]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ارث قابيل

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-02-18 ، الوقت: 14:00:26
  • تقييم المقالة:


 
 

 

ارث قابيل

محمد الحدادالعراق

سكينُ قابيل الملطخة بدم أبينا هابيل..تلكَ الموغلة في القِدَم.. المشحوذة على الدوام منذ أول وأقدم جريمةٍ في التاريخ..مَنْ أوصلها لأيدينا؟كيف لا تُخطيء الطريقَ إلينا في كلِّ مرة؟

ليسَ ثمة صدفة أبداً في التاريخ..لا يولدُ الطغاةُ من فورهم قتلة مجرمين..لا ينبتون هكذا على حينِ غرَّةٍ مثل نباتٍ سامٍّ تلفظهُ صحراءٌ قاسية من بطنها المُغيَّبِ إلى ظهرها القاحل...ليسوا حِمَماً مسعورة تقذفها فجأةً فوهة بركانٍ هائجٍ مجنون ظلَّ خامداً حيناً من الدهر ..لأنهم يُصنعونَ برَويةٍ وصبرٍ في بوتقةِ طغيانٍ كبرى مغلقة على أسرارٍ لا تُباح لأحد..هكذايُصنعُ الطغاةُ دائماً..على مهل..

لكن من أينَ يستمدُّ الطغاةُ كلَّ هذهِ القسوةِ المُفرطةِ في قمعِ شعوبهم ؟كيف يُديمونَ شحذ سيوفهم المسلطة على الرقابِ كقَدَرٍ لا مفرَّ منه؟ قبل هذا..كيف يستمدّونَ شرعية زائفة تُجيزُ لهم اقترافَ كلَّ ذلك؟

من بين المئاتِ من طغاةٍ عُتاة تعجُّ بهم كتبُ التاريخِ حالكة السواد.. سأستلّ ثلاثة أوراقٍ مُلطخة بالدم ..لثلاثةِ طغاةٍ كلّ واحدٍ منهم جَسَّدَ لوحدهِ الطغيانَ البشريّ بأبشع صورهِ دموية: ستالين..هتلر..بوكاسا ..نماذجُ مرعبة لا زالت للأسف تُعدُّ في نظرِ البعضِ مُثلاً عُليا للحنكةِ والدهاءِ السياسي ورموزاً كبرى في صناعةِ الدولِ وبناءِ المجتمعات ليسَ فقط في نظرِ طغاةٍ ابتُلينا بجنونهم في عالمنا العربي سواءٌ مِمَنْ أطيحَ بهم أو مِمَنْ لا زال ينتظرُ نفسَ المصير.. بل حتى من قِبلِ ذوي اختصاصٍ من أصحابِ فكرٍ وكُتّابِ تاريخٍ ورواةِ سِيَر..

                  قابيل..ماذا فعلتَ بأخيكَ هابيل؟

هذهِ الكلمات الصادمة قيلتْ بحقِّ ستالين لا غيره!كتبها تروتسكي .. رفيقُ ستالين العتيد في النضالِ السياسي وفي الحُكمِ أيضاً..كلماتٌ أصبحتْ اليوم في ذمةِ ماضٍ بعيد..طوَتها عقودٌ طويلة من الزمنِ إذا رددتْها الألسنُ اليومَ فلن تُعطيَ نفس الوقعِ الأولِ الذي تركتهُ في الضمائرِ والقلوب..

كانت كلماتُ تروتسكي هذهِ ضمنَ رسالةٍ بعثها إلى ستالين حينما سمعَ بإقدامهِ على قتلِ زنكيدز رفيق دربِ ستالين وصديقهِ الأقرب ..قبل أن يُغتال تروتسكي هو الآخر فيما بعد..لم يكنْ ذلك صدفة أبداً فعندما تربَّعَ ستالين بمفردهِ على رأسِ الحكومةِ الروسيةِ بعد إزاحة خصميهِ في الحكومةِ الثلاثيةِ التي كانتْ تضمهُ مع كامينيف وزينوفيف كان كلُّ أعضاءِ اللجنةِ المركزيةِ للحزبِ قد قتلهم ستالين واحداً تلوَ الآخر ولم يستبقِ منهم أحداً!

تاريخٌ أسودٌ كتبهُ ستالين بمدادٍ ملأهُ بدماءِ شعبهِ لم ينفذ طوالَ سني حُكمهِ..فأكثرُ المؤرخينَ تفاؤلا يقدّرونَ مُجملَ ضحاياهُ بثمانيةِ ملايين إنسان بين قتيلٍ ومُهجَّر أما المتشائمين منهم فيوصلونَ الرقم إلى خمسين مليوناً! حِقبةٌ كانت الدماءُ سمتها البارزة لم تنتهي إلا بوفاةِ ستالين نفسه..

كلا.. فاللحمُ البشريُّ مالح المذاق!!

 

كان ذلكَ رد الدكتاتور بوكاسا رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى في المحكمةِ بعد الإطاحةِ بهِ دافعاً عن نفسهِ تهمة أكلِ اللحم البشريّ حينما وجدتْ بقايا منها في ثلاجةِ أحد قصوره..

بوكاسا هذا كان مجرد عريفٍ صغيرٍ في الجيش الفرنسي لكنهُ بانقلابٍ عسكريٍّ مدعوم من فرنسا أطاحَ بحكومةِ بلادهِ المدنية.. وتوَّجَ نفسهُ فوراً إمبراطوراً على أفريقيا كلها وكانتْ بطاقاتُ الدعوةِ لحفلِ تنصيبهِ التي أرسلها إلى زعماءِ العالم مطلية بالذهبِ الخالص..وفي بلدٍ فقيرٍ مثل جنوبِ أفريقيا ما عسى وحشٌ بشريٌّ مثل بوكاسا أنْ يُقدِّمَ طعاماً لكلِّ هؤلاءِ الزعماء مرة واحدة إلا أنْ يكون لحماً متوفراً ورخيصاً كلحومِ شعبه؟! كان لسجنائهِ الذين أخذهم بوكاسا من مُعتقلهم موعدٌ أخيرٌ على العشاءِ لكن بلحمهم هذهِ المرة..قبلَ ذلك ضاعفَ لهم بوكاسا وجبات الطعام بُغية تسمينهم ثمَّ قُدِّموا وجبة عشاءٍ فاخرة إلى ضيوفِ العالم دون مَلحٍ كما أظن ..فاللحم البشريّ مالحُ المذاق كما اعترفَ بوكاسا نفسه!

بوكاسا المجنون هذا أعدمَ في يومٍ واحدٍ وبدمٍ باردٍ المئات من تلاميذِ المدارسِ بعد تعذيبهم حتى الموت لأنهم خرجوا في تظاهرةٍ عفويةٍ احتجاجاً على التكلفةِ الباهظةِ لِزيهم الإلزاميّ الذي تُنتجهُ مصانعُ بوكاسا نفسه مما يُعدُّ زيادة في أعباءِ اُسَرِهم في ظلِّ ظروفٍ معيشيةٍ بائسةٍ لبلدٍ فقير..لكن أين يُمكنُ إخفاء كلّ هذا العدد من البشر؟بقيَ حلُّ ذلك السؤال عصياً على العالم كلهِ حتى أطيحَ ببوكاسا عام 1979حينما وجِدَ في قعرِ حمامِ السباحةِ الخاص به بقايا سبعةٍ وثلاثين طفلا من هؤلاءِ التلاميذ قُدِّموا كوجباتٍ لتماسيحهِ الأربعة!!

 سأسَلِّمُ الأرضَ إلى الله ِفارغة كماخلَقها

 

أيُّ نارٍ شيطانيةٍ صُنِعَ منها هذا الرجل...هتلر؟كيفَ أسلمَ لهُ شعبهُ زمامَ أمرهِ بهذا اليُسرِ حتى وهبوا لهُ حياتهم ومصائرهم قرابينَ دونَ ثمن؟

ثمة مقطعٌ غريبٌ من فيلمٍ وثائقيٍّ قديم ضمن الأرشيفِ الألماني لا زالَ يُمسكُ بتلابيب الذاكرة كحلمٍ بعيد..مشهدٌ كان يُعرَضُ قديماً على شاشةِ التلفاز باستمرار..يتمُّ فيهِ إحراق كُتبٍ كثيرةٍ يبدو أنها كانت ممنوعة في عهد هتلر..مشهدٌ مُريعٌ يوحي بحفلٍ جنائزيٍّ كئيب..أمواجٌ بشريةٌ هائلة تُقدَّرُ بالمئات ينتظمون في طابورٍ طويل يتقاطرون بتتالٍ بطيء بِخُطىً يائسةٍ وسط ظلامٍ دامسٍ حتى ينتهونَ إلى محرقةِ الكُتبِ هذه فيلقونَ ما يحملونَ بأيديهم من كتبٍ في ذلك الأتونِ المُشتعل لتلتهمها في النهايةِ ألسنةُ النيران..ولا ضوء يُزيحُ عُتمة ذلك الظلام إلا ضوء الكتبِ المحترقةِ وبعض المشاعلِ القليلة هنا وهناك...في الذاكرةِ لا زال يومضُ أيضاً أنَّ هتلرَ كان حاضراً بنفسهِ يُشرفُ على حفلِ إعدام الكتبِ هذا..لستُ متأكداً من ذلك.. لكن أياً ما كانت التفاصيل المتعلقة بذلك الفيلم فانهُ يُشير إلى حقيقة ذلكَ القدرٍ الأسودٍ الذي إستسلمَ لهُ شعبُ ألمانيا على يَديّ رجلٍ مجنونٍ مثل هتلر..

قبل ذلك كله..قبل أن ينتخبهُ الشعب..كان هتلر أثناء حملتهِ الانتخابيةِ أمام خصمهِ العجوز هاندنبرغ يجوبُ مُدُنَ ألمانيا كلها بنَفَسٍ محمومٍ يُلقي ثلاثة خُطبٍ يومياً فوقَ رؤوسِ أنصارهِ بطريقتهِ الدراماتيكيةِ الآسرة..في ذاتِ الوقت كانت أصواتُأنصارهِومؤيديهِ تصدحُ لهُ كلَّ يومٍ دون يأس.. وتشدُّ من أزرهِ وحينما تحققَ لهُ النصر الكاسح أطلَّ هتلر عشية فوزهِ التاريخي من نافذة ِقصره العالية مُحيياً أنصارهُ بكلتا يديهِ..أصواتُ المحتفلينَ تهتفُ لهتلر بشعارٍ رَفَعتْه ُعالياً: اليوم ألمانيا وغداً العالم! أما هتلر فخطبَ فيهم قائلا : سأسلّم ُ الأرضَ إلى اللهِ  فارغة كماخلقها! كلماتٌ تلبسُ لَبوسَ قدَر ٍ كابٍ لا يحملُ في مطاويهِ إلا الموت..وتستشرفُ غداً يقطرُ دماً قادماً في الطريق.. لم يكنْ هتلر يعني أرض ألمانيا وحدها بل أرض الله كلها كمالم يكنْ الخطر فيهِ مقتصراً على كلماتٍ يدغدغُ بها أحلاماً نائمة.. يوقظها صراخهُ العنيف في خطبهِ فحسب.. بل في المصير الكارثيّ الذي كان ينتظرهم بعد ذلك الفوز حينما انقلبَ الأمرُ لصالحهِ تماماً.. واُلجِمتْ أفواهُ ذلك القطيع إلى الأبد وتهيأتْ لترى بأمِّ أعينهاوعدَ هتلر الدموي وهو يتحولُ إلى حقيقة.

من الدعم الشعبيّ الأعمى لهُ كان هتلر يُغذّي وقودَ ماكنةِ الموتِ الألمانية التي كانت تشحذ أسنانها استعداداً لابتلاع أرض الله شبراً فشبر تمهيداً لتسليمها إلى اللهِ فارغة كما وعدَ بالضبط..

لعبَ هتلر بذكاءٍ ومكرٍ على ذاتِ الأوتارِ التي كانوا يعزفونَ لهُ بها كلَّ يومٍ قبل انتخابهِ وبعده..عرفَ كيف ينفخُ بطواويس أناهم..حينما أضفى لجنسهم الآريّ قداسة موهومة كانوا يُدركون تماماً قبلهُ أنها محضُ كذبٍ وافتراء..لكنهم صدّقوا كذبهُ..وانتظروا منهُ جنة على الأرضِ وَعَدَهَم أنهُ سيفتحُ أبوابها بيديهِ لهم وحدهم...

لِنقرأ التاريخَ من جديد..تاريخ هؤلاءِ الطغاةِ....حقاً لِمَ لا نفعلُ ذلكَ اليوم..عَلّنا نجدُ فيهِ إجابة وافية لأسئلةٍ باتتْ تقضُّ المضاجع :كيف تمكنتْ تلكَ الشعوب من طيِّ صفحة طُغاتها إلى الأبد؟ كيف استطاعتْ أن تنزعَ عنهم أقنعة قداسةٍ زائفةٍ ظلوا يرتدونها أمام شعوبهم طويلاً؟وماذا يتوجبُ علينا نحن أيضاً أنْ نفعلَ لنبلغَ ما بلغوه؟اسألوا التاريخ وأنصتوا له..إما الطغاةُ أنفسهم فلا تسألونهم عما سيفعلونه مقابل ذلك...لأنَّ الإجابة ستأتيكم منهم فوراً كما عرفتم من قبل : سَنُسلّمُ الأرضَ إلى اللهِ فارغة كما خلقها!  


« المقالة السابقة
  • طيف امرأه | 2012-02-19

    الطغاة ...

    لا أدري لما كلما قرأت تلك الكلمة أتصور الآدغال أرحم من آدمية تجردت منا في كل شيء

    حتى الاسم يصبح عالقا بالذهن على انه مخبف مرعب ..

    حينما قال رب العزة  عمن يطغى ويتجبر ويضل أنهم اكثر ضلالة من الأنعام فهو الاعلم بحال العبد منا

    لما قال بل أضل مع ان اللبؤة هي التي تصطاد ..والضبع يأكل بطريقة مغثيه ..والنسر يجوب القمم كي يصل لصيده ؟؟ والقرش في البحر يبحث عما يسد رمقه !!

    لان الأنعام بكل ما فيها من وحشية ..(كما ندعي مع انها فطرتهم ) تجد بها بعض الحنان والرأفة ..لقد رأيت بعض المشاهد التي ,,تجعلك تقف مندهشا أمامها ..حينما يعتلجها الحنان بلحظة غير مسبقة ..وكم أبكانا ذلك ..لاننا بحق فقدنا إنسانيتنا امام تلك الرحمة التي أوجدها الرحمن الرحيم بها ..وبنا فبتنا نبحث عنها بحثا

    اخي النقي الرائع دوما تدهشني روعة اسلوبك وروعة بيانك فاجد ذاتي أعيد المقالة لجمالها ونظمهاو تنسيقها وما فيها من أبعاد ,,تُغبط عليها فبارك الله بكم وانتظر دوما بشوق كتاباتكم المفيدة .

    أعزك الله وأثابك عنا الخير الجزيل

    طيف بتقدير

     

    • محمد الحداد | 2012-06-08
      الراقية أبداً طيف..حقيقة ترعبني دائماً كلماتكِ التي تجودين بها لي بعد كل مرة أنشر فيها مقالة أو نصاً أو قصة..لأنها كلمات تحملني مسؤولية مضاعفة أخشى ألا أكون أهلاً لها ..الحب والنقاء والتفاني والصدق والإيثار و.......مما لا انتهاء له..هي أنتِ..دمتِ لنا أختاً كريمة ومربية فاضلة وعوناً عند المهمات..سلمتِ وليسلم أبداً قلمكِ الصادق ..   

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق