]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ممرات تصلح لدبيب النمل 19 / قصة طويلة ... أحمد الخالد

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-02-24 ، الوقت: 19:05:31
  • تقييم المقالة:

 

لماذا يا ميسر ؟ لماذا ؟ ماذا سأقول لزهور ؟ ماذا سيقول عني ( وأشارت إلى زوجها في صورة الإطار المنزوعة من الجرائد ) لقد مات عند زهور وتركتها تنضج على نارك الهادئة أطهرها منه بك ... ماذا سأقول لها الآن ؟ ماذا ستقول لها في الصباح ؟ -        اهدئي يا مهجة أرجوك .. -        لست ميسر .. قل أنك لست ميسر انطق يا ميسر ، ماذا حدث لتتغير إلى العكس تماما في بضع ساعات ؟ أنت ميسر الذي أسر فيه برغباتي فيسترني في عينيه : إنني احترم فيك عشقك لابنتك ... تتدفأ عيني باحتضانك لزهور ، فاستحي منك ...  وحين اسأل نفسي ولماذا كل هذا الاهتمام بابنتك ؟ فيجيبني اهتمامك بالكل فميسر لا يختار وجهة لاهتمامه يعالج أمير ويحل مشكلة شيماء ويبحث عن طبيب مناسب لماري ويزور والد هند مبتور الساق ويعاود جدة منى العجوز ... هذا هو ميسر . لابد أنه يحبني فهل يعامل كلهن مثلما يعاملني : يحتضنهن حين يبكين منهارات ويفك عقدة ألسنتهن ، يحتويهن في عينيه حين يحدثنه فيغلق كل مسامه لهن إلا على السماع متفكرا دافقا دفئه وبروده في آن معا ، مجمعا خيوطهن في أصابعه ، تنطق ملامحه معهن بحسن الاستماع والغوص داخل النفوس والفهم بالإيماءة والإشارة البعيدة واختياره للكلمات التي تساعد على النطق بسلاسة دون خوف أو خجل مثلما يفعل معي ؟ واستحي منك لما أدخل عليك فأجدك تشاكس زهور في لعبتها – كما الطفل – دون أن تستحي من وجودي ، تلاعبها برقة حتى أخشى عليك من شراستها .. فأقول أنك نور وأكتفي عليك بزهور ... وانسحب خجلة مني ! -        اهدئي يا مهجة أرجوك ستوقظين زهور !! -        اليوم أنت على حقيقتك ... وغد حقير تافه

يا لهول ما فعلت ، صعقت حين عصفت ملاءة السرير بريح أصابعها وألقت بشباك عينيها في بحر جسدها فتثنت ثقوب الشبكة على قميص نومها الممزق حتى ثلثه الأخير يئن تحته دثارها ساقطا حتى ركبتيها المتخبطتين تداري بهما ثدييها النافرين العاريين وانفجرت مرة أخرى في البكاء بنحيب متشنج ملؤه لوم وفجيعة  فاقتربت وأنا أنتفض أحيط كفيها المنتفضين بأصابعي المرتعشة ؛ وأخبئ عينيي عن عينيها فيهما ، خجلا ، حتى انفجرت باكيا ، فتداخلنا وهي تلعنني بعينيها الحمراوتين ، تاركة انتفاضة جسدها لزلزلة جسدي يغوصان في السرير المتأرجح المندهش المبتل بعرقنا الغزير ودموعنا التي لم تتوقف .......

لحظة واحدة وانتفضت متشنجة ترفسني بركبتيها رفسا هستيريا فأتدحرج في الميادين أفتش عني

وتعضني في كتفي فأغيب في بناية حكومية أبعثر فيها نفسي ولا أجدها قبل انتهاء  العمل الرسمي ،

تأكلني بأسنانها فأراني معلما يضغط أجراس الأبواب كشحاذ يكفل قوته اليومي ، تصفعني بيمناها صفعات متوالية فأراني أبحث عن جحر يؤويني في البنايات الشاهقات التي لم تخلق لأمثالنا ،

ترفسني فأفر من زلزال أكتوبر كلما مررت تحت حائط حائض بإسمنت مبشور على  جوانبه ،

تشدني من شعري فأجدني غائص حتى الثمالة أصم أذني عن متابعة الأغاني الهابطة بنا إلى درك السقوط وأغلق عيني عن مساحيق الجرائد اليومية مزينة وجوه الحكومات تباعا ،

ترفسني فأنزلق في هوة مدرسة خاصة لما تتجنبني العموميات لذنب أمني لم أقترفه ،

تعضني ، تأكلني جسدا ممددا على رصيف ميدان التحرير أنتظر طلعة مواصلات عمومية صباحا تمنحني تخفيضا يليق بأمثالي حتى ألحق بموعد المدرسة ، تصفعني فأدور في دوامة ما بين غياب في بحث عن رزق إلى غياب في مبولة في ميدان التحرير إلى شهقة رقبة نجيب محفوظ تحت سكين لم يفتح كتابا قط ، يضيف حسابا جديدا للخوف ويبلل أوراق معدة للنشر في حقيبتي الجلدية بعرق التأفف ؛

تعضني ، مستسلما تأكل في كتفي ، خجلا ترفس أمعائي ، ترفس ، ترفس ، ترفس وتأكل ، تأكل ، تأكل حتى ينز مني الدم يغرق شفتيها ... وأنا صامت إلا من دموعي متكورا ملتفا في صدرها ، يداي  ساقطتان في جنبي حتى همدت ، فارتمت فوقي تلعن دمي  الممزوج بدموعها وتلعقه في آن ... 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق