]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

ما دوافع إقامة درع صاروخية في أوروبا ؟

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-02-20 ، الوقت: 21:43:39
  • تقييم المقالة:

 

 

يبدو أن الرؤية بدأت تتضح أكثر فأكثر من هدف إقامة الدرع الصاروخية في أوروبا، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعي أنها شبكة دفاعية واعتراضية لصد أي هجمات محتملة من إيران أو كوريا الشمالية، إلا أن المواقع الجغرافية التي وضعت فيها هذه القواعد تكشف أن المشاريع الأمريكية تستهدف روسيا بالدرجة الأولى، وقد تبين لدى الجانب الروسي أن الحجج الأمريكية لا تكشف عن نواياها الحقيقية. ويمكن القول أن الغرض منها يأتي في سياق محاصرة روسيا من كل جانب ونصب شبكات دفاعية قادرة على اعتراض أي صاروخ  ينطلق  من أراضيها تحسبا لأي حرب قادمة تزعم أنها ستكون بين روسيا والصين وإيران من جهة وأمريكا وأوروبا وأتباعهما من العرب من جهة ثانية. وقد تتحول في لحظة قصيرة إلى منصات صواريخ هجومية قريبة من الحدود الروسية.

تحت مناورات كثيرة تقول أمريكا أنها تدرس اقتراحا روسيا بشأن الدرع الصاروخية واقتسام استخدام أنظمة الرادار في أذربيجان لحماية القارة الأوروبية بأكملها، وذلك خلال اجتماع عقد على هامش قمة الثماني في ألمانيا. وبموجب هذا الاقتراح تكون روسيا قد تخلت عن تهديداتها بتوجيه صواريخها صوب أوروبا، كما أن أذربيجان رحبت بالفكرة ولقيتاستحسانا كبيرا من قبل الإدارة الأمريكية نظرا للمرونة الروسية عند تعاطيها بإيجابية لفكرة نشر هذا النظام الدفاعي الصاروخي الجديد فوق أراض كانت تحسب على النفوذ الروسي مثل التشيك وبولندا.غير أن روسيا حسبتها مكيدة تحاك ضد أمنها القومي، لذلك أطلقت تحذيرات قوية لبلدان أوروبية أرادت احتضان هذه القواعد على أراضيها، ولوحت بعودة أجواء الحرب الباردة إذا ما استمرت الولايات المتحدة قدما في نشر المنظومة الصاروخية، وقد وصلت هذه التهديدات إلى حد التلويح باستخدام الأسلحة النووية ضد بولندا عندما وقعت اتفاقية الدرع الصاروخية مع أمريكا، وفي الأيام القليلة الماضية نصبت روسيا صواريخ أس 300 في أبخازيا احترازا من خطر الدرع الصاروخية الغربية. 

لعل الحجج الأمريكية لا تبدو لحد ما واضحة ومقنعة، ولكن من يتأمل في تصريحات قادة التيارات المتحالفة مع الحزب الجمهوري ينتهي إلى قناعة أن منظري البيت الأبيض اقتنعوا بصحة التنبؤات التوراتية والإنجيلية، وأنهم بدأوا من الآن قبل الغد يعدون لحرب كونية ستكون روسيا أحد أقطابها. في تصريح للرئيس الروسي (بوتن) قال:" إذا تنامت القدرات النووية الأمريكية في أوروبا فستكون لنا أهداف جديدة فيها... وأن الأمر متروك للجيش الروسي لتحديد هذه الأهداف". وبالمناسبة ذكر أنه ليس لدى إيران ولا كوريا الشمالية الأسلحة المزعومة التي تقول واشنطن أنها تريد إسقاطها. لقد قيل أنها تستهدف شيئا هو غير موجود أصلا، ثم تساءل قائلا: ألا يبدو ذلك مضحكا؟. وأضاف: أن الدرع الصاروخية الأمريكي سيخل بالتوازن الاستراتيجي العالمي. وفيما يبدو أن تهديدات الرئيس الروسي جدية تأخذ في الحسبان النوايا السيئة الأمريكية ومخططاتها الهادفة إلى محاصرة روسيا وتقزيم دورها عالميا، وأنها تعتبر نقطة تحول كبرى في الإستراتيجية الروسية نحو أوروبا، وأنه بات من المؤكد أنها ستشرع في توجيه صواريخ لبعض القواعد الأوروبية التي تعتبر مصدر تهديد لأمن بلادها، وقد لوحظ في المدة الأخيرة أنها اختبرت صواريخ عابرة للقارات قالت أنها أنتجت لأجل ضمان أمنها القومي وتدخل في إطار التوازن الإستراتيجي في العالم.

 

إن التهديدات المتبادلة بين القوتين العالميتين والإصرار الأمريكي على نشر هذه القواعد على حدود روسيا نواياها أصبحت مكشوفة ترمي إلى التحضير لحرب كثيرا ما ترددت على ألسنة المحافظين الجدد وتيار الصهيوـمسيحية، وإذا كانت أمريكا تدعي أنها غير موجهة حاليا لروسيا، فأنه من السهولة فنيا كما يقول الخبراء إعادة توجيهها في ظرف دقائق معدودات إلى الأراضي الروسية، فالسر يمكن في قرب هذه القواعد من الحدود الروسية حتى تتمكن من اعتراض الصواريخ في بداية إقلاعها، وليس قبل أن تدخل مجال القارة الأوروبية أو الوصول إلى الأراضي الأمريكية، لذا رأت روسيا أن الحجج الأمريكية لنشر صواريخ قرب الحدود الروسية غير مقنعة. وبناء على هذه المخاوف هددت بالانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة غير التقليدية، كما جمدت التزاماتها بموجب معاهدة عقدت سنة 1990م. وترى روسيا أن هذه المواقع المتوقع احتواء كل واحدة منها  على عشرة صواريخ اعتراضية قد تتوسع لإيستعاب أكثر من هذا العدد بحلول 2012.

وكان بموجب هذه الاتفاقية التخلص من 60 ألفا من أنظمة الأسلحة التقليدية، كما تنص المعاهدة على أنه يتعين على الدولتين تخفيض ترسانتهما من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية إلى عدد 1600 وسيلة حمل للأسلحة مثل الصواريخ والقاذفات طويلة المدى، وإلى 6000 شحنة نووية. كما تنص المعاهدة أن لا تتجاوز حصة كل بلد عدد الشحنات النووية على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات 4900 وحدة، وعدد الشحنات النووية للصواريخ الباليستية المنقولة 1100 وحدة، وأما الثقيلة منها يجب أن لا تتجاوز 1540 وحدة. وتقول روسيا أنها قلصت أسلحتها بموجب هذه الاتفاقية إلى العدد المطلوب، وكانت تأمل من الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة تعزيز إجراءات الثقة بتجميد خططها الرامية إلى احتواء روسيا. إلا أن الهواجس بدأت تنتابها حيال هذه القضية وقد تسربت معلومات إلى الجانب الروسي مفادها أن أمريكا تتفاوض مع ليتوانيا لنفس الغرض.

وبهدف الاتفاق على صيغة تفاهم جرت عدة مفاوضات بين الروس والأمريكان حول مضمون هذه القواعد، غير أن الجانب الروسي لم يطمئن للنوايا الأمريكية، ولم يتوصل الطرفان إلى اتفاق يرضي الجانبين نظرا لخلافات جوهرية سادت المحادثات خاصة في ما يتعلق بالجانب التقني، ولما سئل الرئيس بوتين عن فحوى المفاوضات قال: " الشيطان يكمن في التفاصيل" وهي إشارة واضحة كون الأمريكان يخفون أهداف شيطانية غير معلنة من نصب هذه القواعد. وقال في إعلان آخر: شركاؤنا لا يتصرفون بشكل سليم.

وبالرغم من اعتراض روسيا توسيع عضوية الحلف الأطلسي لتشمل دول أخرى، خاصة تلك المتاخمة للحدود الروسية، إلا أن الأمريكان أصروا على ضم بعض هذه الدول بهدف جعل أراضيها قواعد دفاعية متقدمة لمواجهة الصواريخ الباليستية الروسية رغم تحفظات ألمانيا وفرنسا التي اعتبرتا ذلك استفزازا لروسيا قد يزيد من توتر العلاقات مع الغرب الذي سئم الحرب الدائرة في أفغانستان بين قوات الحلف الأطلسي وقوات طالبان وخسائر المعارك البشرية والمادية المتزايدة يوما بعد يوم، إضافة إلى أن الرئيس الأمريكي السابق كرس فكرة العمل المتفرد في القضايا العالمية وتصرف بمفرده دون أن يأخذ برأي الحلفاء الأوروبيين في القضايا العالمية.  

ووفقا للشكوك الروسية تجاه النوايا الأمريكية الغامضة ساد بعض التراجع في العلاقة بين الدولتين، وكان قد بلغ في السنوات الأخيرة أدنى مستوياتها ودفع ذلك روسيا إلى أن تسير عكس ما كان مقررا بالنسبة لمعاهدات الصداقة والتعاون بينهما، ووسط مخاوف كثيرة بعودة العالم مجددا إلى زمن الحرب بالباردة أوقفت روسيا تعاونها مع الحلف الأطلسي، وكانت الحرب في جورجيا أنذاك من المؤشرات القوية الدالة على أن العالم أصبح على أعتاب حرب باردة جديدة.

بعد توقيع الولايات المتحدة وبولندا اتفاقا يقضي باحتضان هذه الأخيرة لقاعدة الدرع الصاروخي بدأت تشعر روسيا بالخطر المزعج، ورأت في هذه الخطوة أنها ستعطي لأمريكا موطئ قدم لإحضار أسلحتها بالقرب من الحدود الجنوبية والغربية لروسيا. لذلك قال أحد القادة الروس: إذا أعطيت خطة العمل الخاصة بالعضوية لجورجيا وأوكرانيا فسيكون ذلك بصاقا على وجه روسيا. فعندئذ حاولت واشنطن إقناع القادة الروس بحسن نواياها لانتزاع موافقتهم على مشروع الدرع الصاروخي، بدعوتهم للمشاركة في الفعاليات العسكرية الدفاعية الإستراتيجية المضادة للصواريخ للتظاهر كون نواياها حسنة وليس لديها ما تخفيه عن الروس حتى يشعر الجانب الروسي بالطمأنينة حيال المنظومة الدفاعية باعتبارها ليست موجهة إليها، وإنما هي موجهة ضد الأعداء المفترضين ـ إيران وكوريا الشمالية ـ . روسيا لم تهضم هذا المنطق وأصرت على أن الأمر موجه إليها بالدرجة الأولى، ومن ثم رفضت الدعوة الأمريكية للمشاركة في الفعاليات الدفاعية، وحذرت من أن إنشاء قواعد بالقرب من حدودها قد يعد استفزازا متعمدا يؤدي مجددا إلى جولة أخرى من سباق التسلح والبحث عن نقاط نفوذ أخرى في العالم يؤدي في حال العودة إلى الوضع الأول إلى عدم الاستقرار في العالم. وفي ذات السياق عبر سيريجي إيفانوف نائب رئيس الوزراء الروسي بشكل واضح عن موقف روسيا من الدرع الصاروخي لصحيفة فايننشال تايمز قائلا: لا توجد قاعدة تعاون محتمل بشأن الدرع الصاروخي. متسائلا في الوقت نفسه إذا كانت الخطة حقيقة موجهة لصد الصواريخ الباليستية الإيرانية والكورية وهي صواريخ يبدو أنها غير موجودة، إذن فضد من توجه؟ إنها توجه ضدنا فحسب بالأساس.         

على ذكر الموقف الروسي الحذر من المخططات الأمريكية الرامية إلى محاصرة روسيا من كل الجهات اقترحت موسكو في مؤتمر الدول الصناعية الكبرى الذي انعقد في ألمانيا أنه على واشنطن إقامة قاعدة رادار مشتركة من حيث إدارة المنظومة تشمل أعضاء الحلف الأطلسي وروسيا بالإضافة إلى دول محايدة مثل النمسا والسويد وفنلندا في أذربيجان المجاورة لإيران كبديل لتلك القواعد في أوروبا، غير أن هذا الاقتراح نزل كصاعقة على إدارة البيت الأبيض باعتباره كان تفريغا للحجج الأمريكية، ورأت روسيا أنه لو كان ما تدعيه إدارة البيت الأبيض صحيحا بأن إيران هي المستهدفة من إقامة الدرع الصاروخي فلم لا تقام على أراضي الدول المجاورة لها كأذربيجان وتركيا الموجودة بها قاعدة أمريكية كبيرة ؟

الاقتراح الروسي أحدث شرخا في الصف الأوروبي، وخلق قناعة متزايدة بجدية الموقف الروسي، وكان بالنسبة لبعضهم أقرب إلى المنطق، على خلفية ذلك بادر المسئولون الفرنسيون والإيطاليون للتعبير عن دعمهم للموقف الروسي، بينما عبر رئيس وزراء إقليم بافاريا الألماني شتوبير أنه لا يثق في النوايا الأمريكية، وأعلن تأييده للاقتراحات الروسية قائلا: إن برلين تدعم بشكل أكبر السيناريو الروسي الذي يضمن أمن أوروبا وحمايتها من الأخطار المحتملة. كما قوبلت فكرة هذا النظام الجديد بنقد شديد من قبل بريطانيا الحليف الدائم لواشنطن.

وفي هذا الإطار قام الرئيس الروسي ميدفيديف بزيارة إلى الصين سعيا منه لإقامة شراكة إستراتيجية بين البلدين وللتأكيد على وجود حليف قوي يدعم مواقفها ويعزز تحديها للغرب، وقد هاجم الرئيسان بشدة منظومة الدرع الصاروخية وأعربا أن ذلك لا يساعد على توطيد التوازن الاستراتيجي فضلا عن أنه يزيد من انتشار أسلحة الدمار الشمال ويعيق عملية مراقبة التسلح في العالم.

جدية المخاوف الروسية فرضها نشر الدرع الصاروخية في أوروبا حيث دفعت الرئيس بوتين بتجميد التزام بلاده بالمعاهدة الأوروبية المتعلقة بالرقابة على التسلحن مما أدى هذا الإجراء إلى ردود أفعال متسمة بالقلق إزاء هذا القرار الذي ينذر بعودة الحرب الباردة. وعلى ضوء التشنج في العلاقات بين روسيا والأطلسي قال دبلوماسيون في الحلف الأطلسي إن الخطط الأمريكية تشوبها الكثير من التساؤلات ويجب مناقشة مضامينها بين أعضاء الحلف. 

تحسن الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك نوعين من الدفاعات الصاروخية: نظام الدفاع الصاروخي لمسرح العمليات، وهو نظام يشتمل على نشر صواريخ دفاعية مضادة للصواريخ الباليستية القصيرة المدى. ونظام الدفاع الصاروخي القومي، وهو نظام يعمل على نشر صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية لحماية مناطق بعيدة المدى. وأن المسوغات الأمريكية بشأن الشبكة الدفاعية الصاروخية لحلفائها ترتكز على مبررين:

ـ كونها شبكة دفاعية مصممة لاعتراض صواريخ فردية مفعولها محدود ولا تحدث أي تغييرات في التوازن الاستراتيجي للأمن العالمي، وقد تكون عاجزة على صد أي هجوم صاروخي كثيف.

ـ كون هذه الشبكة ستتوسع مستقبلا لتشمل جميع الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي مما يمكن إحداث شراكة دفاعية حقيقية.

لكن، المبررات الأمريكية في نظر الخبراء تبدو غير صحيحة، لأنه ببساطة لو كانت هذه الشبكة الدفاعية ليس بمقدورها اعتراض صواريخ صينية أو روسية أو إيرانية منهمرة وعدم تأدية قيمة دفاعية حقيقية، فلم هذا الإصرار الأمريكي على إقامتها واستفزاز روسيا إلى حد أنها هددت بولندا بقصفها بأسلحة نووية في حال إقامتها على أراضيها ؟ ولو لم يكن في علم الخبير الروسي أنها تتوفر على إمكانية تحويلها في لحظة الطوارئ إلى شبكة قادرة على صد الصواريخ الكثيفة أو إلى قواعد هجومية لما أطلقت روسيا تهديدات عنيفة ضد إقامة هذه القواعد، ولما خلقت هذا المناخ الشبيه بأجواء الحرب الباردة.

لقد تأكد لدى الجانب الروسي أن إقامة هذا النظام في أوروبا سيخل بالتوازن الاستراتيجي فعلا وتحديدا مع روسيا والصين بالشكل الذي يجعل هذين البلدين في حال استكماله وتطبيقه على أرض الواقع يوفر للولايات المتحدة الأمريكية وحدها تفوقا استراتيجيا كبيرا على الدولتين الشرقيتين ويجعلهما مكشوفتين استراتيجيا، ويصبح بإمكان الولايات المتحدة استخدام هذا النظام لإسقاط أي صاروخ باليستي ينطلق من الصين أو روسيا، وفي المقابل لا تستطيع أي من الدولتين إسقاط أي صاروخ باليستي أمريكي، ويكون بمقدورها امتلاك قدرة صد الصواريخ، وهذا التصور يفسر جدية المخاوف الروسية وأسباب معارضتها لهذا النظام المتطور. وإذا ما أصبح واقعا فإنه لا مناص من أنه قد يؤدي إلى إلغاء اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ الباليستية ( أي بي أم ) وهي اتفاقية وقعت بين الدولتين العظمتين سنة 1972 تحظر إقامة مثل هذه الشبكات الدفاعية والإبقاء على أجواء مفتوحة معرضة للهجوم المتبادل حتى لا تتجرأ أي دولة بالاعتداء على الأخرى، وفي الوقت نفسه تبقى السماء مفتوحة ووسيلة ردع لكل الدول حتى لا تقدم على استخدام الصواريخ الباليستية خشية أن يكون رد الطرف المعتدى عليه بالمثل، أما في ظل إقامة هذا النظام الجديد من قبل الولايات المتحدة فإن أجواء الصين وروسيا ستصبح مستباحة وستصير أراضيهما معرضتين لمرمى الصواريخ الأمريكية التي لا تجد صعوبة في الوصول إلى عمق الأراضي الروسية والصينية وتدمير أهدافها.

أبعاد المشروع لا يقتصر على حماية الأراضي الأمريكية فقط، وإنما يأتي في سياق إستراتيجية توفير غطاء مماثل لكل الحلفاء البعيدين جغرافيا في مراحل لاحقة، والذين يعتقد في الحسابات الأمريكية أنهم سيكونون عرضة لتهديدات الصواريخ الروسية أو الصينية في حال نشوب حرب مثل اليابان وكوريا الجنوبية وحتى دول تحتضن قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، كدول الخليج وإسرائيل. لذا فإن الصين هي الأخرى لن تكون مرتاحة إزاء ما تعتبره تهديدا استراتيجيا لأمنها القومي، وستعمل على إطلاق مشاريع دفاعية سريعة لمواجهة هذا الموقف بما يضمن تفوقها الإقليمي والدولي.

لقد تبين من خلال تصريحات القادة الأوروبيون أنهم باتوا يشعرون بقلق كبير حيال الدور الذي تفردت الولايات المتحدة القيام به في العالم، ولم تعر اهتماما لشراكة تجمعهما استراتيجيا بالنسبة للأمن العالمي. لكنها بالمقابل تعارض أي قرار أوروبي بشأن أمنها القومي عندما تقرر ذلك وحدها ودون استشارتها. ولذلك فإن الأوروبيين أطلقوا في مقابل الدرع الصاروخية الأمريكية مشاريع لأمن القارة من خلال تشكيل تكتل أورو ـ متوسطي منفصل عن التكتل الأوروبي الأمريكي، ويرى بعض المحللين أن اتخاذ أمريكا لقرارات حاسمة منفردة في شأن الأمن العالمي سيكون البداية لاندثار الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة وإقامة نظام خاص بالأوروبيين إذا تمادت في خططها الإنفرادية.

أما بالنسبة لدول الشرق الأوسط فبالرغم من حساسة الموضوع إلا أن الولايات المتحدة لا تعير اهتماما لرأي هذه الدول، ولا تريد حتى أن تفتح معها نقاشا في هذا الموضوع باعتبارها سوقا لمبيعات الأسلحة ومنطقة في حاجة إلى الحماية الأمريكية من الخطر الإيراني وهو منطق واقعي.

يبقى أن لا نهمل موقع إسرائيل من هذه الإستراتيجية، لأن لها  تقاطعات استراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، وتعتبرها موقع متقدم لأمنها القومي، وتضعها ضمن جدول أولويات سياستها وإستراتيجيتها، ولذلك فإن مستقبل العلاقة بينهما يتجه نحو أفاق جديدة غير مسبوقة، فبعد سقوط الصواريخ العراقية على إسرائيل في حرب الخليج الأولى زودت واشنطن إسرائيل بنظام دفاعي جديد ضد الصواريخ ـ باتريوت ـ إلا أن هذا النظام أثبت فشله في إسقاط الصواريخ العراقية، ولكن هذه التجربة الفاشلة دفعتها إلى تطوير برنامج أنظمة صواريخ أخرى لإقامة شبكة دفاعية لإسقاط الصواريخ الإيرانية والسورية المفترضة بعد زوال التهديدات العراقية، وقد شاركت الولايات المتحدة بخبرائها وفنييها في هذا البرنامج وأنفقت عليه ما يزيد عن 1.1 بليون دولار، وكانت النتيجة أنها نجحت في تطوير شبكة دفاعية صاروخية متطورة وأنظمة أخرى قيل أنها تفوق التكنولوجيا الأمريكية، ثم أعلنت أنها نشرت هذا النظام الدفاعي الجديد وباتت محمية من أي هجوم صاروخي إيراني أو سوري، غير أن الحرب التي وقعت بين حزب الله  وإسرائيل أثبتت فشلها وأن أجواءها كانت مستباحة أمام صواريخ حزب الله الصغيرة عندما وصلت إلى العمق الإسرائيلي. ولكن التسلح الإسرائيلي المتسارع يدفع إلى فتح فصل تسابق في مجالات التسليح بينها وبين إيران العازمة على أن تكون قوة إقليمية لها وزنها في منطقة الشرق الأوسط، على ضوء ذلك فإن هذا التطور الإيراني تعتبره الولايات الأمريكية تهديدا لحلفائها في المنطقة، ومن ثم فهي تحاول تسخين فكرة عداء خلقتها بين إيران ودول المنطقة لتسويق منظوماتها الدفاعية الصاروخية، وجعل المنطقة في وضع تشعر دائما بالخطر الإيراني،  غير أن هذه الأنظمة إذا ما نصبت في دول الشرق الأوسط فستصبح أهداف مشروعة من قبل القوى العظمى التي تعادي السياسة الأمريكية وخاصة إيران.

وخلاصة القول أن خبير الدفاع الصاروخي الأمريكي فيليب كويل أعلن أن الشبكة المضادة للصواريخ لم تثبت لحد الآن أنها قادرة على الدفاع عن أوربا ضد هجمات  صواريخ إيران طويلة المدى وهي غير فعالة. وتحسن الإشارة إلى أن الصواريخ الاعتراضية تحمل كبسولات تدمير ذكية ذات قدرة على المناورة للتصدي للرؤوس الحربية المهاجمة. وعند محاولة اعتراض الصاروخ المهاجم تنطلق الكبسولة  التدميرية من مقدمة الصاروخ الاعتراضي على مسافة عالية، غير أن الإصابة ليست مؤكدة نظرا لأن الرأس الحربية الحقيقية كما يقول الخبراء يمكن إخفاؤها في بالون ضمن دفعة من بالونات الصواريخ المضللة ذات الأغشية المعدنية للتشويش على الكبسولة التدميرية وعدم التمييز بينها لإصابة الهدف الحقيقي، مما يجعل اعتراض الرأس الحربية الحقيقية أمرا يكاد مستحيلا.  كما يمكن إخفاء الرأس الحربي بغلاف مبرد من النيتروجين السائل الذي يحوله إلى جسم غير مرئي من قبل الرادارات والمستشعرات تحت الحمراء، ويمكن لهذا الغلاف عكس الأشعة الرادارية. وقد يفشل في إصابة الصاروخ الهجومي على ارتفاع منخفض أو من أماكن قريبة أو قصير المدى أو تزويده بدفعات نفاثة لقدرته على المناورة والإفلات من كبسولة التدمير. 

  عبد الفتاح ب


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق