]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ممرات تصلح لدبيب النمل 12 / قصة طويلة ... أحمد الخالد

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-02-24 ، الوقت: 19:20:15
  • تقييم المقالة:

 

 

 

( 8 )

 

 

 

غار المعتصم

 

-----------------

 

-        ما هذه الصفعات يا ميسر ؟

 

-        ................

 

               لماذا لا يجنبني دخانك هذا نظرات الآخرين ؟ هل تشعر مثلي بالضعف بعد القوة وتحاول مثلي ارتقاء سلم النهوض لاستعادة ما كان ؟  .. أرخ العنان لجواد عينك الصاهل بالرغبة في دخول قلاعي , خبئني عن عينيك يا معتصم ، لماذا لا تختبئ عني ؟

 

أ لابد أن يكون هناك جيش مهزوم يود أن تنشق الأرض لتبتلعه ؟ أو أنت المقتحم يا معتصم ؟ ما كل هذه الجيوش الفارة في رئتي ؟ ... عربات لأحمس متراجعة أمام هكسوس ، ونجمة لداود محفورة حول النيل مقابر .. صلاة في الأزهر يؤمها بونابرت ناسكا متزهدا وهودج مزهو لعرش مصر تعلوه فريدة وأبل يشدها صلاح للأعالي ، رأس سبارتكوس تحيطه آلاف الجماجم تعلوه جبال تفور دقيق ناعم تحت قدميه الناعستين المتناومتين المشدودتين لسفح هوة عميقة  ، عجوز ذو لحية بيضاء يجلس أسفلها ينظره يسقط دون رنة سقوط فيخط في كتاب أبيض بمداد أسود ويضحك ضحكات هستيرية يرتج جسدي على إثرها ...

 

هذا معتصم وهذه حجرته وذلك مصباحها اللعين متدل فوق رأسي يأكله الذباب بسواده يهتز إذ يرتطم بانتفاضي .

-        لماذا لم ترد يا ميسر ؟ وما هذه الصفعات و الخربشات في رقبتك ؟

 

-        هل قرأت قصيدة أمل دنقل " كلمات سبارتكوس الأخيرة "

 

-        وماذا تقول ؟

 

-        هدأ من حدة مقاصل عينيك ...

 

-        تقول القصيدة هدأ من حدة مقاصل عينيك ...

 

-        سأصمت ...

 

-        هل تبدأ القصيدة بقول أمل دنقل سأصمت ... ومن هي أمل دنقل ؟

 

-        هو وليس هي  ..

 

وأنا من سيصمت ، سأبتلع صرختي من نصل سكين نجيب محفوظ على يد أبناء فريدة في جوفي ؛ وأرد انتفاضتي الساقطة على قدم ماما أحلام وكلماتها المتعثرة توقظني من النوم على الفجيعة : 

 

- نال الأوغاد رقبة نجيب محفوظ ..

 

سأرفض ضمة صدرها لعظامي العجفاء : - لا تبك ، لن تقصف الأقلام ....

 

رجال فريدة يرقصون الآن بالسيوف القنابل في حلقات تحطيب ؛ هم جيوش نمل جرارة تأكل فتات سكر فوق قفصي الصدري يحكمهم زفيري مختنق ، ويزج بهم في السجون شهيقهم اليائس ليس إلا  ؛ ويلفظهم دمي ....

 

– لا تبك . ..... ...

 

– وهم يا أم من يزحفون  بجيوش جرارة يحاصرون الروح عند الحلق بلحاهم الشعثاء . ... أحاول طرد جيوش النمل الساكنة في صدري متجشئا فيتناثرون خارج فمي كتلا مهلهلة الثياب ، زائغة الأعين ، يتمتمون تمتمة كطنين الذباب ، يتراصون شابكي الأنامل ، متداخلين كأقزام ، كحبات رمل ينفلتون من بين أناملي المصفاة ؛ أضمها عليهم فينفلتون ، أفردها متابعة خطواتهم يتساقطون فيتمازجون والهواء سراب !

 

- لا تبك ، لم أكن أعرف يا ميسر أنك بكل هذا الضعف .... من إذا سيبدل سكاكينهم في أيديهم مصابيح ؟!

 

– ولمن يا أم تنتسب الطيور إن قطعوا الشجر ؟! 

 

- ولمن يا ميسر تعيش الأغصان إن بكت الطيور وهاجرت ؟!

 

الآن أهاجر يا أم ... أبتعد ... تطل عليّ القاهرة من نافذة قطار - مرشوقة بسواعد رجال فريدة - تشبه زنزانتهم الزائر لها للمرة بعد الألف ، صحراء تشدني في مد وجزر ، أقترب ؛ تشدني القضبان للقاع فأحترق فيها ممزوجا ونفايات صرفها الصحي ، وأبتعد ؛ فأدور في دوامة ألتف حول نفسي ، يصفعني الحصى ويردني شهيقي الذي لا يبغي إلا أنفاسها الزفير ، تجاهد القاهرة من نافذة القطار أياد ممدودة تشدها للقاع وفريدة تلقم نار صدورهم حطبا فيشتعلون ؛ يعدون جنازير ومدى وقنابل تحتك بثديها توسع من ثقبها البني فيناديني ويشدني إليه عطش جارف ، يصدني عنه باب القطار الموصد بجسد فريدة المطاطي فأسقط على القضبان يؤازرني شهيقي بزفيرها ويرفعني ممددا على سطح القطار موثوقا بحبال رجال فريدة ؛ يصفعني نجم وحيد في السماء فأفيق ويدور معي في سرعة القطار الشلالية ، أنين مكتوم بصرخات تأوه وانتفاضات رجولة ترج القطار فينتفض النجم باكيا ؛ يبول فتحترق جلابيب ولحى وتتطاير متساقطة على الطريق الصحراوي سحبا من دخان وغبار ، تتناثر شلالات بوله على وجهي مخلوطا بصفير هياج فريدة أ أتفلها مرة مالحة فتتساقط جيوش نمل تلتف حول وجهي ؛ تتداخل بثقوبي ؛ تقيم فرحا وتدق طبولا ومزامير فتتشقق ثقوبي متناثرة فوق عظام وجهي فتتقافز فريدة فرحة نشوانة وتشير إليهم فيتنافسون كل يقضم شظية من شظايا وجهي ويبصق - كما يفعلون بي في زنزانتهم دوما – يقضم مني من أراد ويبصق من أراد ؛ يقضم ويبصق ويقضم ويبصق ، وفريدة ترقص طربا ؛ تلقم النار المشتعلة في القطار وقودها فتزداد انتفاضات الرجولة ترج القطار عليها وأنين القاهرة يفصم ما تبقى مني فأنز ماء رجولتي دما في البنطال .

 

-        ارفع يديك عن وجهك يا ميسر ... لماذا لا تتكلم ؟ هل تحتاج لدورة المياه ؟

 

-         ..... ................

 

يقولون أن شيماء ... تلميذة مدرسة المقريزي بللت تنورتها ببول الرعب قبل أن يشرب دمها دخان الأرض المتطاير أسفل الرصيف بجوار سور المدرسة لما فوجئت برجال فريدة يدقون الأرض بحوافرهم فتنفجر مثانات الأرصفة قنابل .. ألا ترى ؟

 

لست بحاجة للمبولة ... اعتصر الجورب نفسه في الحذاء تاركا قدمي غائصة في البول المتجمع داخله امتدادا للخط المرتعش الرمادي بطول البنطال !!

 

 

 

-        هل نمت يا معتصم ؛ وغافلني صلاح متسربا ببوله ؟ 

 

انظر ... لقد عاد صلاح .. عاد صلاح يا معتصم ... لا لقد مات صلاح ... لن أعود إلى صلاح فريدة ... أنا ميسر .. انظر يا معتصم غافلني صلاح فبللت ملابسي ... مات صلاح يا معتصم .. لقد مات صلاح ، أنا ميسر .

 

-        ألست ميسر أنا يا معتصم ؟!

 

-        نعم .. نعم .. لم يحدث شيء يا ميسر ... اهدأ واخفض صوتك ، لماذا تبكي ، كف عن البكاء .... هناك من بالباب .

 

-        ألست أنا ميسر يا معتصم ؟

 

-        هل أنت معي ؟ .... هناك من بالباب ... ألا تسمع ؟! ... أفق معي يا ميسر .. إنه أخاك مؤمن ... أفق لي وكف عن البكاء ، لقد كنت على موعد معه ... انظر لي .... إنه مؤمن ... مؤمن بالباب يا ميسر

 

-        مؤمن ؟!

 

-        لا شيء هناك يا ميسر ... اهدأ فقط وأفق معي .

 

-        لا تدعه يدخل أرجوك !

 

-        ربي ... ماذا أفعل ؟

 

-        ............

 

سيفضحني نملي السابح في صدري وجيوشي المهزومة المقلوبة على ظهورها في لعبة الشطرنج المرسومة أمامي أعلى الباب ، ما بال هذا المصباح اللعين يتدلى فوق رأسي كمشنقة ! ....

 

في هذه اللحظات بالذات مؤمن بالباب ، كيف أخبئ عن عينيه البول الغائصة فيه قدمي ؟! ... ليتك يا معتصم تصد عنا هذه الفجيعة ! ... لا شيء يخبئني في هذه الحجرة الكئيبة بالعنكبوت والذباب ، المكتظة بأرفف الكتب التافهة والمومياوات العاريات على الجدران تحدق فيّ بكل ثقوبها ... ثقب الباب هذا سيشي بالفجيعة ويفتح أفقا لفضيحة رئتي للخروج تسبها عين مؤمن ... هو يعرف أنفاسي ولن يتوه عن رائحتي ...

 

يا كل بحار العالم انتفضي الآن أود أن أغرق لعلي أذيب سكر رئتي جامع هذه الجبال من النمل القارض فيهما ، لو أنني سليمان الملك الآن لأمرتكم بالنزول عن صدري قبل أن يدق مؤمن الباب ليثبت أنني إن أنا إلا خزانة كتب حمراء ، لا روح فيها ولا دين كما يقول دائما ... سيدق الباب وينتهي كل شيء ؛ كل شيء يا ميسر ؛ سيدخل مؤمن كل قلاعك وأنت مجرد من ملابسك ؛ سيسجنك في لحيته وأنت مطأطأ الرأس بخزي !

 

مؤمن !! ... الذي صرخت في وجهه :

 

- ما أنت إلا درويش مجنون بخلاصك وحدك تلسعك النار فتطمع في الجنة بحف الشارب وإطلاق اللحية وكفى . ...

 

كم هي كلماتك فارغة من المعنى الآن أمام عين مؤمن ... لم تستطع أن تواجه معتصم وتثقبك عيون نساءه العاريات على الجدران ، فكيف ستواجه مؤمن ؟! مؤمن !!

 

وفي هذه اللحظة بالذات ! 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق