]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

وقفات مع الاسلام السياسي

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2012-02-18 ، الوقت: 13:04:11
  • تقييم المقالة:

هذه وقفات وقفتها مع الإسلام السياسي ممارسة ومخالطة ومطالعة , حاولت تلخيصها في هذه المقالات وان كان فيها بعض التكرار فلتأكيد الأفكار والنظر لها في كل مرة من زاوية مختلفة حسب ما يقتضيه المقال

الوقفة الأولى:حلم اليقظة

الفرد المسلم كائن عاطفي , يسهل انقياده إذا عزف على وتر العاطفة في شخصه , فتجد الفرد المسلم وان كان غير متقيد بتعاليم الإسلام أن حدث مس بشخص نبي الإسلام مثلا تده يتحول الى أشد المدافعين عنه والثائرين في وجه المسيئين له , بعد أن كان هو في واد وتعاليم الإسلام في واد آخر

ولان الفرد العاطفي من ابرز سماته أحلام اليقظة, حرص أن يكون الفرد المسلم مدة صحوته يحلم أحلام اليقظة من وقت استيقاظه إلى موعد نومه

و من بين أحلام اليقظة الجميلة, اللذيذة والممتعة التي تجعل الوقت يمر مر السحاب, دون أن تشعر بانقضائه: الإسلام السياسي

إن الإسلام ذات لا يتجزأ كالإنسان  ذات واحدة بأعضاء مختلفة كل عضو يؤدي وظيفة لا يستطيع عضو آخر  أن يحل محله في تأديتها , وان استقل عضو من أعضائه عن الذات الإنسانية , يفقد صفة الإنسانية , فاليد المبتورة مثلا لا تشكل إنسان وان جلبت مجموعة من الأيادي فكذلك الأمر لا يعطيك إنسان , أو غيرت وظيفة كل عضو أو مكان عضو بدل عضو , ربما يعطيك كائنا غريبا لكن لن يعطيك أبدا إنسان

الإسلام السياسي لا يغدو أن يكون مجرد عضو ذو وظيفة محددة في ذات المجتمع المسلم, لا يستطيع أن ينوب عن الإسلام الاقتصادي ولا أن يعوض الإسلام الثقافي أو يحل محل الإسلام الاجتماعي ولا حتى أن تتكتل تياراته فتعطينا جبهة إسلامية

وبالتالي يوهم نفسه أو غيره من يظن أن الإسلام السياسي هو البذرة التي سوف تثمر يوما دولة إسلامية راشدة

وقد قبلت الأحزاب الإسلامية عن علم أو جهل أن تكون جزءا من لعبة الأنظمة , هدفها إشغال الرأي وجعل جزء كبير منه يطارد سراب الدولة الإسلامية

سيأتي يوم تقوم فيه دولة راشدة, بغض النظر عن تسميتها ( مملكة, إمبراطورية, اتحاد ولايات, جمهورية...), لكن الدولة الراشدة لا تقوم نتيجة نضال الإسلام السياسي, كما أنها لا تقوم بجرة قلم, ولا بوضع دستور جديد ولا إنشاء مؤسسات جديدة ولا بسن قوانين جديدة

فالإسلام السياسي لا يغير الجوهر , ربما يغير المظهر , قد يحدث مواقف استعراضية , خطب رنانة , لكنه لن يكون الطريق الصحيح الموصل إلى الدولة الراشدة

قد يحتج على هذا الكلام بان ليس وظيفة الإسلام السياسي بناء مجتمع إسلامي ولا تربية النشء تربية إسلامية, بل وظيفته الوصول إلى السلطة لأجل أسلمتها والتربية الإسلامية مهمة الأئمة والدعاة و الجمعيات الخيرية والثقافية والرياضية وغيرها  كثير, بعبارة مبسطة وواضحة أن ألأحزاب الإسلامية ترى المواطن صوت انتخابي فقط يوصلها لسدنة الحكم

قد يقول قائل هذه هي السياسة, أقول نعم صحيح هذه هي السياسة سواء كان الحزب إسلامي أو علماني فما الفرق إذن بين الإسلام السياسي

وغيره من التيارات الأخرى؟

يجيبني أحدهم الفرق يظهر حين يتسلم زمام السلطة مثلما حصل في تركيا والنجاح الباهر لحزب ذو ميول أو خلفية إسلامية

ومن الخطأ الحكم على التجربة التركية لأنها لم تنته بعد ولا زالت تجربة ممكن مصيرها النجاح كما يمكن أن يكون الفشل

ونحن نتكلم على دولة لا على أشخاص , فالتجربة الناجحة هي التي تعطيك آليات تعمل بها أنت أو غيرك , لا تجربة تموت بموت الأشخاص

الإسلام السياسي لا يعطيك مؤسسات , بل يعطيك زعيم والدولة لا تحتاج لزعماء

إن الإسلام السياسي يحمل في طياته الجهوزية للانقسام والتفرق فحزب حركة النهضة مثلا خرج  من رحمها حركة الإصلاح الوطني والذي سيخرج من رحمه هو الآخر حزب جبهة العدالة والتنمية وحزب جبهة الجزائر الجديدة

وحركة مجتمع السلم تفرخ منها حركة الدعوة والتغيير

وحركة الوفاء والعدل انشطر عنه حزب الحرية والعدالة

ولا يخدعنك قول القائل أن هذا الاختلاف اختلاف رحمة وهذا التنوع تنوع تكاملي يثري ساحة العمل الإسلامي , لأنه وصل الأمر باستعداء كل أنصار حزب إسلامي لأنصار الحزب الإسلامي الآخر واتهام كوادر كل حزب لكوادر الأحزاب الإسلامية الأخرى بالتخوين والعمالة للنظام في مجالسهم الخاصة بل وصل حد الاقتتال بالعصي والأسلحة البيضاء بين إطارات الحركة الواحدة الذين يحملون هم المشروع الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية فأي رحمة وأي إثراء؟

وبالتالي فالإسلام السياسي استنزاف لطاقة المجتمع وتوجيهها التوجيه الخاطيء , يجب علينا أن نكون نحن التغيير الذي نود رؤيته في العالم على حد قول غاندي لأنه لا يستطيع أحد تغيير نفسه دون الم باعتباره هو نفسه الرخام وهو نفسه النحات .

الوقفة الثانية:الدين والدولة

يرى تيار الإسلام السياسي أن الدولة جزء لا يتجزأ من الدين وبالتالي فالعمل على قيامها فرض كفاية , إذا قام به البعض سقط عن الباقي وقد قيض الله للأمة قادة الأحزاب الإسلامية ليقوموا بهذه المهمة الشاقة , أما بالنسبة للأتباع والأنصار فيجب على عموم المواطنين انتخابهم والالتفاف حول برنامجهم لأجل إيصالهم لسدنة الحكم وهذا فرض عين , لا يسقط على أي ناخب مسلم , ويؤثم شرعا من لم ينتخب قوائمهم او امتنع عن الانتخابات , لأن إسلام المرء لا يكتمل إلا بقيام دولة إسلامية  تطبقه وتلوذ عنه  وتكون تجسيدا له

وكما كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم قرءانا يمشي  , تصبح مؤسسات الدولة قرءانا راسيا , تتلاشى المحسوبية والرشوة والبيروقراطية ...

كلام جميل له تأثير كبير يدغدغ العواطف ويسحر النفوس , لكن الكلام شيء والحقيقة شيء آخر فما أسهل أن تشيد قصرا في خيالك على الرمال المتحركة أو حتى على الماء  وربما مرتفعا في الهواء  انه قصرك الطائر المضاد للجاذبية , لكن ما قيمت فكرتك على أرض الواقع وكيفية تجسيدها وتنفيذها

هل يحتاج الإسلام لدولة وهل الدولة ركن من أركان الإسلام إذا سقطت سقط الإسلام وان ضاعت ضاع؟

           لقد احتلت معظم الدول الإسلامية[1] وتعرضت لحملات تبشيرية وحورب الإسلام في عقر داره ,فشوه وحرف في طقوس وممارسات , منع العلماء من الإمامة واعتلاء المنابر والتدريس في حلقات العلم, كما تم نشر الأمية  ومحاربة التعليم الديني الحر , لكن الإسلام لم يندثر ولم يتحلل , سقطت الخلافة الإسلامية[2], بل ازداد انتشار الإسلام حتى في عقر دار اشد الدول المحاربة والمعادية للإسلام...

هذا يؤكد على أن الإسلام لا يزول بزوال دولة تتبناه منهجا وتختاره نظاما للحكم , وان الإسلام كدين لا يحتاج لقيام دولة تحميه وتبقيه لأن الذي أنزل الذكر هو الذي تعهد بحفظه , حفظه من التحريف وحفظه من الاندثار والانقراض والزوال , والدولة ليست من طرق ووسائل حفظ الإسلام , فالدين كان ولا يزال محفوظا رغم عدم وجود دولة تحكم باسمه

           المتأمل في السيرة النبوية يجد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استمر لمدة ثلاثة عشر سنة , يدعوا للإسلام , فيما يعرف بالعهد المكي, دون أن تقوم دولة للإسلام , فدولة الإسلام لم تنزل بنزول الوحي ولم تتنزل مع الوحي ولم يقل احد أنها نزلت بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

قد يقول قائل إن الدولة في الإسلام ليست من شروط الأركان , لكنها من شروط التمام  والكمال , فلم يكتمل الإسلام إلا بقيام دولة المدينة[3] ولم تتم نعمة الله إلا بخفقان رايتها ولم يتم الرضا الرباني إلا بعد قيام دولة تدافع عن حياض الدين وتغزوا باسمه

إن الإسلام يحتاج لقاعدة صلبة للانطلاق , لكنه لا يحتاجها للبقاء فالصاروخ يحتاج لدعائم تثبته وتوجهه وتبقيه منتصبا قبل الانطلاق , لكن عند الانطلاق تتهاوى  أرضا لينطلق هو إلى الفضاء

     إن الدولة ضرورة مدنية, مرحلة من مراحل العمران البشري في تطوره المستمر , بعد نظام الفردانية والعائلة  والقبيلة , لكنها لم تكن أبدا ضرورة دينية , الإسلام يعيش ويتكيف مع اكبر العوالم تمدنا , كما انه يعيش ويتكيف في الصحراء القاحلة وفي المناطق النائية وفي القطب المتجمد, إن الدين ضرورة إنسانية , تجده بوجود الإنسان في الحل والترحال  سواء كان هذا الإنسان في تجمع مدني أو منعزل بدائي

وقد تتقاطع الضرورة الإنسانية مع الضرورة المدنية وتكون هناك دائرة مشتركة بينهما وهذا ما البس على البعض من أن قيام دولة واجب ديني , سواء بحسن نية أو لأجل الاستثمار السياسي, لأنه آ خر ما ينزع من النفس حب الرياسة.

الوقفة الثالثة:الدولة المدنية  والمرجعية الإسلامية

      انتقل الحديث عند تيار الإسلام السياسي من المناداة بدولة إسلامية (دينية)[4] إلى دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية, فهل يمكن تجسيد هذه المقالة على ارض الواقع أم انه مجرد شعار سياسي لحملة انتخابية ؟

عند تحليل المقولة يتبين أنها مركبة من لفظة الدولة المدنية ولفظة المرجعية الإسلامية , والدولة المدنية نقيض الدولة الديكتاتورية (سواء ديكتاتورية شخص أو عائلة أو مؤسسة)

دولة تقوم على المؤسسات في التسيير والتوجيه والإشراف والتنفيذ, دولة تستمد شرعيتها من المجتمع المدني, الشعب فيها مصدر السلطة بكل حرية وعدل ومساواة بتداول سلمي فعلي على الحكم وفق المبادئ الديمقراطية

ولفظة الدولة المدنية لا تحتاج في حد ذاتها إلى إضافة لأنها قائمة بنفسها مكتفية ذاتيا من حيث الدلالة والمعنى

فان قلنا هل هناك مرجعيات مختلفة أو متنوعة للدولة المدنية؟

يجيبنا تيار الإسلام السياسي أن هناك المرجعية الإسلامية كمرجعية دينية, لكن هل هناك مرجعيات أخرى خلاف الدين كاللغة أو العرق أو الجنس أو الثقافة

والجواب: لا يوجد

وبالتالي فان اضافة المرجعية  إلى الدولة المدنية تجعل العبارة متناقضة تركيبا ومعنى

الشعب الجزائري أو شعب أي دولة عربية أغلبيته مسلم بنسبة تصل إلى 90كأقل تقدير باستثناء لبنان

لذلك فان الشعب الذي هو مصدر كل سلطة والذي هو عماد الدولة المدنية هو شعب مسلم مرجعيته الدينية هي الإسلام, وحين تقوم دولة مدنية –فعلية لا صورية- هل يمكن أن يطالب الشعب المسلم أو ذو الغالبية المسلمة بان لا يكون الإسلام هو الدين الرسمي للدولة أو يرفض اسلمة قوانين الجمهورية؟

الجواب نظريا هو لا بطبيعة الحال لان الشعب مسلم وحتى لو تخلت الدولة عن الإسلام فهو لم يتخلى عنه ولن يتخلى عنه كما اثبت ذلك التاريخ والواقع ... [5]

وبالتالي لماذا المناداة بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية وسط شعب مسلم , يمكن أن نتفهم المناداة بها وسط شعب متنوع الطوائف

وهل من العدل والمساواة  أن تنفرد أحزاب التيار الإسلامي عن غيرها من الأحزاب (الوطنية والعلمانية)؟

باحتكار الدين الإسلامي ( المناداة بدولة إسلامية ثم المناداة بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية) يجعل التيار الإسلامي يملك ورقة رابحة لا يملكها التيار الوطني أو التيار العلماني بلعبه على وتر العاطفة الدينية لدى الناخب والمرء كائن ذو شعور ديني بطبعه...

ولنفترض أن احد أحزاب التيار الإسلامي وصل للحكم وشرع  في تجسيد الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية , لكن الشعب المسلم مصدر كل سلطة في الدولة المدنية رفض الرجوع للشريعة وأبقى الوضع كما كان عليه (قوانين وضعية)

فهل الحزب الحاكم سيفرض على الشعب توجهه السياسي الإسلامي بقوة القانون , ويصادر حرية الشعب السيد الذي أوصله للحكم أم انه يحترم إرادة الشعب ويتخلى عن الخلفية الإسلامية لدولته المدنية باعتبار أن الشعب المسلم لم يتقبلها بعد

إن تخلى عنها معنى ذلك أنها مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة وليست مبدأ يساوم عليه ويضحي بالنفس والنفيس لتجسيده في إطار الجهاد المدني

وان كانت مبدأ يرفض التنازل عنه حتى ولو رفضه الشعب المسلم , سيحول الحزب الحاكم الدولة من دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية إلى دولة دينية ,الإسلام فيها مصدر كل سلطة( وفق هواه)

وبالتالي فان شعار دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية إما مجرد شعار سياسي الهدف من وراءه استقطاب أصوات الناخب المسلم أو مجرد مرحلة في مرحلية خذ وطالب , هذه المرحلية وان كانت منظرة فكريا (مرحلة الضعف وتمثلها المرحلة المكية في عهد الدعوة ومرحلة التمكين تمثلها مرحلة المدينة) إلا أنها غير مسطرة معلنة كتكتيك , لكنها كواقع موجودة ومعلومة , حيث تتم تسريبات في الصحف عن مفاوضات وصفقات بين النظام وحزب أو جماعة إسلامية في كم من دولة عربية وان كذب الطرفان المتعاقدان هذا الأمر أو اكتفى احدهما بالسكوت فان المتأمل للساحة السياسية يلاحظ في أوقات معينة يكون تصعيد للخطاب الإسلامي السياسي في النبرة والحدة واللهجة وتتحرك منظماته ونقاباته وتكون مظاهرات وإضرابات واعتصامات كنوع من إبراز العضلات  وأحيانا أخرى يختفي على الساحة ولا يسمع له صوت رغم أن الأحداث ملتهبة فيحتار المحللون ويتساءل المتتبعون عن سر الصمت

ويبقى الهّم الأوحد للنظام الحاكم والحزب الإسلامي أو الجماعة (إن لم تكن معتمدة)هل يتم إغراء الحزب الإسلامي ومراودته عن نفسه دون أن تشغفه حبا بجزء ضئيل من الكعكة (الحكم) وهل يكتفي الحزب الإسلامي بالفتات (وقد اكتفى به احد الأحزاب الإسلامية مع احد أنظمة الحكم العربية)

لكن هل يسد الفتات الجوع السياسي المزمن وتحاول الأحزاب الإسلامية اخذ الجمل بما حمل حيث تنسخ آية السيف عند التمكين كل آيات المهادنة والمسالمة والموادعة والرحمة والعفو والمعاملة الحسنى ؟؟؟

الوقفة الرابعة:الدولة الإسلامية الراشدة

 

هل يمكن أن نشهد يوما قيام دولة إسلامية راشدة ,أم أن الأمر مجرد وهم يتاجر به الساسة الإسلاميون ؟

يجب التفريق أولا بين الدولة الإسلامية والدولة الراشدة  والدولة الإسلامية الراشدة

فالدولة الإسلامية هي الدولة التي تزعم أنها قائمة على أساس ديني متخذة من الشريعة الإسلامية المصدر الأساس لتشريعها , تطبق الحدود :( حد السرقة,حد الزنا,حد تناول الخمر ...) وربما تشددت في الأخذ بالأحوط من باب كل بدعة ضلالة (تحريم التحزب,النقابات, المظاهرات, الإضرابات , الاعتصام , الإضراب عن الطعام وربما حتى سياقة المرأة’ للسيارة واشتغالها بالسياسة...) وكمثال على الدولة الإسلامية نجد إيران والسعودية و أفغانستان في عهد طالبان

فهل هذه الدول الإسلامية التي نظام الحكم فيها إسلامي يطبق الشريعة الإسلامية ويجعلها مصدر كل سلطة في الدولة , دول إسلامية راشدة ؟

الدولة الراشدة هي الدولة التي تحترم ذاتها وتحترم قوانينها ولا تدوس عليها , يطبق القانون فيها غلى الجميع دون استثناء , لا فرق بين قوي وضعيف ولا غني وفقير ولا وجود فيها لقمع المعارضة ولا إقصاء الرأي الآخر

فالدولة الراشدة تقوم على المؤسسات لا على الأفراد وبالتالي فالدول الإسلامية المذكورة سالفا ليست دول راشدة باعتبار أن مجتمعاتها المدنية خادمة للنظام غير مستقلة عنه أو مراقبة له

الدول الإسلامية خدمها الإسلام  ولم تخدمه, استفادت منه ولم يستفد منها ولن يستفيد , جعلت منه الورقة الرابحة لضمان استمراريتها وبقائها

والدولة الإسلامية الراشدة غير الدول الغربية الراشدة , باختلاف علاقة الدين بالمجتمع , فان كانت الدول الغربية الراشدة تقوم على مبدأ العلمانية , فان الدولة الإسلامية الراشدة تقوم على مبدأ الدين فهي دولة دينية

والدولة الإسلامية الراشدة قامت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم  وانتهت بوفاته  وستقوم ثانية ومرة أخيرة على يد المهدي المنتظر , لأن الدولة الإسلامية الراشدة تقوم على مبدأ العدل المطلق ولا ضمانة له سوى العصمة , لأن الحاكم غير المعصوم معرض في اجتهاداته للخطأ وغير منزه عن الجور والحيف , ولا يكون هناك إجماع إلا لمعصوم .

قد يقول البعض أنه قامت خلافة راشدة مجسدة الدولة الإسلامية الراشدة كامتداد لدولة الرسول صلى الله عليه وسلم  وقد توالى عليها أربعة من الخلفاء الراشدين  ولم يكن أي منهم معصوم ( إذا استثنينا الإمام علي في الفكر الشيعي )

إلا أن الرشاد في عهد الخلفاء الأربعة رشاد ديني لا مدني , له علاقة بتوطيد الإسلام كعلاقة بين العبد والخالق مع غياب للرشاد المدني الركيزة الأولى للدولة الراشدة

فالاضطراب السياسي الذي بدأ بعدم الاتفاق على الخليفة  وطريقة توليه الخلافة والمعارضة المدنية المتجسدة في امتناع بعض الأقوام على دفع مال الزكاة للحاكم الجديد الغير شرعي (على رأيهم)

ثم اندلاع حروب الردة وظهور الاغتيالات السياسية التي تدل على شراسة المعارضة ويأسها من الأخذ برأيها ومحاولاتها المستميتة لإسقاط النظام  ونجاحها في اغتيال ثلاثة من الخلفاء على التوالي (عمر, عثمان, علي ) من الخلفاء الأربعة

يجعل من الخلافة الرادة غير الدولة الإسلامية الراشدة , فالخلافة الراشدة تجسيد للدين الإسلامي في شقه الديني ( التعبدي)

أما الدولة الإسلامية الراشدة فهي تجسيد للدين الإسلامي بشقيه الديني والمدني

أما الدولة الإسلامية فهي تجسيد لجزء من الجانب الديني , شوهت به الدين وأضرت بروح الشريعة , حاربت به الجانب المدني من الإسلام,حيث اختارت من النصوص الدينية ما يخدم مصالحها ويضمن لها البقاء في الحكم وأعرضت عن باقي النصوص أو أولتها وفق ما يخدم مصالحها , فنجد النصوص التي تتحدث عن وجوب طاعة الحاكم وتحرم الخروج عليه  والصبر على جور ولاة الأمر والنصح لهم في السر دون العلن مقدسة والإعراض عن محاسبة الولاة ومراقبتهم أو تضعيفها وإخراجها من سياقها ودلالتها

 

الوقفة الخامسة:الدولة المحمدية

السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام والرسول صلى الله عليه وآله وسلم مارس السياسة وأقام دولة مدنية مرجعيتها الإسلام في المدينة

والأحزاب الإسلامية في حالة وصولها للحكم وهي ستصل لأن الله وعدها وبشرها (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من  ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة 155_157

وهم قد صبروا في جهادهم المدني على مصائب ومكائد الحكام وهم منصورون لأنهم نصروا الله ( يا أيها الذين امنوا إن تنصروا الله ينصركم  ويثبت أقدامكم ) محمد 07

وصلاحهم السياسي لا غبار فيه لذلك سيرثون الأرض وما فوقها من كرسي الحكم (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) الأنبياء 105

وسيعيدون إحياء الدولة المحمدية , حيث يسود العدل والأمن ويستظل الجميع تحت راية القران , لكن هل يعني هذا انه بالإمكان تكرار الدولة المحمدية أو بعثها ,أو استنساخها أو حتى محاكاتها؟

الدولة المحمدية , دولة فريدة لا تتكرر مثلها مثل جنة آدم والسبب بسيط لأن الدولة المحمدية مرتبطة مقترنة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم , قامت بحلوله إلى يثرب وانتهت بوفاته

الدولة المحمدية رئيسها نبي مرسل من السماء وهو خاتم الرسل والأنبياء وبالتالي فأي رئيس بعده يفتقد لشرط النبوة وبذلك تكون رئاسته ناقصة فاقدة للمشروعية لأنه ليس نبي

الدولة المحمدية رئيسها لا يتصرف من تلقاء نفسه في المعاهدات وفي الحروب وفي سن القوانين وتشريع الأحكام , بل يكون بتوجيه وإشراف ورعاية ربانية من ابسط الأمور ( عدم رفع الصوت مرورا على الخصومات بين الزوجين  الى تقسيم الغنائم والتعامل مع الأسرى ...)

والوحي انقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا يستطيع أي رئيس بعده أن يعيد الاتصال بالوحي

الدولة المحمدية دولة دينية الصبغة , لا وجود فيها للمعارضة , وان وجدت كواقع لكنها لا يعترف بها قانونا بل تجرم وتخون دنيا وآخرة ( المنافقون , الذين في قلوبهم مرض, الاعرب أجدر أن لا يعلموا حدود الله...) حتى ولو كانت معارضته للتوجهات السياسية للدولة لا في أمور الدين

إطاعة رئس الدولة المحمدية فرض عين وواجب شرعي قبل أن يكون من افرازات المدنية , وقد فرض القرآن الكريم طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتوعد بمن لم يطعه بالعذاب في الآخرة وقد يصيبه في الدنيا الجزاء(القتل / الاغتيال)

وبالتالي فالدولة المحمدية هي دولة النبوة, دولة الرسالة, دولة السماء,دولة الله حيث قامت بأمر من الله وبرعاية من الله وبتوجيه الهي ولأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى ولن يعود إلى يوم يبعثون ولأن النبوة انتهت والوحي انقطع فلا تقوم دولة محمدية ثانية.

الوقفة السادسة:دولة المدينة بين الدين والمدنية

يدعي الإسلام السياسي أنه يستمد مشروعيته من دولة المدينة أين أقام الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم أول دولة مدنية مرجعيتها الإسلام دستورها صحيفة الموادعة

وسنحلل هذه الدعوى ليتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود في هذا الأمر

دولة المدينة دولة مدنية بدئها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتغيير اسم يثرب إلى اسم المدينة وما يحمله هذا التغيير من دلالة

كما انه كتب صحيفة الموادعة التي أهم بنودها التكافل بين المؤمنين ونصرة المظلومين واليهود ( بنو عوف) أمة مع المؤمنين , لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وان أي اختلاف أو تأويل يرد حكمه أو تفسيره لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم

القراءة القانونية  للوثيقة تقر أن دولة المدينة لم تقم على الدين (دولة دينية) بل الدين مرجع للدولة , فلم تكن المواطنة على أساس الدين , بل على أساس سكان الإقليم , لذلك كان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين

واحترمت حرية العقيدة وأكدت عليها (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم )

كما أكدت على التكافل ونصرة المظلومين وهي مبادئ تؤكدها المدنية الحديثة

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم ينصب نفسه ملكا على المدينة , ولم يعين من يحكم الدولة بعده رغم انه لم يمت فجأة, حتى وهو في سكرات الموت كان همه الأوحد إمضاء جيش أسامة لمهمته الحربية[6]

إن وجود بعض قطع غيار سيارة يابانية في سيارة أمريكية الصنع لا يجعل من السيارة الأمريكية يابانية[7] كما أن وجود القليل من مادة القطن في لباس حريري لا يجعل من اللباس قطني

إن الدولة المدنية يختار فيها الشعب الحاكم و محمد  صلى الله عليه وآله وسلم اختاره الله , وحينما عرض نفسه على القبائل , لم يعرض نفسه كرئيس دولة له برنامج سياسي للقضاء على مشكل الشعب, بل عرض نفسه كرسول له رسالة , يبحث عن أرضية يمارس فيها الدعوة الدينية بحرية مع توفير له الحماية , لذلك حين وافق احد زعماء القبائل على أن يقبلوا دعوته ويدافعون عنه وعن رسالته بشرط أن يكون لهم الأمر (الحكم) من بعده (وفاته) , رفض وقال :" الأمر بيد الله يضعه أين يشاء"

فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هنا يحمل رسالة سماوية , يبحث عن محضن اجتماعي لرسالته  وبطبيعة الحال المحضن المشروط  بأطماع دنيوية يكون محضن غير صالح لتفرخ فيه الرسالة السماوية وان حدث وفرخت فستنتج مسوخ مشوهة لا تصلح للعادة ولا للعبادة ولا للدنيا ولا للدين  ولو كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبحث عن أرضية لبناء دولة لوافق الحال في الحال حتى يؤسس دولته ويعلي ركائزها وبعدها يستطيع التملص او المناورة من الشرط كما تنص على ذلك ابجاديات السياسة المتأرجحة بين الضعف والتمكين فلكل مقام مقال

كما أن في الدولة المدنية هناك الفصل بين السلطات الثلاثة  التشريعية والتنفيذية والقضائية , في حين ان في الدولة المدينة كانت السلطات الثلاثة بيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يفصل في الخصومات بين الناس وهو الذي يبرم المعاهدات والاتفاقيات وهو الذي يقود الحروب ويأمر بالغزوات ويشرع في كافة المجالات

في الدولة المدنية تحدد العهدات الرئاسية بينما في دولة المدينة كان حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حكم غير مرتبط بمدة معلومة بل ارتبط بحياته

في الدولة المدنية تود المعارضة وهي محمية بقوة القانون مادامت تمارس معارضتها للنظام الحاكم لا للدولة بطرق سلمية علنية

أما في دولة المدينة تصنف المعارضة على أساس ديني (النفاق)

في الدولة المدنية هناك طرق الطعن في الأحكام القضائية (الاستئناف,النقض, المعارضة) وهو حق قانوني لمن رأى ان الحكم القضائي غير شرعي او غير مؤسس او انه مجحف

أما في الدولة المدنية فالأحكام القضائية التي يصدرها صلى الله عليه وآله وسلم غير قابل للطعن لا بالطرق العادية ولا بالطرق غير العادية وأي معترض يدخل في دائرة المساس بأمن الدولة( كافر, منافق, مرتد)

وبالتالي فدولة المدينة دولة غير مدنية ولا يعني ذلك إنها على النقيض (دولة ديكتاتورية)بل دولة المدينة دولة اكبر من التسميات الحديثة وتتجاوزها جميعا لأنها دولة السماء, دولة الدين الحي الذي انقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

الوقفة السابعة:الدولة الإسلامية والطاهرة التاريخية

إذا طرح سؤال ما هو أسس نظام الحكم في الإسلام فسوف تكون الإجابة أن أهم الأسس هي الاختيار , البيعة , الشورى,, مسؤولية الحاكم أمام الأمة , حق كل فرد من الرعية أن ينصح الحاكم ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر

لكن هل هذه الأسس لها سند شرعي واضح في القران والسنة الصحيحة , الذي لا يقبل تأويل , جاءت في نص واحد  قطعي الثبوت, قطعي الدلالة , أم أنها مجموعة من هنا وهناك , إن اتفق على أساس واحد منها اختلف في أسس ؟

يجمع علماء السنة على أن نظام الحكم في الإسلام لم يعالج ويفصل فيه من عند الله عز وجل أو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أهميته , رغم انه تم الفصل في قضايا ذات شأن اقل بالنسبة للمجتمع المسلم على تنوعها (الجهاد, البيع, الربا,الزواج, السرقة,الخمر, التبني,الشهادة...)وحتى في الآداب ( التحية, عدم رفع الصوت ...)

كما فصّل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما جمل مما سبق من أحكام وتوسع حتى إلى آداب قضاء الحاجة , حيث لم يترك الإسلام من الأمور كبيرها وصغيرها إلا وعالجه في مجتمع المدينة ( السرقة من مال الزوج الشحيح,اللعب مع الأطفال,الصدقة...)

رغم هذا لم يتكلم الله عز وجل ولا رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في نظام الحكم , لا في أسسه ولا في هياكله ولا مواصفات من يتولاه, كما فصل في الصلاة والصوم والحج من أركان وشروط ومبطلات ...

والعلماء الذين ألفوا كتب السياسة الشرعية[8]وضعوا تلك الأسس باعتبارها تصرفات قام بها من تولى أمر المسلمين من باب تقرير حالة (واقع فارض نفسه) كظاهرة تاريخية وان نسبها للإسلام , ليس لأن الإسلام مصدرها (الشرعية الدينية) بل كتصرف بشري صادر من فرد (أو مجموعة) مسلم يحتمل الصواب والخطاء, حتى لو كان صائب في مرحلة زمانية أو بقعة مكانية (والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان) صبغ بالصبغة الإسلامية التي تني الديمومة والشمولية والتأبيد

وبذلك تلقف علماؤنا الأفاضل تلك الأفعال والتصرفات في مجال الإمارة ثم بحثوا لها عن سند شرعي يؤيد تلك الاتجاهات  من آية وحديث , حتى ولو كانت الاتجاهات مختلفة إن لم نقل متناقضة وربما لو قام بها احد غير الخلفاء الراشدون لتهم بمخالفة السنة والتبديع في الدين

لو أخذنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يوص وان استنتج العلماء من بعده بعد استنطاق النصوص وتأويل الأحداث بأنه لمّح - والتلميح لا يغني عن التصريح – حين أمّر أبو بكر رضي الله عنه ليصلي بالناس فتحدث علماؤنا الأفاضل عن الإمامة الصغرى والكبرى, رغم انه لا يوجد في المسألة قياس, فقد تتوفر في شخص ما مواصفات إمامة الناس في الصلاة من حفظ القران وصوت حسن وورع وتقوى , لكنه لا يملك كاريزما قيادية فالعبادة خلاف القيادة والإمامة غير السياسة

و الأنصار كادوا أن ينصبوا سعد بن عبادة خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اجتماعهم بالسقيفة[9] لولا تدخل نفر من الصحابة , وقد أقر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تنصيب أبو بكر رضي الله عنه كخليفة كان فلتة (فجأة)[10][11] دون ان ننسى ان بنو هاشم قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مشغلون في تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لدفنه ولو كانوا حاضرين للسقيفة لكان هناك مجرى آخر للحدث ...

وابو بكر رضي الله عنه حين علم انه يحتضر اوصى في كتاب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه  بالخلافة من بعده , رغم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو يوص في كتاب ,أو لنقل رفض بعض الصحابة اتيانه بكتاب يكتب فيه وصيته التي ان عملوا بها لن يضلوا بعده [12]

والضلالة هنا ليست بالمعنى الديني لأن الدين اكتمل والقرآن ختم بل الضلالة السياسية التي كانت من افرزاتها الفتنة الكبرى

بينما عمر بن الخطاب اختار ستة ليختاروا واحد منهم , فكل حاكم من أوائل ثلاثة حكام متعاقبين على الدولة الإسلامية كانت لكل واحد منهم طريقة مختلفة عن الحاكم الذي سبقه ان لم نقل متناقضة ...

فان كان نظام الحكم في الإسلام من الشرع فالواجب إتباع سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما خالفها كان بدعة سواء كانت طريقة أبو بكر رضي الله عنه أو طريقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه , وان لم يكن نظام الحكم في الإسلام من الشرّع بل من مقتضيات الواقع وافرزاته الاجتماعية فمن الإجحاف حصر طريقة اختيار الحاكم في ثلاث طرق وإصباغها الصبغة الشرعية , رغم أنها تصرفات تاريخية وليدة ضرورة اجتماعية معينة

أما بالنسبة للبيعة فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم تم مبايعته بصفته صاحب رسالة سماوية لا صاحب برنامج رئاسي وبالتالي فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وضع خاص باعتباره صاحب دولة دينية قامت بقدومه للمدينة وانتهت بوفاته[13]

والبيعة هل تكون عامة أم خاصة, وهل تبدأ من النخبة لتتوسع للعامة كتحصيل حاصل, وهل المهم فيها بيعة أهل العاصمة السياسية ( المدينة) أم بيعت الأمصار,فإذا تم بيعت العاصمة السياسية ورفضت الشام كعاصمة اقتصادية وواليها البيعة هل نكون في حالة إعلان تمرد؟

وما حكم من رفض البيعة ومات ( سعد بن معاذة رضي الله عنه) وهو لم يبايع خليفتين ( ابو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما) وهو من كبار رجال الدولة وليس من عامة الناس وقد سمع هو أيضا الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :" من مات ولم يبايع مات ميتة جاهلية."

وربما هذا هو سبب مقتله , حين يخبرنا مؤرخونا انه قتلته الجن لأنه بال واقفا

أما الشورى فهل هي ملزمة أم اختيارية, وهل موجهة للعامة أم للخاصة؟

فالخليفة أبو بكر رضي الله عنه لم يلتزم بما أشار عليه كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم مقاتلة ممتنعي الزكاة لأنهم يشهدون بالشهادتين ولا يحل دمهم إلا بمفارقتها (الردة)[14]

أصرّ أبو بكر رضي الله عنه على رأيه ونفذه دون وجود سند شرعي لهدر دمهم , ولو كان هناك سند شرعي لما احتاج إلى المشاورة لأنه لا يخشى في الله لومة لائم 

وان كان امتناعهم له صبغة سياسية كمعارضة لعدم بيعتهم أو إشراكهم في امر الاستخلاف أو لأنهم يرون هناك  الأفضل من أبي بكر رضي الله عنه ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...

كان محاربة أبو بكر رضي الله عنه للممتنعين لحماية الدولة لا للحماية الدين ,لأجل تكسير شوكتهم وبعث  رسالة واضحة أن من يفكر في الخروج عن الدولة الوليدة يكون مصيره القتل , حتى لا يكون هناك تمرد شامل في كافة الأقاليم وتجهض الدولة الفتية

وبالتالي من السياسة أخذ الأمر بكل عزم باعتبار الصلاحيات التي له ,لأن الاستشارة تكون في الأمور العادية لا الظروف الاستثنائية حين تمر بها البلاد كالطوارئ , وحالة الحرب ,حيث تعلن الأحكام العرفية وبالتالي فان الاستشارة كانت على سبيل الاستئناس

معنى هذا أن تصرف الخليفة لم يكن نابع من أساس ديني , بل من أساس بشري اقتضته الظروف الجديدة ومصالح الدولة الفتية

كما أن البيعة عقد رضائي  بين طرفين المترشح للخلافة  والجموع المبايعة , تنصبه حاكما عليها لخدمتها ورعاية شؤونها وسياسة مصالحها ومادام هو ملتزم بالتزاماته تلتزم هي بالسمع والطاعة وان أخل بأحد شروط العقد والعقد شريعة المتعاقدين فهي حل من العقد ولا سمع له ولا طاعة, فالحاكمية للأمة , كان يتصرف الحاكم في المال العام على انه مال خاص وفي مناصب الدولة على أنها ملكية عائلية , ثم يجيب الجموع التي تطالبه بالعدل والإنصاف في تقسيم الثروات وتوزيع المناصب ثم طالبته بالتنحية بعدها أطبقت عليه الحصار وهددته بالقتل أن لم يتنحى يجيبها بأن الخلافة لباس ألبسه إياه الله ولا يحق له ولا لغيره نزعه منه وليس عقد رضائي تم بين الطرفين (الخليفة والأمة) فيقتل الخليفة ويترك دون دفن لمدة ثلاثة أيام ليدفن في غير مقبرة المسلمين دون غسل واختلف في الصلاة عليه ودفن خفية تحت جنح الظلام [15]

هذه بعض الأمثلة القليلة مستقاة من زمن الخلافة الراشدة القريبة العهد من النبوة في وسط رجال عاصروا  الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا من كبار رجالات الدولة المحمدية ليكونوا بعده خلفاء له في تسييرها

مما سبق يتبين أن الدولة في الإسلام لم تكون وليدة نص ديني ولا مسيّجة بسياج شرعي كما يدعي تيار الإسلام السياسي , بل هي وليدة ظروف تاريخية معينة ,حددت معالمها نتيجة تراكمات بشرية في سياق التجربة وان حاول علماؤنا إضفاء على هذه التصرفات الصبغة الدينية حتى لا تناقش أخطاؤهم  مع إلا قرار بعدم معصوميتهم ليكون ذلك مغنما لمن جاء بعدهم في إطار الملك الغضوض , وأن الدولة في الإسلام هي ظاهرة تاريخية لا دولة دينية

 

[1] والتي لم تحتل (الحجاز واليمن) لم تقم فيها دولة بل كانت قبائل متصارعة وان لم تكن متنازعة لم تكن متحدة, يحكم المنطقة نظام قبلي صرف

[2] وان كانت شكلية صورية أضرت بالإسلام وانتفعت به

[3] راجع مقالنا  دولة الرسول ومقالنا دولة المدينة بين الدين والمدنية

[4]- انظر مقالنا الدولة الاسلامية الراشدة

[5] انظر مقالنا الدين والدولة

[6] يختلف الفكر الشيعي الامامي حيث يعتقد بأن الرسول أوصى لعلي (رضي الله عنه) مدللين على ذلك بأحاديث موجودة في صحاح السنة  وسنعالج هذا الاعتقاد كفكر ديني وليس كعقيدة في مقال مستقل

[7]كنت أتمنى أن اضرب مثلا بسيارات عربية الصنع لكن ...

[8] على ندرتها مقارنة بالكتب التي صنفت في العقائد والفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث ...

[9] سنخصص مقال مستقل نحاول أن نحلل فيه مجرى الأحداث في السقيفة

[10]اخرج البخاري في صحيحه  واحمد في مسنده : " قال عمر : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ,ألا وأنها قد كانت كذلك , ولكن الله وقى وشرها."

[11] الفلتة : الفجأة , الأمر يقع من غير أحكام ولم يكون عن تدبر ولا ترو

5عن ابن عباس قال:" لما حضر رسول الله  وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر ان النبي غالب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله, فاختلفوا أهل البيت فاختصموا  منهم من يقول قربوا يكتب  لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده , ومنهم من يقول  ما قال عمر , فلما كثر اللغو والاختلاف عند النبي , قال رسول الله : قوموا , قال عبد الله فكان ابن عباس يقول :ان الرزية كل الرزية و ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ( البخاري / مسلم /أحمد)

[13] راجع مقال : الدولة الدينية

[14] لا حظ هنا أنهم لم ينكرونها بل رفضوا منحها للحاكم الجديد مع إقرارهم بالإسلام  فتصرفهم هذا يندرج في المعارضة السلمية للسلطة الحاكمة  الجديدة

[15] في مجمع الزوائد : عن مالك يعني ابن انس قال:قتل عثمان فأقام مطروحا على كناسة (أزبال) بني فلان ثلاثا وأتاه اثنا عشر رجلا منهم جدي مالك بن ابي عمر , وحويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزوبير وعائشة بنت عثمان , معهم مصباح في حق , حملوه على باب وأن رأسه تقول على الباب طق طق , حتى أتوا به البقيع فاختلفوا في الصلاة عليه, فصلى عليه حكيم بن حزام أو حويطب بن عبد العزى , شك عبد الرحمان , ثم أرادوادفنه  فقام رجل من بني مازن فقال لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غدا , فحملوه  حتى أتوا به حش كوكب فلما دلوه في قبره صاحت عائشة بنت عثمان فقال لها ابن الزوبير : اسكتي فوالله لئن عدت لأضربن الذي فيه عينيك ,فلما دفنوه  وسووا عليه التراب , قال لها ابن الزوبير: صيحي ما بدا لك ان تصيحي


1-     جمال البنا     الحكم بالقرآن

2-     جمال البنا     الإسلام والحرية والعلمانية

3-     جمال البنا     هل يمكن تطبيق الشريعة

4-     خليل عبد الكريم       الإسلام بين الدولة الدينية  والدولة المدنية

5-     خليل عبد الكريم       النص المؤسس ومجتمعه

6-     خليل عبد الكريم       قريش من القبيلة الى الدولة المركزية

7-     برهان غليون          نقد السياسة الدولة والدين

8-     هادي العلوي           فصول من تاريخ الإسلام السياسي

9-     محمد سعيد العشماوي            الإسلام السياسي

10-                       ابو يعرب المرزوقي       نظريات السلطة السياسية في الفكر العربي الإسلامي

11-                       سيد محمود القمني       الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية

12-                       سيد محمود القمني       حروب دولة الرسول (جزأين)

13-                       عبد الكريم سروش       الدين العلماني ( ترجمة احمد القابنجي)

14-                       علي عبد الرزاق         الإسلام وأصول الحكم

15-                       محمد عمارة              الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية

16-                       حيدر ابراهيم علي      أزمة الإسلام السياسي (الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجا)

17-                       أبو بلال عبد الله الحامد  هل نكف علم السياسة عن ما شجر بين الصحابة

18-                       أبو بلال عبد الله الحامد      ثلاثية المجتمع المدني

19-                       فتحي غانم             أزمة الإسلام مع السياسة

20-                       عادل ضاهر           أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق