]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإنتماء والحقيقة

بواسطة: محمد سالم شاقان  |  بتاريخ: 2012-02-18 ، الوقت: 14:54:34
  • تقييم المقالة:
الإنتماء و الحقيقة -        "قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين . لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين "     إن ادعاء البعض أنهم يبحثون عن الحقيقة في حين انتمائهم إلى جماعة تدعي أن لديها الحقيقة،تناقض صارخ . إن أي انتماء غير الانتماء للحقيقة المجردة (النقلىة - العقلية )يمنع الشخص من الوصول إلى الحقيقة . "و دخل معه السجن فتيان، قال احدهما إني  أراني أعصر خمرا ، و قال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله، إنا نراك من المحسنين، قال لايأتيكما طعام  ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله و هم بالآخر هم كافرون  " فاقترن العلم بترك التقليد و ترك الانتماء لغير الحقيقة النقلية- العقلية و هي الإسلام إن الخضوع لأي سلطة كانت ،سواء سلطة فرد أو جماعة هي بداية الشرك . لأن الخضوع كشأن أي مخلوق إما في زيادة أو نقصان ، و الأمر يخضع لإرادة و المنتمي لأي جماعة خاضع لسلطتها و خضوعه يزيد أو ينقص تبعاً لإيمانه بها ،فما دام محافظاً على إيمانه بها ، فإن خضوعه سيزيد و سيؤدي به ذلك إلى أن يحب و يكره تبعاً لها وهذا هو الولاء لغير الله وهو الشرك . "منبين إلىه و اتقوه و أقيموا الصلاة ، و لا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً. كل حزب بما لديهم فرحون "الروم31-32 (و في هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم و تفرقهم فرقاً ،كل فريق يتعصب لما معهم من حق و باطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق،بل الدين واحد ، و الرسول واحد، والإله واحد

و أكثر الأمور الدينية ، وقع فيها الإجماع بين العلماء و الأئمة ، و الأخوة الإيمانية ، قد عقدها الله و ربطها أتم ربط ، فما بال ذلك كله يلغى ، و يُبنى التفرق و الشقاق بين المسلمين على مسائل خفية ، أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضاً ، و يتميز بها بعضهم عن بعض ، فهل هذا الأمر إلا من أكبر نزغات الشيطان و أعظم مقاصده التي كاد بها المسلمين ؟ و هل السعي في جمع كلمتهم و إزالة ما بينهم من شقاق ، المبني على ذلك الأصل الباطل إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله ، و أفضل الأعمال المقربة إلى الله ؟)[i]

و على مر التاريخ الإسلامي لم تظهر هذه الجماعات بل ظهرت فرقاً ضالة ذكر الرسل صلى الله علىه و سلم أنها كلها في النار ماعدا جماعة الكتاب و السنة. و العجيب أن هذه الجماعات كلها على اختلافها و تناقضها تدعي أنها هي جماعة الكتاب و السنة إن ما ينبغي عمله لىس إنشاء جماعة ما أو حزب ما إنما هو عمل حركة ثقافية تربوية تقوم بتوجيه الأمة و تربية أجيالها على المنهج المثالى الواقعي ، العقلى الديني ، حركة تؤدي إلى إيجاد أولى الألباب لا إيجاد مزيد من العبيد . عبيد الفرد أو الجماعة  عبيد المجتمع أو الدولة . "و لتكن منكم أمة يدعون غلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض و جوه و تسود و جوه ...."الآيات ("يوم تبيض و جوه " و هي و جوه أهل السعادة و الخير أهل الائتلاف و الاعتصام بحبل الله . "و تسوَدُّ و جوه " وهي و جوه أهل الشقاوة و الشر ، أهل الفرقة و الاختلاف)[ii] إن تحرير المسلمين من كل السلطات الوهمية هو الدعوة العملية للإيمان بالله و اليوم الآخر. نعم كل السلطات التي تستعبد الإنسان و وهمية . ذلك لأن الله هو الحق و أن ما يدعون من دونه هو الباطل ، والباطل ليس شيئاً . فيجب كشف الأوهام بتسليط نور الحقيقة(العقلية-النقلية) إن آفة تكوين الجماعات إن لم نحاول القضاء علىها فلن تنتهي و الواقع يبين تزايدها باستمرار تفاعل متسلسل لا يؤدي إلا إلى تفجير الأمة . "و أطيعوا الله و رسوله ، و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إن الله مع الصابرين " الأنفال 46   -        لا نستطيع أن نغض الطرف عن الداعين إلى الانتماء لأي جماعة كانت مهما كانت حسن نواياهم – لأننا بذلك نخون قناعاتنا و إيماننا بمنهج التفكير في الكتاب و السنة و الذي ينهانا عن تمزيق جسد الأمة بالاستسلام لهذه الآفة ، آفة الهوس بالأشخاص و التي تمثل خلقا من أخلاق العبيد و التي تتحكم في عقول البشر إلا من جاهد للتخلص منها و هي التي جعلت البشر يعبدون الأنبياء و الصالحين بعد موتهم . "و قالوا لا تذرُنً آلهتكم و لا تذرنً وداَ ولا سواعاً و لا يغوث و يعوق و نسراً " نوح 23 (و هذه أسماء رجال صالحين ، لما ماتوا ، زين الشيطان لقومهم أن يصوروا صورهم ، لينشطوا بزعمهم على الطاعة إذا رأوها ، ثم طال الأمد ، و جاء غير أولئك فقال لهم الشيطان ، إن أسلافكم يعبدونهم ، و يتوسلون بهم ، و بهم يسقون المطر ، فعبدوهم ، و لهذا أوصى رؤساؤهم للتابعين لهم ،  أن لا يدَعوا عبادة هذه الآلهة ). لذلك نرى من الواجب علينا التنبيه و الدعوة إلى حركة ثقافية تدعو إلى الانتماء إلى الحقيقة (العقلية- النقلية) المجردة عن الأشخاص و ليس الانتماء إلى من يدعو إليها . لأن الانتماء لأي جماعة ذات منظومة فكرت معينة يضع قيداً جديداً على عقل المنتمي. فعندما تكون في جماعة من هذا النوع فإنك ترى الأمور من خلال فكرها أو أيديولوجيتها فترفض أو تقبل من الحقائق ما يتعارض أو ينسجم معها و يصبح هذا عادة ذهنية تستجيب لها و أنت لا تدري.         -        أليس في الانتماء للجماعات و الأحزاب مخالفة صريحة لمبدأ معرفي معروف و هو)لا تعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ). أن المنتمي الذي يعتقد أنه يمكنه تطبيق هذا المنهج المعرفي مع بقائه منتمياً هو واهم لأن منهج الجماعة التي ينتمي إليها يتحكم فيه و هو لا يدري ، لا سيما إن تربي عليه سنين عديدة ، إن الحق يأبى الدخول في قلب يشغله غيره . -        إن أي جماعة تؤمن بفكر مؤسسها و يعاني أفرادها من الجمود الفكري ستعطي صفة الثبات الأبدي لفكره فتضفي عليه بدون أن تشعر صفة من صفات الله فيصبح كلام المؤسِّس و الوحي سواء . و إلا فلماذا لا تعيد النظر فيه و تعلن ذلك على الملأ ؟ لماذا تصر على الاحتفاظ به كصنم ؟ "كما تكونوا يُولَّ عليكم " لذلك ابتُلِينا بأنظمة حكم شمولىة تدعي احتكار الحقيقة كما ادعيناها و تفرض أفكارها بالحديد و النار. و إذا لم نهدم هده الانتماءات فلن نهدم هده الحكومات . فالجماهير التي تستعبدها أفكار أفراد منها تسلط علىها حكومات أفراد آخرون لا تمثل إرادتها بل تسعى إلى محوها و جعلها نسخة مكررة لفرد واحد هو الحاكم.   -        إن الجمود الفكري يتغذي من هذه الانتماءات و يصبح فريضة مقدسة عندما يعتقد المنتمي أن جماعته تمثل الإسلام . و ما منع الناس أن يؤمنوا إلا الجمود الفكري و هو قرين الإرهاب الفكري . ذلك الخوف الذي يعانيه من تحدثه نفسه بالخروج من دائرة الانتماء هو ما يجعله يفضًل أن يعيش في طمأنينة زائفة بالتنازل عن الفكرة و يحاول الهرب من شعور الخيانة خيانة الحق و خيانة النفس. "و لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله و هو معهم إذ يُبيِّتون مالا يرضى من القول و كان الله بما يعملون محيطاً " النساء 108 إن الجمود الفكري يعني إضفاء صفة الثبات على أفكار البشر و هذا تأليه لهم. فلا يمكن لمخلوق أن يخرج عن التأثر بالزمن. إن الزمن يتقدم إلى الأمام و أنت ثابت جامد على فكرك فماذا سيحدث ستُقذف خارج الزمن و لست و حدك فهذا حال الأمة إلا ما رحم ربي قذفها الجمود الفكري في واد سحيق خارج التاريخ و لن تعود إليه إلا بالحركة في اتجاهه ، و التاريخ يتجه إلى غاية محددة هي إحقاق الحق "و يريد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين ليُحِق الحق و يُبطِل الباطل و لو كره المجرمون " الأنفال 7-8   -        يجب أن يتعلم المسلم كيف يتحكم بشعوره بالإعجاب. فإن الإعجاب بالنفس إذا لم نتحكم فيه يقودنا إلى عبادتها و إن الإعجاب بالأشخاص إذا لم ننتبه له و نقاومه بتجديد الولاء للحق دائما يقودنا إلى الشرك.و يجب أن يكون إعجابك بالحق دائما أعظم من إعجابك بمن دعاك إليه و ذلك بان تحاول اكتشافه بنفسك و لا تعتمد على عقول غيرك و لن تبدأ الخروج من أخلاق العبيد إلا بالتحرر من الاعتماد على عقول الغير والحر وحده هو القادر على التفكير . فلا تعرف الحق بالرجال. و الإعجاب بالنفس أو بالغير يؤدي إلى الشرك لأنك بذلك تنسب الفضل لغير الله . و لا يعني ذلك أن لا تشعر بالامتنان فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله . "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسي بن مريم .." الحديث و لقد قيل لنا أقيموا دولة القرآن في قلوبكم تقم في أرضكم فماذا فعلنا ؟ ثبتنا على الإعجاب بالرجل ولم نستخرج المنهج الكفيل بإقامة القرآن في قلوبنا  ولو بُعث سيد قطب – رحمه الله – فلربما غيّر صياغة أفكاره للمرة الثالثة خصوصا بعد أن يرى التطرف يستند على كتابه و التكفير يستظل بظلاله . و لا أظن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يرضى بسلطة الحكومة السعودية التي تدعي نشر و حماية أفكاره . لقد دعانا علماؤنا و صالحونا إلى الحقيقة و لم يقصدوا أن نفهم الأمور كما فهموها . ولن يحاسبنا الله إلا على موقفنا تجاه الحقيقة و ليس على الانضمام لجماعة من الجماعات التي تدعي كل منها حيازتها  الحقيقة. إن الحق واحد و الباطل متعدد لأن الآلهة كثيرة و الله واحد لا شريك له. -        حركة ثقافية تربوية تتحلى بالشجاعة ، أساسها منهج القرآن و السنة في التفكير، و ليس جماعات و أحزاب لا تزيدنا إلا فرقة و حيرة . منهج يربي الناس على حب الحق و يعلمهم الوصول إليه و يساعدهم على التحرر من كل السلطات الوهمية التي تريد تعبيدهم و التي تؤسس للكفر و الشرك و النفاق في قلوبنا . و بأن نتسلح بالحلم و الأناة و الرفق و الجدال بالتي هي أحسن و أن نتبرأ من العنف لأن الدين انتشر بالإقناع و لم ينتشر بحد السيف و ليس من المعقول أن نحارب الإرهاب بممارسة الإرهاب . -        و إن الحكومات الإسلامية مسلوبة الإرادة تتحكم فيها إرادة أمريكا و إرادة أمريكا تتحكم فيها إرادة الكفر و الشرك و النفاق فلنبدأ بالجهاد ضد هذه الإرادة بذلك نؤسس لحضارة تتحكم فيها إرادة الإيمان بالله و اليوم الآخر إرادة الحق و الخير و الجمال و ذلك سيؤدي إلى تأويل قوله تعالى "إني أعلم مالا تعلمون".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[i]"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي-مؤسسة الرسالة

[ii]نفس المصدر السابق


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق