]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاسلام والظاهرة التاريخية

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2012-02-18 ، الوقت: 13:01:13
  • تقييم المقالة:

إذا طرح سؤال ما هو أسس نظام الحكم في الإسلام فسوف تكون الإجابة أن أهم الأسس هي الاختيار , البيعة , الشورى,, مسؤولية الحاكم أمام الأمة , حق كل فرد من الرعية أن ينصح الحاكم ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر

لكن هل هذه الأسس لها سند شرعي واضح في القران والسنة الصحيحة , الذي لا يقبل تأويل , جاءت في نص واحد  قطعي الثبوت, قطعي الدلالة , أم أنها مجموعة من هنا وهناك , إن اتفق على أساس واحد منها اختلف في أسس ؟

يجمع علماء السنة على أن نظام الحكم في الإسلام لم يعالج ويفصل فيه من عند الله عز وجل أو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أهميته , رغم انه تم الفصل في قضايا ذات شأن اقل بالنسبة للمجتمع المسلم على تنوعها (الجهاد, البيع, الربا,الزواج, السرقة,الخمر, التبني,الشهادة...)وحتى في الآداب ( التحية, عدم رفع الصوت ...)

كما فصّل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما جمل مما سبق من أحكام وتوسع حتى إلى آداب قضاء الحاجة , حيث لم يترك الإسلام من الأمور كبيرها وصغيرها إلا وعالجه في مجتمع المدينة ( السرقة من مال الزوج الشحيح,اللعب مع الأطفال,الصدقة...)

رغم هذا لم يتكلم الله عز وجل ولا رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في نظام الحكم , لا في أسسه ولا في هياكله ولا مواصفات من يتولاه, كما فصل في الصلاة والصوم والحج من أركان وشروط ومبطلات ...

والعلماء الذين ألفوا كتب السياسة الشرعية[1]وضعوا تلك الأسس باعتبارها تصرفات قام بها من تولى أمر المسلمين من باب تقرير حالة (واقع فارض نفسه) كظاهرة تاريخية وان نسبها للإسلام , ليس لأن الإسلام مصدرها (الشرعية الدينية) بل كتصرف بشري صادر من فرد (أو مجموعة) مسلم يحتمل الصواب والخطاء, حتى لو كان صائب في مرحلة زمانية أو بقعة مكانية (والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان) صبغ بالصبغة الإسلامية التي تني الديمومة والشمولية والتأبيد

وبذلك تلقف علماؤنا الأفاضل تلك الأفعال والتصرفات في مجال الإمارة ثم بحثوا لها عن سند شرعي يؤيد تلك الاتجاهات  من آية وحديث , حتى ولو كانت الاتجاهات مختلفة إن لم نقل متناقضة وربما لو قام بها احد غير الخلفاء الراشدون لتهم بمخالفة السنة والتبديع في الدين

لو أخذنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يوص وان استنتج العلماء من بعده بعد استنطاق النصوص وتأويل الأحداث بأنه لمّح - والتلميح لا يغني عن التصريح – حين أمّر أبو بكر رضي الله عنه ليصلي بالناس فتحدث علماؤنا الأفاضل عن الإمامة الصغرى والكبرى, رغم انه لا يوجد في المسألة قياس, فقد تتوفر في شخص ما مواصفات إمامة الناس في الصلاة من حفظ القران وصوت حسن وورع وتقوى , لكنه لا يملك كاريزما قيادية فالعبادة خلاف القيادة والإمامة غير السياسة

و الأنصار كادوا أن ينصبوا سعد بن عبادة خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اجتماعهم بالسقيفة[2] لولا تدخل نفر من الصحابة , وقد أقر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تنصيب أبو بكر رضي الله عنه كخليفة كان فلتة (فجأة)[3][4] دون ان ننسى ان بنو هاشم قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مشغلون في تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لدفنه ولو كانوا حاضرين للسقيفة لكان هناك مجرى آخر للحدث ...

وابو بكر رضي الله عنه حين علم انه يحتضر اوصى في كتاب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه  بالخلافة من بعده , رغم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو يوص في كتاب ,أو لنقل رفض بعض الصحابة اتيانه بكتاب يكتب فيه وصيته التي ان عملوا بها لن يضلوا بعده [5]

والضلالة هنا ليست بالمعنى الديني لأن الدين اكتمل والقرآن ختم بل الضلالة السياسية التي كانت من افرزاتها الفتنة الكبرى

بينما عمر بن الخطاب اختار ستة ليختاروا واحد منهم , فكل حاكم من أوائل ثلاثة حكام متعاقبين على الدولة الإسلامية كانت لكل واحد منهم طريقة مختلفة عن الحاكم الذي سبقه ان لم نقل متناقضة ...

فان كان نظام الحكم في الإسلام من الشرع فالواجب إتباع سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما خالفها كان بدعة سواء كانت طريقة أبو بكر رضي الله عنه أو طريقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه , وان لم يكن نظام الحكم في الإسلام من الشرّع بل من مقتضيات الواقع وافرزاته الاجتماعية فمن الإجحاف حصر طريقة اختيار الحاكم في ثلاث طرق وإصباغها الصبغة الشرعية , رغم أنها تصرفات تاريخية وليدة ضرورة اجتماعية معينة

أما بالنسبة للبيعة فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم تم مبايعته بصفته صاحب رسالة سماوية لا صاحب برنامج رئاسي وبالتالي فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وضع خاص باعتباره صاحب دولة دينية قامت بقدومه للمدينة وانتهت بوفاته[6]

والبيعة هل تكون عامة أم خاصة, وهل تبدأ من النخبة لتتوسع للعامة كتحصيل حاصل, وهل المهم فيها بيعة أهل العاصمة السياسية ( المدينة) أم بيعت الأمصار,فإذا تم بيعت العاصمة السياسية ورفضت الشام كعاصمة اقتصادية وواليها البيعة هل نكون في حالة إعلان تمرد؟

وما حكم من رفض البيعة ومات ( سعد بن معاذة رضي الله عنه) وهو لم يبايع خليفتين ( ابو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما) وهو من كبار رجال الدولة وليس من عامة الناس وقد سمع هو أيضا الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :" من مات ولم يبايع مات ميتة جاهلية."

وربما هذا هو سبب مقتله , حين يخبرنا مؤرخونا انه قتلته الجن لأنه بال واقفا

أما الشورى فهل هي ملزمة أم اختيارية, وهل موجهة للعامة أم للخاصة؟

فالخليفة أبو بكر رضي الله عنه لم يلتزم بما أشار عليه كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم مقاتلة ممتنعي الزكاة لأنهم يشهدون بالشهادتين ولا يحل دمهم إلا بمفارقتها (الردة)[7]

أصرّ أبو بكر رضي الله عنه على رأيه ونفذه دون وجود سند شرعي لهدر دمهم , ولو كان هناك سند شرعي لما احتاج إلى المشاورة لأنه لا يخشى في الله لومة لائم 

وان كان امتناعهم له صبغة سياسية كمعارضة لعدم بيعتهم أو إشراكهم في امر الاستخلاف أو لأنهم يرون هناك  الأفضل من أبي بكر رضي الله عنه ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...

كان محاربة أبو بكر رضي الله عنه للممتنعين لحماية الدولة لا للحماية الدين ,لأجل تكسير شوكتهم وبعث  رسالة واضحة أن من يفكر في الخروج عن الدولة الوليدة يكون مصيره القتل , حتى لا يكون هناك تمرد شامل في كافة الأقاليم وتجهض الدولة الفتية

وبالتالي من السياسة أخذ الأمر بكل عزم باعتبار الصلاحيات التي له ,لأن الاستشارة تكون في الأمور العادية لا الظروف الاستثنائية حين تمر بها البلاد كالطوارئ , وحالة الحرب ,حيث تعلن الأحكام العرفية وبالتالي فان الاستشارة كانت على سبيل الاستئناس

معنى هذا أن تصرف الخليفة لم يكن نابع من أساس ديني , بل من أساس بشري اقتضته الظروف الجديدة ومصالح الدولة الفتية

كما أن البيعة عقد رضائي  بين طرفين المترشح للخلافة  والجموع المبايعة , تنصبه حاكما عليها لخدمتها ورعاية شؤونها وسياسة مصالحها ومادام هو ملتزم بالتزاماته تلتزم هي بالسمع والطاعة وان أخل بأحد شروط العقد والعقد شريعة المتعاقدين فهي حل من العقد ولا سمع له ولا طاعة, فالحاكمية للأمة , كان يتصرف الحاكم في المال العام على انه مال خاص وفي مناصب الدولة على أنها ملكية عائلية , ثم يجيب الجموع التي تطالبه بالعدل والإنصاف في تقسيم الثروات وتوزيع المناصب ثم طالبته بالتنحية بعدها أطبقت عليه الحصار وهددته بالقتل أن لم يتنحى يجيبها بأن الخلافة لباس ألبسه إياه الله ولا يحق له ولا لغيره نزعه منه وليس عقد رضائي تم بين الطرفين (الخليفة والأمة) فيقتل الخليفة ويترك دون دفن لمدة ثلاثة أيام ليدفن في غير مقبرة المسلمين دون غسل واختلف في الصلاة عليه ودفن خفية تحت جنح الظلام [8]

هذه بعض الأمثلة القليلة مستقاة من زمن الخلافة الراشدة القريبة العهد من النبوة في وسط رجال عاصروا  الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا من كبار رجالات الدولة المحمدية ليكونوا بعده خلفاء له في تسييرها

مما سبق يتبين أن الدولة في الإسلام لم تكون وليدة نص ديني ولا مسيّجة بسياج شرعي كما يدعي تيار الإسلام السياسي , بل هي وليدة ظروف تاريخية معينة ,حددت معالمها نتيجة تراكمات بشرية في سياق التجربة وان حاول علماؤنا إضفاء على هذه التصرفات الصبغة الدينية حتى لا تناقش أخطاؤهم  مع إلا قرار بعدم معصوميتهم ليكون ذلك مغنما لمن جاء بعدهم في إطار الملك الغضوض , وأن الدولة في الإسلام هي ظاهرة تاريخية لا دولة دينية

[1] على ندرتها مقارنة بالكتب التي صنفت في العقائد والفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث ...

[2] سنخصص مقال مستقل نحاول أن نحلل فيه مجرى الأحداث في السقيفة

[3]اخرج البخاري في صحيحه  واحمد في مسنده : " قال عمر : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ,ألا وأنها قد كانت كذلك , ولكن الله وقى وشرها."

[4] الفلتة : الفجأة , الأمر يقع من غير أحكام ولم يكون عن تدبر ولا ترو

5عن ابن عباس قال:" لما حضر رسول الله  وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر ان النبي غالب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله, فاختلفوا أهل البيت فاختصموا  منهم من يقول قربوا يكتب  لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده , ومنهم من يقول  ما قال عمر , فلما كثر اللغو والاختلاف عند النبي , قال رسول الله : قوموا , قال عبد الله فكان ابن عباس يقول :ان الرزية كل الرزية و ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ( البخاري / مسلم /أحمد)

[6] راجع مقال : الدولة الدينية

[7] لا حظ هنا أنهم لم ينكرونها بل رفضوا منحها للحاكم الجديد مع إقرارهم بالإسلام  فتصرفهم هذا يندرج في المعارضة السلمية للسلطة الحاكمة  الجديدة

[8] في مجمع الزوائد : عن مالك يعني ابن انس قال:قتل عثمان فأقام مطروحا على كناسة (أزبال) بني فلان ثلاثا وأتاه اثنا عشر رجلا منهم جدي مالك بن ابي عمر , وحويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزوبير وعائشة بنت عثمان , معهم مصباح في حق , حملوه على باب وأن رأسه تقول على الباب طق طق , حتى أتوا به البقيع فاختلفوا في الصلاة عليه, فصلى عليه حكيم بن حزام أو حويطب بن عبد العزى , شك عبد الرحمان , ثم أرادوادفنه  فقام رجل من بني مازن فقال لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غدا , فحملوه  حتى أتوا به حش كوكب فلما دلوه في قبره صاحت عائشة بنت عثمان فقال لها ابن الزوبير : اسكتي فوالله لئن عدت لأضربن الذي فيه عينيك ,فلما دفنوه  وسووا عليه التراب , قال لها ابن الزوبير: صيحي ما بدا لك ان تصيحي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق