]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حطمت كأسي

بواسطة: هشام زكاغ  |  بتاريخ: 2012-02-24 ، الوقت: 16:50:21
  • تقييم المقالة:
حطمت كأسي قصة قصيرة هشام أحمد زكاغ

 

    سحب تتماوج بعبث، تلون الليل البهيم وتتلون بلونه.

    وهنت بعد أن استبدت.. مضت حافية، طردها.. عاندته فغلبها... غابت الشمس. بنت ملك.

    يرمي جلبابه عملاقا متعملقا.. وأنا الأعرج من تحته قزم مقزم ينخر السوس عظمي.

    أحببته هذا الليل، فهزأ بي.. عظمته فحقرني.. لم أخالف له موعدا. أذبحني، أتقرب له بدمي زلفى، فيرميني بين رقيقه.

    (لست سكرانا، أدرك ما أقول. إنني سأكف، أعدكم بذلك. ما عاد في العمر بقية. مهرجان بؤس أنا، فرجة من لافرجة له. أعرف تلك الأشياء وأتنصل منها باستمرار).

    (أعرف أن الصراصير قطعان ترعى فوق ظهوركم.. أعرف أن يديك تورمت وعينيك ذابت.. أعرف أنك أرض يباب استوطنتها جروح مالحة. أعرف أنك تختنقين، تحترقين... أعرف، أعرف، أعرف أني يقايا رجل، بل يقايا خرقة).

    نبيلة تقدم لها عريس.. طفلتي صارت عروسا.. ولكن ماذا سيقولون.. سيعيرها زوجها ذات يوم.. بنت بغل سكير.

    بالأمس كادت تطحنني شاحنة وتجعل مني كفتة. وأول أمس تقيأت أمعائي، عربدت فأوسعوني ضربا ولطما ولكما. الكثرة تغلب الشجاعة، والأسد تهزمه الجماعة. ولكنني لست الأسد ولا الشجاع! أخرجوني من الحانة بعد أن خلعوا سروالي. ماذا بعد أن يُخلع للرجل سرواله؟ أنذال أولاد ...

    هرولت.. بكيت وصرخت.. وحينما وجدتها أمامي حسبت أنني رجل فانهلت عليها تمزيقا.

______________________

    تدغدغني رغبة فاحشة وأخطط لليلة ماجنة.. تقيم مناحة كعادتها، ولا أعبأ بها كعادتي... تتوسل، تستعطف، ثم تصرخ ناقمة: يا جيفة الرجال، يا نتن، فلتمت، فلتذهب للجحيم.. كلب، كلب.

 

    تخيلتني متدليا من حبل.. هل كنت سأبدو كبطل؟!

______________________

   

1

       حينما التقيته البارحة، تفجرت بداخلي رغبة مبحوحة في البكاء. كنت أتفرس في ملامحه، فأخالها ملامحي قبل عشرين سنة.. شاب يافع، يجلس وحيدا وكأسه ممتلئة، يعيش غربة اللحظة وقلقها.

    أحببته، أردت أن أجالسه، أن أحدثه، أن أحذره، إلا أن لساني ظل متخسبا. كان يحدق بي وأنا أتحاشاه حتى إذا التقت نظراتنا استنجدت بكأسي، أملؤها أو أفرغها. ثم وقف واتجه صوبي. صوبي أنا ؟! ابتلعت ريقي ودهشتي ومسحت عرقي..

    أتسمح لي بالجلوس سيدي؟ تفضل يا بني. أنا أعتذر، فليس التطفل من سماتي، غير أن رغبتي في الكلام أكبر من حيائي. لاعليك، الليل في أوله ولا بأس من رفيق فيه. ماذا تشرب؟ لا،لا. لا أريد شيئا.

    أرحت وارتحت، قلت في خاطري.

    هل تعرف يا سيدي أنني لم أشرب يوما ولن أشرب. ولا أعرف كيف دخلت إلى هذا المكان الزفر.. أنا آسف، لم أقصد. ... الصاحب قال لي : إن لكل منا حكايته إما أن يجرها وإما أن تجره.  إما أن يعيشها وإما أن تعيشه، وأنا قررت أن أصنع حكايتي بنفسي. جميل! أنت تسخر مني، تحسبني من هواة صنع الكلمات الرنانة. من قال ذلك؟ ... ...   تشيعني والدتي بنظراتها ضائعة، والدتي امرأة قهرتها الأيام وأحنت ظهرها. والدتي تقول لي دائما: "إن ما تصنعه إسرائيل في العرب ليس غريبا، بل متوقعا ، بيد أن مايصنعه فينا أبناء جلدتنا فهو الأكثر قبحا وألما وفجيعة". إنه الظلم يا سيدي.

     بعد رحيله انتابتني رغبة لحوح في البكاء وأدتها بمزيد من الشراب أسلو فيها وجودي، خرجت ثملا لا ألوي على شيء، فكادت تضرسني تلك الشاحنة.

2     حدثني بأشياء كثيرة، نسيت معظمها.. ثم غادرني، قال إنه سيكافح ولن يسقط... سيفعل أي شيء، المهم أنه سيفعل.  

        الآن، أحاول أن أتذكرمقاطع من كلمات ذلك الشاب الذي نسيت حتى أن أسأله عن اسمه. أجمع حروفه المشتتة من ذاكرتي الذي أضناها الخمروأركب جملا. كان يلوك كلماته متعبة متقطعة: " السر فينا.. متى ماتت بداخلنا الرغبة انهزمنا وانسلخلنا عن ذاتنا وانسحبنا عنها. الهزيمة، أية هزيمة لا تنشأ إلا من الداخل.. ستقول عنها كلمات إنشاء، منمقة وجميلة، ولكن أنى لها أن تقف أمام قسوة و بؤس الحياة. أقول لك، لا نملك إلا أن نتشبت بها حتى لانضيع.. فأن يضيع المرء نفسه بنفسه أفظع من أي خسران يمكن أن يتلقاه. إنه الخسران المبين".                               

 

______________________

 

    حليمة تقابلني بوجهها الصبوح. أقول لها: " إنني سأكف، أعدكم بذلك".

    تتنهد:" هل تستطيع؟ ".

    " سأحاول.. لاأملك إلا أن أحاول، ولا تملكين إلا الانتظار، فالغذ وحده كفيل بأن يجيبنا".

      28/8/2001 _ نشرت بمجلة الجامعة في 2003                                                   
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • آيــــة بسباس | 2012-04-13
    أحببتها كثيراً ...... هذا هو التعبير المناسب 
    فكلماتك لامست جدران روحي .... لذا لم أكتفي بــ أعجتني فحسب 
    كنت محتاجة لمن يقول لي أن الأمل أبداااااااا لا يموت و علينا دوماً المحاولة لتحسين الواقع و الإجتهاد لتحقيق الأحلام حتى و إن كنا على حافة الهاوية فلا يموت الإنسان إلا عندما يتوقف قلبه عن النبض و إلى ذلك الحين عليه الإستمرار في المحاولة و عدم الرضوخ ............. و أناااااا سأظل أحاول !!!
    دامت لك القدرة على إنتشال قُرائـــك من مستنقعات اليأس أستاذي .
  • محمود بدر | 2012-02-25
    كلمات رائعة اعجبتني طريقة السرد واعجبني التخطب والجنون في كلماتك دام قلمك مبدعاً ياسيدي
  • طيف امرأه | 2012-02-24

    أحداث ..قد تبدو بداية غير مترابطة

    ولكننا نجد ان لها طريقة سلسه ..وشفيفة في اظهار الحوار النفسي والحوار مع الاخر

    بحق تمتهت بها بورك بكم

    وسلم قلمكم ننتظر ما سيردنا من قصص

    شكرا بحجم الكون

    طيف بتقدير

     

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق