]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في زمن الرذيلة السياسية ...........ينسحب الشعب مجبرا ومخيرا

بواسطة: محمد سلامنة  |  بتاريخ: 2012-02-25 ، الوقت: 15:25:10
  • تقييم المقالة:

بقلم: محمد سلامنة

 

إن عزوف الشعب عن ممارسة حقوقه السياسية ونأيه بعيدا عن الحياة السياسية ظاهرة طبيعية جدا، في بلد تعلن فيه الأحزاب  عن فتح أبواب الترشح في  قوائمها من خلال الجرائد، ولا يستحى أصحابها من نشر إعلانات  شبيهة بإعلانات الدعاية للشامبو،  ولا يكلفون أنفسهم عناء النزول إلى الشارع وإعلان مبادئهم ومشاريعهم والبحث عن من تتماشى أفكارهم مع أفكار وتوجهات أحزابهم.

 

إن الساحة السياسية في الجزائر اليوم خالية من كل مظاهر التنافس الشريف من خلال البرامج والمشاريع، ويقتصر التباري فيها على شعارات تجاوزها الزمن ترفعها شخصيات من العصر الحجري تشكل ظواهر صوتية تدعو للضحك والاستهزاء، لأن خطاباتها  لا تخلو من المداهنة والمغازلة والدعوة للتطبيع مع نظام لا يملك أي شرعية شعبية، كما انه بمجرد إمعان النظر في واقعنا السياسي اليوم ومقارنته بما كان عليه أيام الاستعمار أو حتى مقارنته مع عهد الحزب الواحد فإننا نلاحظ اختلافا واضحا ومخجلا لجيلنا الذي يتبجح عن جهل بأنه يعيش عصر الديمقراطية، فبرغم القمع العلني والتصدي الواضح لأي معارضة إبان المرحلة الاستعمارية وما بعدها لم يمنع هذا الأمر بعض الرجال والنساء الشرفاء ممن يملكون الشجاعة التي جعلتهم يرفعون أصواتهم بجرأة لإعلان مواقفهم وتحدى قوى الاستبداد واضعين بذلك سدود منيعة أمام أي محاولة لشراء صمتهم والمساومة على مبادئهم.

 

إننا اليوم نعيش إفلاس سياسي حقيقي  قد لا يعيه  البعض ممن يتغنون بالرداءة  ويتشدقون  بوجود مسار ديمقراطي واضح في جزائر اليوم  لأنهم مجرد  زبائن سياسيين لنظام شمولي ومصلحة البلاد والعباد لا تعنيهم، ولتوفير الجدل نقول لهؤلاء: ما جدوى وجود مسار ديمقراطي؟ مع غياب وتغيب مقصود للسياسيين الشرفاء الذين يملكون فلسفة واضحة ومبادئ جلية وايدولوجيا أصيلة يدافعون عنها ويستمدون منها برامجهم ويتخذون على أساسها قراراتهم، في الوقت الذي نلاحظ تزايد أعداد الوصوليين، الانتهازيين و المنافقين  الذين يصنعون إعلاميا ويعلى من شأنهم ويدفع بهم نحو تلويث الحياة السياسية، فتراهم  يتقلبون بين المواقع المختلفة دون حياء ولا حشمة ويتحدثون عن العفة في الوقت الذي تلتصق بهم وصمة الرذيلة حيث ما حلوا، ولا يثير فيهم هذا حتى ندرا يسيرا من الكرامة ولا تستيقظ ضمائرهم الميتة أصلا لأنهم تعودوا الذل والمهانة في سبيل تحقيق أحلامهم المثيرة للشفقة.

 

لم تعد المصطلحات المحترمة مناسبة لتوصيف الحالة وصار لزاما تسمية الأمور بمسمياتها ،ففي زمن الرذيلة السياسية والنضال من اجل ترسيخ العهر السياسي لن نندهش حين نرى زعماء أحزاب من كارثون ينقلبون على أجنابهم وينتقلون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار للحصول على كوطات ومصالح شخصية أو حزبية ضيقة معتقدين ـــــ والأحرى بنا القول ــــــ مقتنعين بأنهم يمارسون السياسة ويتفننون في أدائها، ولن نستغرب وجود أيادي مرفوعة على مدار دورتي البرلمان وبطون نهمة تتلقى الفتات كأجر لرفع الأيدي وتمرير قرارات الأسياد من جماعات الاستيراد وأصحاب الأحذية الخشنة، ولن نتعجب حين نرى أبناء الحركي يرافعون لصالح الثورة والشهداء  لان الوقاحة  أصبحت مودة سياسية جزائرية خالصة.

 

رغم هذه الحالة المزرية للحياة السياسية لا يزال النظام السياسي مستمر في محاصرة الأحزاب ودفعها لتكون ورقة بين يديه من خلال اختراقها وتقسيمها والتدخل في شؤونها والتحرش بها إداريا وقضائيا ومنعها من التغلغل وسط الجماهير بجرها إلى صراعات هامشية  مما أخلى الساحة السياسية من كل العناصر القادرة على خلق وعي متسق بضرورة التغير.

كما لم يدخر هذا النظام أي جهد لتحويل الأحزاب السياسية  إلى مجرد أبواق ناهقة ناعقة لأنه جعل من معيار الولاء أساسا للتعامل والتفريق بينها واستفادتها إمكانيات الدولة ما خلق طبقة سياسية ضعيفة مرتبطة بالنظام اقتصاديا وماليا قابلة للتلاعب والتوجيه والاستخدام وقت الحاجة، ما ساهم بقسط وافر في هدم للمؤسسات الدستورية وتحيدها عن دورها الرئيسي وإلحاقها بطابور الولاء.

 

إن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق النظام نظرا للدور القدر الذي يقوم به لكن هذا لا يعفي الأحزاب التي ارتضت أن تكون أجهزة ملحقة بالنظام القائم من مسؤولياتها أمام الشعب والتاريخ، لأنها ارتضت لنفسها الذل والهوان وجعلت من أولوياتها إرضاء النظام حتى لو كان ذلك على حساب استقلاليتها وكرامة مناضليها، فهذه الأحزاب في غالبيتها المطلقة حادت عن الأهداف التي أنشأت لأجلها وقبلت لعب دور الأرنب تارة ودور المداح تارة أخرى حتى أصبحت تشكل واجهة كاريكاتورية لنظام  شمولي متعفن،  ولأنها تعيش على الإعانات المالية للنظام  لا يمكن أن نتفا جئ  حين نراها تنفذ التعليمات وترهن استقلالية قراراتها لدى النظام، حتى أصبحت لا تملك أي سلطة على مناضليها ومنتخبيها، ما جعل الحياة السياسية تدخل في غيبوبة مطولة وفتح الباب على مصراعيه  أمام العمل السياسي الموسمي الذي يدعم الانتهازية والوصولية.

 

أما وسائل الإعلام فدورها في تخريب الساحة السياسية لا يقل سوء عن دور الأحزاب، لأنها فضلت الانسياق وراء مصالحها المالية بعيدا عن تنوير الرأي العام، فنراها تركز على قضايا هامشية وفي أحيان كثيرة تافهة وتدعو للرثاء، وتساهم بشكل مفضوح ومخزي في صنع الانتهازيين وتصويرهم على أنهم سياسيين في الوقت الذي تتجاهل فيه القضايا المصيرية نتيجة التخوف من نشر الحقائق التي تضر بمصالح النظام أعوانه.

 

ولأن الممارسات السياسية في الجزائر لا تضبطها أي أخلاق  لا يمكن أن نلقى ولو بقسط بسيط من المسؤولية على أي فئة من فئات الشعب المختلفة التي ارتضت الشرف وعزة النفس على الانخراط في عملية تذهب الحياء لصالح الوقاحة وتلغي الفضيلة لحساب الرذيلة، عملية يخططها الراشي ويفوز بها المرتشي ولا يعود للنزهاء منها سوى خزي المشاركة الممزوج بطعم الخيبة والحسرة والندم. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق