهد الغريب الذي رآه في غرفة زوجته ذات ليلة .. وفهم معناه وأصابه رعب وغضب وحشي لم يعرفهما من قبل ! لقد عرف الآن فقط ما الذي كان يجري بالضبط .. لقد ذهب إلى الشيطان ليهبه الولد ففعل .. ولكنه وضع تغييراً بسيطاً على الخطة .. فبدلاً من أن يمنحه ابن " منليك " منحه أبنه هو .. أبن الشيطان ! أو بالأحرى ابنة الشيطان .. التي من المفترض أنها ابنة البارون " منليك " .. أبنته الثالثة عشرة ! ************ ومرت أيام قليلة كانت شديدة الوطأة على أسرة البارون " منليك " .. وعلى أبنته المفضلة " ماريانا " التي تحولت لما يشبه هيكلاً من العظام الجافة .. أو شبح بشر ! وكان الألم يعتصر قلب البارون كلما رأى الحالة التي وصلت إليها حبيبته وابنته العزيزة .. هل هذا الوجه الشاحب المخيف وهذا الجسد الضامر الذابل وهذه البشرة الميتة الداكنة هي لماريانا ؟! مستحيل .. مستحيل أن يصدق أن ابنته ستؤخذ منه هكذا ببساطة .. مستحيل أن يسمح بحدوث هذا ! وفكر البارون طويلاً حتى توصل إلى الطريقة التي من الممكن عن طريقها  إنقاذ ابنته من لعنة أفعاله القبيحة  .. كانت طريقة مريعة وتحوي أخطاراً هائلة بالنسبة له .. ولكنها كانت للأسف الطريقة الوحيدة ! وأعلن البارون لأسرته أنه ذاهب إلى فرنسا ؛ التي لم يفكر في الذهاب إليها طوال عشرة أعوام ؛ لأمر في غاية الأهمية .. ودهشت " ماريانا " لهذا وقالت له بعينيين غائمتين مليئتين بالدموع والألم : " هل تتركني في هذه الحالة .. أبقي معي يا أبي .. إنني أحتاج إليك " فأجابها البارون بصوت يخنقه الحزن والألم رغم أنه يحاول التظاهر بالشجاعة والهدوء : " لابد أن أذهب يا صغيرتي .. ذاك أمر في غاية الأهمية ! " وذهب البارون وهو واثق ومتأكد .. أنه لن يعود ثانية أبداً !! ************ باريس بعد عشرة أعوام من الغياب ! باريس التي تركها مدينة زاهية راقصة منيرة معتزة بنفسها متباهية بجمالها الملكي ؛ حتى وإن كان زائفاً مصطنعاً ؛ وعاد إليها وقد أضحت مدينة الموت والوحشية والظلام والمقصلة .. لم تتخلص بعد من لعنة " روبسبير " وكل جزاري الثورة الذين وضعوا مبدأ ( الحرية والإخاء والمساواة ) خصيصاً ليخالفوه ويعملوا كل ما هو ضد هذه المبادئ البراقة التي وضعوها تحت تأثير ( النبيذ ) و( الروم ) الرخيص .. وعندما أفاقوا ندموا عليها واعتبروها كأن لم تكن ! قصور النبلاء نُهبت وأصبحت مساكن للشحاذين والمتسولين والحيوانات .. والأراضي الشاسعة التي كان يملكها هو وأسرته قد صُودرت فيما صُودر ونهب من الأملاك والأموال .. وآه لو أحس أحد من جواسيس الثوار أن النبيل الهارب " فرانسوا منليك " قد عاد إلى باريس .. ستكون نهايته دون أدنى شك ! ولكن "منليك " لم يكن غبياً فلم يأتي إلى فرنسا تحت اسم مستعار اعتباطا ولم يؤمن نفسه بمجموعة من المرافقين الأمريكيين عبثاً لأنه كان مهتم بإتمام مهمته التي جاء من أجلها لإنقاذ ما تبقي من ابنته الغالية " ماريانا " .. فهو ببساطة لم يأتي للعبث مع رجال الثورة المجانين أو لإضاعة وقته معهم ! وكان كل ما يهم البارون المتخفي تحت أسم " ألبرت مونكان " أن يعرف الموضع الذي تقع به  مقابر أسرته القديمة الآن لأن جزء كبير من المدينة قد خُرب عمداً وتغيرت طبوغرافية المدينة إلى حد صار من المتعذر معه معرفة المواضع القديمة العزيزة .. ولكن البارون لم يعدم مرشداً وتمكن من معرفة الموضع الذي توجد به مقابر أسرة " منليك " العريقة القديمة التي أشاع رجال الثورة كذباً وبكل فخر أنهم قضوا على ثلاثة أرباع أفرادها وقضموا رؤوسهم بالمقصلة الحبيبة وما زالوا في انتظار العثور على الربع الباقي من العائلة لينفذوا فيهم حكم الشعب .. رغم أن الشعب نفسه كان يعلم علم اليقين أن هذا ليس إلا هراءً وتخريف ! ووصل البارون إلى المنطقة الخربة التي تقع بها مقابر أسرته .. ولم يكن البارون يريد المقابر الرسمية نفسها .. بل كل ما كان يعنيه هو الموضع الخرب الذي يعلمه تماماً .. والذي دفن به ضحاياه السبعة منذ أعوام تبدو له الآن بعيدة كل البعد .. هل هي لعنة من الله أم لعنة من الشيطان ؟! هل لعنه الله لأنه قتل ستة من الأبرياء دون ذنب ولمجرد أنهم أطلعوا على جزء من سره الرهيب ورأوا الشيطان الذي ولدته زوجته .. أم لعنه الشيطان لأنه قتل تابعه المخلص " لوجو " .. الذي أكتشف البارون فيما بعد أنه كان أحد مختاري هذه الجماعة .. أي أنه يعتبر من كهنة الشيطان .. كهنة ( أسموديوس ) اللعين .. ولكن لا فالله لا يأخذ البريء بذنب المجرم ولو كان الله يعاقبه على جرمه لعاقبه هو نفسه وليس " ماريانا " ابنته البريئة التي لم تجني على أحد .. إذن فمعركته ليست مع القدر أو الزمن الغادر أو المرض الخبيث .. بل مع الشيطان الذي أرتضي لنفسه أن يعاهده يوماً ما ثم خان عهده معه لأنه لم يحتمل تبعات هذا العهد الملعون .. معركة البارون كانت مع الشيطان ومع شخص آخر لن يصدق البارون أبداً من هو ! ************ عندما وصل البارون إلى المنطقة المنعزلة لاحظ أنها هُجرت بالكامل على امتداد خمسة وعشرون ميلاً .. صحيح أن منطقة ( نوفارا ) هذه كانت مهجورة من الأساس ولكن بقربها كانت تقع قري بسيطة عديدة كلها مهجورة الآن والبوم ينعق فوق بيوتها وأسطحها الخربة الخاوية ! دهش البارون لذلك الأمر فالغريب أن هذه القرى كانت ما تزال عامرة بالناس في الوقت الذي كان النبلاء الملكيون يستنزفون الفلاحين والبسطاء بالضرائب البالغة الارتفاع تماماً كما تستنزفهم الكنيسة الموقرة بالعشور والصدقات التي هم في أشد الحاجة إليها .. ولكن الغريب أنه الآن وبعد زوال سلطان النبلاء ؛ وإلى حد ما الكنيسة أيضاً ؛ هُجرت القرى ! أمر غريب غريب !!.. ولكن البارون سمع إشاعات كثيرة في قلب باريس نفسها عن ظهور متعدد لكائن شيطاني مخيف سبب ذعراً هائلاً لسكان المنطقة وأرغمهم على الفرار من بيوتهم وتركها .. لقد هربوا من المنطقة كالدجاج المذعور .. وطبعاً لم يكن البارون بحاجة إلى معرفة من أين أتي هذا المخلوق الشيطاني المخيف .. إنها أبنته .. أبنته الثالثة عشرة ! ************ وحده مخترقاً ظلمات الليل وبرد التلال وأطباق الضباب  كان البارون " منليك " يخترق منطقة ( نوفارا ) المظلمة الموحشة .. تماماً كما أخترقها منذ سنوات طويلة هو وتابعه اللعين " لوجو " ليخفي سر عمره وجريمته الكبرى .. ولكن الفارق أنه ذهب المرة السابقة بصحبة رجل حي وستة موتي وعاد بمفرده .. ولكنه هذه المرة يذهب بمفرده تماماً وان كان واثقاً أنه لن يعود ! هنا تماماً ..نعم المنطقة الملعونة التي يعرفها البارون جيداً والتي أخفي فيها جثث ضحاياه المساكين .. الطبيب ومساعداته ووصيفات زوجته .. و" لوجو " اللعين الذي لم تبكي عليه السماء ولا الأرض ! وهناك كانت تقبع قبة إردوازية غريبة الشكل يخفيها الظلام والضباب .. هذه القبة لم تكن موجودة من قبل .. ولم يتساءل البارون طويلاً عن سر ذلك فقد أصبح كل شيء معتاد بالنسبة له .. وهل من رأى الشيطان ولامس يده من الممكن أن يدهشه شيء ؟! ولكن القبة لم تكن خالية بل كان هناك ظل باهت يعلوها .. ظل لمخلوق يجلس فوق القبة متسربلاً بالظلام ملتفاً بالضباب الكثيف ..وعندما وصل البارون إلى زاوية نظر مناسبة أدرك أن المخلوق القابع فوق القبة له أيضاً جناحان هائلان فردهما بغتة وحلق بهما عالياً  مثل النسر الجسور متوجهاً نحوه .. نحو البارون " منليك " ! أرتجف البارون ذعراً ولكنه حافظ على ثباته الخارجي .. كان يدرك جيداً أنه أمام اختيارين: إما أن يستسلم لمخاوفه وذعره ويلوذ بالفرار مضحياً بابنته الغالية " ماريانا ".. وإما أن يثبت ويتشجع وعندها ربما .. أقول ربما يفلح في إنقاذها ! ووصل المخلوق إلى حيث يقف البارون .. وحلق فوق رأسه بالضبط .. ثم هبط أمامه ! ************ في هذه اللحظة كانت " ماريانا " المعذبة المسكينة ترقد فوق فراشها في غرفتها المظلمة بمفردها .. فقد ذهبت كل واحدة من شقيقاتها إلى حيث تشاء غير مباليات بها .. بل ربما كن سعيدات لأنها ترقد مريضة مرض الموت لعلها موتها يريحهن من الغيرة القاتلة التي يشعرن بها نحوها ويساعدهن على الوصول لمآربهن ! كانت " ماريانا " راقدة في الظلام تعاني سعالاً متواصلاً حاداً .. أخذت تسعل وتسعل وتسعل حتى كادت أضلاعها أن تتحطم .. وعندئذ رفعت نفسها بصعوبة عن الفراش ومدت يدها لتصل إلى المنضدة الصغيرة المحملة بالأدوية جوار فراشها .. كانت هناك عشرات وعشرات من زجاجات وعلب الأدوية هناك .. ومدت الفتاة البائسة يدها إلى أقصي ما تستطيع حتى وصلت إلى علبة من الدواء ذات لون أصفر فاقع وسط كومة الزجاجات والأدوية .. وفتحتها بصعوبة وهي تنهج وتلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة وتناولت منها قرصين وهمت ببلعهما بدون ماء .. ولكن فجأة وكأنه سحر اشتعلت أحدي الشموع المطفأة الموضوعة على حامل المرآة بمفردها .. وتراقص ضوء الشمعة والقي ضوءاً خافتاً على المرآة .. ضوءاً ضئيلاً خافتاً ولكنه يكفي لكي تري " ماريانا " من موضعها على الفراش وجهها وما آل إليه حالها .. وألقت " ماريانا " نظرة واحدة على وجهها فصدمت وروعت .. ألهذا أمر أبوها برفع المرآة من حجرتها ومنع أي أحد من إعطائها واحدة .. من أحضر هذه المرآة إذن ومتى ؟! على أنه مهما كان الذي جاء بالمرآة ووضعها هنا بعد رحيل البارون إلى فرنسا فقد قصد أن يجعلها تري وجهها .. وقد رأته ! تأملت " ماريانا " وجهها البشع المشوه لحظة واحدة .. ثم بهدوء مدت يدها إلى العلبة الصفراء مرة ثانية .. وفي هذه المرة أفرغت كل ما في العلبة ببطء فوق كفها .. وبدون ماء أيضاً ابتلعت الحبات الصفراء واحدة وراء واحدة ! ************ لم يخرج البارون " منليك " ثانية من منطقة ( نوفارا ) الموحشة ولم يسمع أحد عنه أي شيء بعدها .. وقلق رفاقه الأمريكيون لطول غيابه وبدءوا في البحث عنه أياماً وأسابيع وشهوراً طويلة دون جدوى .. ووجدوا أنفسهم مضطرين آخر الأمر إلى اللجوء إلى السلطات الفرنسية والاعتراف أمامها بحقيقة الرجل علها تساعدهم في البحث عنه .. وبالطبع لم يبدي الفرنسيون أي اهتمام بمصير الإقطاعي الفرنسي السابق .. بل لقد أسعدهم اختفاؤه الغامض واعتبروه دليلاً على حماية الله لثورتهم المباركة وانتقامه من كل أعوان الملك السابق .. واولهم " فرانسوا منليك " الذي أتعبهم في تعقبه والبحث عنه طيلة هذه السنوات ! وأعتبر قادة الثورة هذا الأمر مكسباً سياسياً  ونصراً  لهم وأعلنوا بدون خجل أنهم تمكنوا من القبض على البارون الهارب " منليك " وأعدموه بالمقصلة ! وصدق الناس القصة الزائفة .. ووضُع أسم " منليك " في ملف من قضمت المقصلة رؤوسهم وختم الملف بالختم الجديد وأودع في أرشيف الأمة الفرنسية بكل فخر وحبور !! ولم يكن أحد يدري أن " منليك " قد ضحي بحياته وواجه أصعب تجربة يمكن أن يخوضها بشر ورأي من الرعب ما يكفي شعباً كاملاً .. من أجل أن ينقذ أبنته .. ولكن للأسف فقد ضحي بعمره من أجل لا شيء .. ففي نفس اللحظة التي كان البارون " منليك " يلفظ أنفاسه وسط الضباب والظلام في هذا القفر الموحش مردداً من قلبه : " من أجل " ماريانا " .. من أجل " ماريانا " ! " كانت " ماريانا " نفسها ترقد فوق وسادتها  مفتوحة العينيين على اتساعهما وقد تحولت لشيء أشبه بكومة من الجلد والعظام .. ولم يكن حولها سوي شقيقتيها " شارلين " و " إليزابيث " تتبادلان نظرات السعادة والبهجة .. لقد تعبتا كل هذا التعب ومشتا كل هذا المشوار الطويل من أجل هذه اللحظة .. وقد وصلتا أخيراً إلى ما تمنتا .. لذلك كان الحبور يملأ أعطافهما .. والشيطان ؛ الذي عرفتاه طويلاً وتقربتا إليه بكل وسيلة ؛ يطل من عيونهما ! .
« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق