]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حول الإلحاد

بواسطة: محمد سالم شاقان  |  بتاريخ: 2012-02-18 ، الوقت: 23:14:52
  • تقييم المقالة:
حول الإلحاد

 

1-    القضية التي لا يمكن تكذيبها لا يمكن الشك فيها، والتكذيب يعني وجود برهان على كذب القضية بعنى إثبات أنها تعاني من التناقض في ذاتها أو مع الواقع. فهل هناك برهان على عدم وجود الله؟ الملاحظ عند من يكذب بوجود الله ظنون تحاول جاهدة وببراعة أحياناً أن تتسلح بالعقل. والذي أدى إلى الشك في وجود الله ليست القضية في ذاتها وإنما ما يتعلق بها، فالتناقض الذي يعانيه عالَم الإنسان والفساد والفوضى الذان اقترنا بتاريخه عموماً ، واقتران التدين بالخرافة والهوس والذي كان سببه أن المتدين لجأ  إلى الدين –غالباً تعطيلاً لعقله استجابة لكسله الفكري وتضميداً لجراحه وتسكيناً لآلامه واستغلالاً لغيره...فالتناقض الملازم لعالم الإنسان –عموماُ –والتناقض الذي يعانيه المتدين مع عقله وواقعه هو الذي أدى إلى الشك في وجود الله وليس لأن وجود الله مسألة تثير الشك،ولكن لأن العالَم والمتدين بما فيهما من تناقض هو الذي بعث الشك خصوصاً عند من يعشقون الوحدة:العلماء والفلاسفة والفنانين. والإنسان عموماً عندما تعرض عليه فكرة فإنه لا يتناولها بعقله فقط أو بإرادته فقط بل بالإثنين معاً، فقد يقرها عقله وتأباها إرادته فيشك فيها ،وقد تقرها إرادته ويأباها عقله فيشك فيها أيضاً.وموقف العقل من الفكرة يتوقف على اتساقها مع نفسها ومع الواقع وموقف الإرادة من الفكرة يتوقف على علاقة ميوله بها أو بما يتعلق بها .ومهما كانت الفكرة منطقية وواقعية فطالما أنها اقترنت لدى إنسان بخبرات مؤلمة أو منفرة فإنه سيرفض الإذعان لها وسيلازمه الشك فيها إلا إن حاول أن يكون موضوعياً تجاهها والموضوعية الكاملة مستحيلة والموضوعية الممكنة لا يميل لممارستها إلا القلة ولذلك يشيع الإلحاد والنفاق.   2-   والملحد يعتقد أنه لا يمكن التسليم بوجود الله مع وجود الفوضى الشاملة والتناقض الصارخ في عالم الإنسان فيشترط أن يكون العالم كاملاً كي يسلم بوجود الله فيفصل بين قضيتين متلازمتين وهما الله واليوم الآخر، ويحاول تفسير النظام والتوافق بحجج لا تستند إلى الواقع وإنما تتزين بالإتساق الصوري أي بصورة الفكر لا بمضمونه ومن المعلوم أن الإنسان أوجد كثيراً من الأنساق الفكرية تتسم بالإتساق والتناقض أحياناً مع بعضها البعض ولكن ذلك لم يكن دليلاً كافياً على صدقها فلا بد من اتساقها مع الواقع لابد من تصديق الواقع لها . فهندسة إقليدس مثلاً لم تعد صادقة لأن النظرية النسبية أثبتث بالتجربة أن هندسة ريمان –هندسة السطح المحدب- هي الأصح لأن الواقع يصدقها .وكذلك حجج الملحدين لا يصدقها الواقع وإنما هي مهارة في الإستدلال المنطقي ، نسق فكري قد يتسم بالإتساق في ذاته وقد يتناقض مع نسق فكري آخر أو أكثر ودع عنك خلوه من تصديق الواقع له.

 

3-   القول بالصدفة قد ينفي القصد أو الإرادة ولا ينفي الوجود فهي تتعلق بالماهية لا بالوجود .فقد يحدث الشيء صدفة ولكن لا يعني ذلك أنه حدث بنفسه!وإنما يعني عدم وجود القصد.فالصدفة قد تصف المُحدِث بالعبث أو الجهل ولكنها ليست دليلاً على عدم وجود المُحدِث.ولو سلمنا بوجود العالم صدفة فكيف نفسر استمرار وجوده بهذه الصورة المنتظمة منذ ملايين السنين.حاول البعض منذ عقود تفسير ذلك بقولهم أن الكون عبارة عن آلة عملاقة ولكن هذا التفسير الميكانيكي الذي يستند على مبدأ الحتمية الكونية لم يعد مسلماً به بعدما أثبتث النظرية النسبية ونظرية الكوانتم سقوط الحتمية وعلى الملحد أن يبحث عن تفسير آخر. 4-   وربما يقيد الملحد نفسه بتصور معين للألوهية يمنعه من الإقرار بها .وتعدد تصورات البشر لحقيقة الألوهية أدى بالملحد إلى الإصرار على القول بعدم وجودها ونسي الملحد أن الناس –وكما يقول برنارد شو-يستعملون عقولهم لتدعيم أهوائهم ، لذلك لا ينبغي أن نسمح لتصورهم لقضية ما أن يكون له دور في حكمنا عليها لأن ذلك يتنافى مع شرط العلم الأساسي وهو الموضوعية وعليه أن يراجع ما قاله فرانسيس بيكون عن أوهام القطيع وأوهام الكهف والمسرح والسوق فهذه التصورات تنتمي إلى إحداها على الأقل. 5-   والأشياء التي يدركها الحس لا يمكن تصور وجودها إلا بعد تصور ماهيتها أما الذات الإلهية لأنه لا يمكن إدراك ماهيتها-لأن استحالة إدراك ماهيتها هو من ماهيتها-فإنه يستحيل الوصول إلى قرار بشأن وجودها إن نحن بدأنا بافتراض تصور معين لها لأن هذا التصور لا حقيقة له.فعقل الإنسان يمكنه أن يصل إلى حكم حول قضية وجود الله إذا تخلى عن أي تصور له وإن لم يفعل فإنه سيصل إلى نتيجة خاطئة لأن مقدمتها باطلة. 6-   هل يعتقد الملحد بوجود حقيقة في هذا الكون؟وهل يعتقد بإمكان الوصول إليها أوالإقتراب منها؟ وماذا تعني الحرية عنده ؟ وماذا تعني الأخلاق والخير والجمال...؟كل هذه الأسئلة وغيرها مرتبطة بمسألة وجود الله.ولا يمكن أن يقتنع الملحد بوجود الله إن لم يكن مقتنعاً بوجود حقيقة في هذه الحياة. 7-   ومن الواضح أن المفكر يميل إلى الوحدة فهي توجه تفكيره،وطالما أن الفكر الديني في نظره لا يتصف بالإتساق في نفسه ومع الواقع –وهو كذلك-فإنه سيرفضه.وطالما أن الفكر الديني يعاني من شتى أنواع التناقضات مع العقل ومع الواقع فإن الملحد لن يمكنه التخلي عن إلحاده إلا إن تمكن من التخلص من رد الفعل وحاول جاهداً أن يتحرر من سيطرة المحيط على تفكيره. الموضوعية مرة أخرى شرط أساسي كي يتحرر العقل من سلطة الإرادة فيتمكن من الإقتناع بفكرة وجود الله التي لا يمكن تفسير النظام في الكون تفسيراً مقبولاً إلا بها والتي لا يمكن التعايش الإيجابي مع التناقض والفساد في عالم الإنسان إلا بها لأنه يلزم عنها وجود الآخرة.فالإيمان بالله وباليوم الآخر قضيتان مترابطتان الواحدة تؤدي إلى الأخرى.   8-   وإذا كان الملحد يرى أن الحرية هي أن يفعل ما يشاء حيث يشاء متى يشاء بغض النظر عن القيم-والتي ربما يراها من اختراع الإنسان ليبرر ضعفه أو قوته-فلا شك أنه سيرفض الإعتراف بوجود الآخرة لأنها فكرة تقيد من حريته كما يراها هو وبالتالي سيرفض ما يلزم عنها وهو وجود الآخرة. 9-   وربما يعتقد الملحد-لا سيما إن كان ينتمي إلى مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية القديمة التي دعمت مبدأ الحتمية لعقود خلت-أن القول بوجود الحرية خرافة فهو يعتبر الكون آلة ونحن من تروسها ولا حاجة عنده إلى القول بوجود الله واليوم الآخر.وعلى صاحبنا أن يراجع فلسفة العلم ليعلم أن هذه المفاهيم أصبحت من تاريخ العلم وليست من العلم.فالحرية موجودة ولسنا تروساَ في آلة. 10-     وقد يقع الإنسان في حيرة من أمره أمام مشهد من مشاهد الطبيعة الخلابة يهز كيانه ويهمس في وجدانه همساً مشفراً أن الله موجود ولكن واقع البشر من حوله ومنذ مولده يرسخ في نفسه مشاعر مناقضة معادية لهذه الفكرة يدفعه إلى الإلحاد دفعاً ثم يعاقبه عليه!فيظل في حيرته تلك عقله وإرادته في صراع.إنسان ممزق؟العلاقة مع الناس أدت به إلى الشك في البديهيات لأن حياة الناس تعج بالتناقض.والكذب يحيط به كل جانب ومنذ نعومة أظفاره.كيف يمكنه أن يصدق بوجود الله وهو لا وجود له في نظره إلا على ألسنة كاذبة وفي عقول تعشق الخرافة يحاصرها الكسل وتتعامل مع الدين كمخدر لآلامها ومرتعاً لنزواتها وحجباً لأمراضها .كيف يمكنه أن يتعامل مع الدين وقد تناقضت أطروحاته وتطبيقاته .   11-     الحضارة الحالية دينها التي قبلته-براجماتياً لا معرفياً-يستند على تصور صبياني للألوهية يرفضه العقل، والعالم العربي – وإن كان دينه مقبولاً عند كثير من العقلاء –فهو على حد تعبير غادة السمان أكبر مسرح لللامعقول في العالم دع عنك أديان الهند والصين...الخ 12-                      تعامل الغرب مع القضية على أنها مظهر من مظاهر الصراع بين الله والإنسان وحسم الغرب الصراع لصالح الإنسان فكفر بالله أما عندنا فلم نستطع الإيمان بالله إلا مع الكفر بالإنسان لذلك تجد بيننا من زاد الإحساس بإنسانيته –أي بعقله – زاد نفوره من الدين ومن يمثله ، لأن الفكر الديني السائد ومروجوه يعاني من أزمة حادة مع الإنسان أي مع العقل ، أزمة بدأت بشرعية أضفاها الفقهاء على الحكم الفردي والإستبداد فاستمر بمعونتهم أكثر من 1300 سنة!! سيطر فيها الحدس كمنهج معرفة عن طريق الصوفية مما أدى إلى اعتلاء الخرافة العرش وساد فيها عند الفلاسفة المنطق الأرسطي الذي يهمل الواقع والذي ما قامت النهضة الأوربية إلا على أنقاضه وأصبح فكر المسلم عقيماً يدور في حلقة مفرغة زادته حيرة وتخبطاً صحوة غير مقصودة مع حضارة تتناقض ماديتها الطاغية مع ما يراه بديهياً فتشبث بالحرم الرابع-الخرافة يطوف حوله كلما هاله أمر أو أعيته الحيلة وإلا عاد إلى سباته فحياته بين النوم والطواف المحرم. 13-      كيف يمكن لمثقف عربي عاش بين هؤلاء وتناقضاتهم واطلع على الفكر الغربي وصراعه مع الدين أن يحتفظ بقواه العقلية أو بالقبول الإجتماعي.كيف يمكنه أن ينعم بطمأنينة الإيمان التي تمكنه من ذلك.إن أمامه خيارين إما أن يكتم شكوكه ويتظاهر بما ليس فيه فيعيش حياة يعتقد أنها غير جديرة بالإحترام فيفقد احترامه لنفسه فتلازمه الكآبة وإن تظاهر بالمرح،أو أن يتحلى بالشجاعة الفائقة فيرفض الإستسلام لضغوط الواقع وتناقضاته ويعلن ميلاده بإعلان حريته وتمرده على التناقض ويبدأ سيره نحو الوحدة النفسية والتوافق مع الإيقاع الذي يحكم هذا الكون فيعلم أن سيره مقدس يرافقه من في السموات والأرض ما عدا من رضي بالتناقض ولا يريد أن يكون منهم وليحاول جهده أن يتحلى بالموضوعية تجاه قضية وجود الله فلا يتأثر بالداعين لها ولا بالرافضين لها وإلا فلن يصل إلى نتيجة بشأنها .ولابد له من اليقين بالوصول فهو الذي سيمكنه من الإستمرار إلى النهاية وليتذكر أن العطش هو دليل على وجود الماء.وإن لم يفعل فإنه سيستسلم وسيعود إلى ممارسة حياة لم يكن مقتنعاً بها منذ البدء وسيعود إليها وهو أكثر احتقاراً لها وسيخسر من نفسه أكثر مما كان يعتقد نيله ،والله يهدي إليه من أناب.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق