]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رواية المروخ المنديسي ( الفصل الأول )

بواسطة: منال عبد االحميد  |  بتاريخ: 2012-02-06 ، الوقت: 19:10:37
  • تقييم المقالة:

 

الفصل الأول.. زيجة أخري !

عبر جدار الزمن الصلد توجد عدة ثغرات .. هي من فعل معاول هدم التاريخ .. ضيقة جداً نعم !  لكن ما باليد حيلة !

حشرنا رؤوسنا في إحداها..لنري .. ولنسمع.. ولنكون هناك.. هناك .. هناك.. حيث نحب جميعاً أن نكون !

************ "1"

قنتير .. " بررعمسيس ".. عام 1294ق.م

اليوم الأول.. من الشهر الخامس.. من السنة السابعة .. لحكم " وسر ماعت رع . ستب إن رع " رعمسيس الثاني.. فرعون مصر !

 " سيتزوج ؟! "

 " أجل يا " شبنو ".. الفرعون سيتزوج ! "

 " لكن لماذا .. ما السبب.. هل اختلفتما معا ؟! "

 " أنا لم أختلف طيلة عمري مع الفرعون.. وإذا أردت معرفة سبب زواجه بأخرى.. فسليه.. فهو أدري ! "

 " اهدئي.. اهدئي يا مولاتي ! وطيبي بالاً.. فلن يجد مولاي الفرعون في الدنيا أدفأ له من أحضانك.. سيعود إليك..حتماً سيعود إليك ! "

 " لقد فعلها من قبل مراراً ! وفي كل مرة كنت واثقة من عودته.. ولكن تلك المرة.. ومع امرأة كهذه.. فلا أظن ! "

 " ومن تكون يا مولاتي ! "

 " " إست ".. " إست نفرت " ! "

 " " إست نفرت ".. كيف هذا ؟! ألم يجد مولاي الفرعون سوي هذه أل .. الماكرة المحتالة ؟! "

 " من سوء حظي.. من سوء حظي يا " شبنو " ! "

 " بل من حسن حظ مولاتي ! "

 " كيف هذا ؟! "

 " هذه المرأة لا تُعاشر.. لا تُطاق ! ولقد طلقها زوجها الأول لفرط سوءها ولأنها مررت عيشه ! ألا تذكر مولاتي ما فعلته بزوجها " عنخ.. ساتت " ؟! لقد دمرته ! "

 " ثم ؟! "

 " ثم تتزوج مولانا الفرعون فتُمتعه قليلاً.. ثم لا تلبث وتعاود سيرها الأول.. وتنغص عيش مولاي.. فيملها الفرعون.. ولا يجد أمامه سوي تطليقها.. أو على الأكثر.. يدفع بها إلى حظائر جواريه ! ثم تعود مولاتي سيدة القصور.. وربة قلب الفرعون ! "

 " بضع أحلام ! إنها ليست بهذا الخطل والغباء ! "

 " ثقي بنفسك يا سيدتي.. " نفرتاري " الجميلة  لا تُقهر ! "

 " بل قُهرت .. قُهرت يا " شبنو " وانتهي الأمر! أنت لا تعرفين كيف كان وقع النبأ على ! كان شديداً قاسياً.. لم أصدقه وقتها.. ولا زلت لا أصدق حتى الآن ! "

 " أعرف يا مولاتي ! لكن لا ندع هذا يؤثر على أبصارنا وعقولنا.. ويفقدنا اتجاهنا السليم ! "

 " لا اتجاه سليم.. أو غير سليم ! لقد قررت الرحيل ! "

 " ترحلين يا مولاتي.. ترحلين ! وتتركين لها ساحة القتال تمرح فيها كما تشاء ؟! "

 " بضعة أيام .. بضعة أيام فقط ! "

 " ولا حتى بضع ساعات ! إن هذا سوف يكون خطأً كبيراً.. لن نجد وسيلة لإصلاحه فيما بعد ! "

 " " شبنو " ! إن أعصابي تالفة ومحطمة.. ومن الأفضل لي أن أستريح لبعض الوقت .. ثم أني لعائدة !  أقسم أن أعود لهما.. ولسوف يري كلا منهما ما يستحقه ! لأرينها هي كيف تخطف الأزواج من حضن زوجاتهم الوفيات .. أما هو.. جلالة الفرعون  المبجل ! فسوف أعلمنه ألا يعود للخيانة والغدر أبداً .. أبداً !! "

 " أتوسل إليك يا مولاتي.. بحق الآلهة.. اهدئي ! "

 " الآلهة ؟! سحقاً لها جميعاً ! ألم يكفها أن أخذت مني ولداي في فرحة الصبا ؟! بل استدارت عليه هو لتحرمني منه .. وأنا التي ضيعت كل وقتي في

تقديم القرابين ل " آمون "  و" موت " و" خنسو "*.. وفي نثر أندر العطور على مذبح " ست " وتوجيه الأدعية والصلوات ل" إيزيس " و" خنوم " ! كل أولئك ذهبوا سدي ! وإني لنادمة .. أنا الملومة حقاً ! ما كان يجب أن أبدد وقتي في هذه الترهات ! بل ربما كان يجب أن أتوجه بالقربات ل" عشتار " أو " تشوب " أفضل !"

" مولاتي أرجوك !ِ  هدئي من روعك.. وطيبي بالاً.. سوف يعود ثانية.. ولسوف ترين ! "

 " يعود أولا يعود ! كل ما يعنيني الآن هو الهروب من هذا الموقف بأي ثمن ! يجب

* ثالوث طيبة المقدس

أن أرحل ! "

 " لقد قلت لكِ يا مولاتي من قبل .. لا خير في الهروب.. ولا جدوى منه.. المواجهة هي أفضل سبيل الآن "

 " أفتني بحكمتك يا " شبنو ".. كيف السبيل إلى مواجهة مثل هذا الموقف ؟!

هل أستطيع أنا منع الفرعون من إتمام زواجه بهذه ال " إست نفرت " ؟! أم تراك تريدين مني أن أبقي هنا لأتجرع كأس المرارة لآخره.. وأنا أراها بجانبه .. وقد أكلت خبزي وأخذت مكاني ! أهذا ما تريدينه لي ؟! كلا.. لن أظل في هذا القصر لحظة واحدة.. ولسوف أذهب ! "

 " إلى أين يا مولاتي .. أين سنذهب ؟! "

 " إلى أي مكان ! أي مكان سوف يكون أرحم لي من هنا.. " منف ".. " أهناسيا ".. " طيبة " .. " منديس " .. أي مكان أريح فيه أعصابي قليلاً ! "

************ "2"

 " راحلة ! إلى أين ؟! "

 " لا أدري يا " حنت "! قالت أنها تريد أن تريح أعصابها المكدودة بضعة أيام ! "

 " إن مولاتك ترتكب ؛ ولا شك ؛ خطأً جسيماً ! "

 " قلت لها ذلك فما استمعت إلى ! وعلى أي حال.. فهي معذورة يا " حنت ".. إن الأمر جد صعب وقاسي عليها ! "

" صعب وقاسي ! أهي أول مرة ؟! لقد فعلها الفرعون من قبل ذلك مرات إثر مرات.. كم من زوجة ؛ وحظية ؛ وخليلة دخلن هذا القصر.. وتسابقن للفوز بقلب وذهب الفرعون.. تحت سمع وبصر مولاتك.. فما الذي تغير هذه المرة ؟! "

 " الذي تغير هذه المرة هو المرأة ! المرأة التي سوف تدخل القصر.. وأنت تعلمين من هي.. وما الذي تستطيع فعله ! "

" " إست نفرت " لن تستطيع فعل أي شيء يا " شبنو " ! إنها لن تكون سوي نزوة عابرة.. مثل اللائي سبقنها.. واللائي سيلحقن بها.. نزوة؛ عبث؛ ليلة قمرية ناعمة.. ثم لا شيء ! "

 " هذا ما أقوله أنا أيضاً لمولاتي لأهدئ من روعها.. أقوله وأنا واثقة من عدم صحته ! " إست نفرت " قادمة لا محالة.. ثم لا أحد يعلم ماذا سيحدث لنا بعدها ! "

 " ماذا في رأيك يا " شبنو " ؟! نحن لسنا إلا جواري وخدام لهن.. و" إست نفرت " لن تكون أسوأ ممن سبقنها ! سيدة تأمر .. ثم يتوجب علينا الطاعة .. والتراجع بظهورنا لخلف ؛ ونحن نردد " أمر مولاتي " " أمر صاحبة الجلالة " " السمع والطاعة.. أيوجد ما ينتظرنا أسوأ من ذلك يا " شبنو " ؟! لا أظن ! "

 " لسن كلهن سواء.. لسن كلهن ! فمولاتي مثلاً... "

 " سحقاً لها هي الأخرى ! لربما كانت " إست نفرت " أفضل منها ! "

 " " حنت " ! "

 " لا تغضبي هكذا وترعدي وتبرقي ! لقد قلتها لك من قبل ألف مرة.. السادة كلهم سواء ! هل ما زلت تذكرين " الخانوم " يا " شبنو " ؟! "

 " وكيف أنساه !! كيف أنسي معلمي.. ووطني العظيم .. قبل أن نؤسر ويأتوا بنا إلى هنا ! ويغيروا أسمائنا ؛ ويمنحونا تلك الأسماء المصرية.. لكنني أحب الملكة " نفرتاري " !"

 " أما أنا فأمقتهم جميعاً ! منذ أن كنت صبية أخدم الملك " سيتي " .. وأنا لم أحب منهم أحداً ! "

 " و" آسيا " ؟! "

 " لقد ذهبت " آسيا ".. وذهبت أيامها ! "

 " لقد كنت تحبينها .. أليس كذلك ؟! "

 " كانت عطوفة.. وكنت أرتاح لخدمتها.. لا أكثر من ذلك ! "

 " جاحدة أنت.. جاحدة للغاية يا " حنت " ! "

 " إنني أكره هذا الاسم المصري ! أسمعي يا " شبنو ".. دعينا نتفق .. أناديك أمامهم ب " شبنو " وتناديني أنت ب" حنت " .. كما هو المعتاد ،  ولكن بيننا وبين بعضنا .. فلتنادي كل منا الأخرى باسمها الحقيقي ! لكم أحن لأسمي الأصلي.. أسمي الذي حرمت منه.. كما حرمت من كل أشيائي الحبيبة .. اتفقنا يا " شبنو " ؟! "

 " هاأنتذا أول  من يبدأ بالخطأ ! لكن حسناً .. اتفقنا ..اتفقنا يا عزيزتي ! "

************ "3"

 " " شبنو ".. " شبنو " ! أنت .. ألا تسمعين ! "

 " عذراً ؛ عذراً يا مولاتي الأميرة .. أمر سموك ! "

 " ما الذي يحدث في هذا القصر ؟! "

 " لا شيء يا صاحبة السمو.. كل شيء على ما يرام ! "

 " على ما يرام ! كيف يا غبية ؟! وأنا أري عشرات العبيد يروحون ويجيئون.. ينقلون أشياء ويجلبون أخري ! "

 " آه فهمت !إنها مولاتي الملكة " نفرتاري " ! "

 " ما لها ؟! هل قررت أن تسافر إلى الأبد ؟! "

 " بل بضعة أيام فقط ! بضعة أيام .. سنقضيها في " منديس " ! "

 " إذن.. لقد بدأ التمرد والاحتجاج ! "

 " إن مولاتي متعبة بعض الشيء.. وترغب في الاستجمام .. هذا هو كل ما هنالك ! "

 " ولم يحلو لها سوي " منديس " لتستجم بها ؟! لو ذهبت إلى " نباتا " لكان أفضل ! "

 " حسناً.. هل ترغب مولاتي الأميرة في شيء ؟! "

 " كلا ! فقط أريد أن تعرف مولاتك.. وليتك تتبرعين وتقولين لها.. إن الفرعون لا يعارضه أحد. ولا يناقشه أحد.. ولا يعدل عليه أحد ! وأنها إذا كانت تعتقد أنها برحيلها تؤثر على قرار الفرعون بالزواج من صديقتي " إست نفرت ".. أو تلوي ذراعه.. فهي واهمة وحمقاء.. وخبريها أنني أقول لها ألا تطيل الغيبة.. ولا تقطع الرسائل ! هل فهمت ؟! "

 " فهمت.. فهمت يا صاحبة السمو ! "

************ "4"

 " إلى من كنت تتحدثين يا " شبنو " ؟! "

 " إلى مولاتي الأميرة " ماعت نفرو " ! "

 " وماذا تريد منك هذه اللعينة ؟! "

 " كانت تريد أن تعرف إلى أين تذهب مولاتي الملكة.. وقلت لها إننا ذاهبون لقضاء بضعة أيام في " منديس " ! "

 " تباً لها ! ألن تكف هذه المرأة عن التدخل في شئوني ؟! وأنت يا غبية.. كيف تخبرينها أننا ذاهبون إلى " منديس ".. هل أذنت أنا لك بذلك ؟! "

 " آسفة يا مولاتي.. أنني جد آسفة و.... "

 " حسناً.. حسناً ! لقد فرغنا من هذا الأمر.. والآن كفي عن الكلام .. واسمعي جيداً ما سوف أقوله لك.. أنصتي لكل كلمة .. ونفذيها حرفاً حرفاً ! "

 " إن سمعي مرهف لك يا صاحبة العظمة ! "

 " تذهبي الآن إلى معبد " آمون ".. وتسألي عن الكاهن " بتاح تف عنخ ".. وتخبريه أنني أريده أن يسبقني إلى مدينة " منديس " .. وينتظرني هناك .. هل فهمت ؟! أريده أن يصل المدينة قبل أن نصلها نحن ! "

 " لكن ماذا إذا لم أجده في المعبد يا مولاتي ؟! "

 " عندئذ أتركي له هذه الرسالة.. ها هي ذي.. اتركيها إذا لم تجدينه فقط.. أما إذا كان موجوداً؛ فأبلغيه رسالتي شفهياً.. هل فهمت ؟! "

 " فهمت.. فهمت يا مولاتي.. إنني ذاهبة ! "

 " انتظري يا حمقاء.. لا تدعي أحداً يراك عند خروجك الآن.. أو عند عودتك.. ولا تخبري أي مخلوق عما أمرتك به.. لا أحد يعرف شيئاً عما طلبته منك.. هل هذا مفهوم ؟! "

************ "5"

 " هل الكاهن " بتاح تف عنخ " موجود بالمعبد ؟! "

 " من يريده ؟ "

 " قل له : رسول من عند الملكة " نفرتاري " ! "

 " جلالة الملكة ؟! حسناً.. تفضلي.. ما هو اسمك ؟ "

 " " شبنو ".. قل له وصيفة الملكة " شبنو " ! "

 " حسناً.. لحظة واحدة.. تفضلي بالجلوس "

" أرجوا أن يسرع بالحضور.. فأنا في عجلة من أمري "

************

" مرحباً.. مرحباً برسول الملكة ! "

 " مرحباً بك يا سيدي.. هل أنت الكاهن " بتاح تف عنخ " ؟! "

 " أجل ! وأنت أسمك " شبنو " .. أليس كذلك ؟ "

 " هوذا يا سيدي.. إن مولاتي الملكة " نفرتاري " أرسلتني إليك برسالة و .... "

 " حسناً.. حسناً.. أستمرى ! "

 " وتقول لك إنه شيء هام وعاجل .. إن مولاتي ذاهبة غداً إلى مدينة " منديس ".. وهي تريدك أن تسبقها بالرحيل.. وتكون في انتظارها هناك ! "

 " " منديس " ؟! إذن فهو الفرعون.. لابد إنها أحدي مصائبه ! "

 " هل تقول شيئاً يا سيدي ؟! "

 " لا شيء.. لا عليك ! متى سترحل مولاتك.. أعني في الصباح أم مساءً ؟! "

 " بل في الصباح يا سيدي.. الصباح الباكر! "

 " ولكني لن أستطيع أن أسبقها هكذا.. سوف أصل إلى هناك معها.. أو حتى بعدها ! "

 " هل أقول لجلالتها إنك لن تستطيع الذهاب يا سيدي ؟! "

 " لا .. لا ! بل قولي لها أنني سأفعل.. على الأقل سأحاول اللحاق بها هناك.. ألا تعرفين أين تريدني أن ألقاها ؟! "

 " الحقيقة إن مولاتي لم تخبرني ! "

 " حسنا.. لقد فهمت ! يمكنك أن تعودي الآن ! "

 " هل.. هل أذهب ؟ بإذنك ... "

 " انتظري لحظة ! إنك لا تبدين لي مصرية.. أليس كذلك ؟! "

 " كلا .. أنني.. بل أنا مصرية ! "

 " حقاً ! هل أنت واثقة ؟! حسناً.. أذهبي الآن ! "

 " بإذنك يا سيدي.. طابت ليلتك ! "

" مع السلامة.. أبلغي سلامي لجلالة الملكة ! "

*********** "6"

لم يكن ما يحدث الآن في القصر الفرعوني.. شيئاً غريباً أو جديداً .. فلقد أعتاد كل المصريون ؛ وليس المقربين فقط ؛ على سماع أنباء زيجات الفرعون " رعمسيس " الثاني المتعددة.. وعلاقاته النسائية المتوالية .. فهذه زيجة اليوم ؛ وغداً صديقة وخليلة ؛ ثم جارية حسناء تُرسل إليه.. أو يشتريها من أسواق الرقيق !

وهذا لا يعني أن " رعمسيس " كان يشغل كل وقته بالنساء والمجون .. بل على العكس ! فلقد كان الفرعون جم النشاط؛ واسع الذكاء .. على استعداد دائم لفعل كل ما يُخلد أسمه.. غزوة خارجية جبارة.. أثر ضخم يشيده .. أو أثر مهيب يمحو من عليه أسم صاحبه.. وينسبه لنفسه !

************

 " هل وجدتيه ؟!"

 " نعم.. نعم يا مولاتي ! وجدته وقابلته.. وأبلغته رسالتك ! "

 " وماذا قال لك ؟! "

 " قال لي أنه سيحاول أن يسبقنا إلى " منديس " ! "

 " ماذا .. سيحاول ؟! ألم أؤكد عليك أن تبلغيه أن الأمر ضروري جداً ؟! "

 " قلت له ذلك يا مولاتي.. لكنه أكد لي أنه سيحاول أن يسبقنا بأي طريقة.. فإذا لم يستطع.. فسيلحق بنا على الأقل !"

 " حسناً ! يحب أن تذهبي للنوم الآن.. فأمامنا سفر طويل في فجر الغد.. كما أننا يجب أن نرحل قبل أن يصل الموكب ! "

 " أي موكب ؟! "

 " موكبها ! الزوجة الملكية.. لن أحتمل رؤيته.. سأموت لو رأيته ! "

************ "7"

 " صباح الخير يا مولاتي.. لقد أعد الخدم كل شيء  "

 " هل أنت واثقة من أنهم لم ينسوا شيئاً ؟ "

 " بالطبع واثقة يا مولاتي.. كل شيء معد وفي مكانه.. ولكن.. كنت أظن .."

 "كنت تظنين ماذا يا " شبنو " ؟! "

 " هل أتحدث لمولاتي بصراحة وصدق ؟! "

 " تكلمي.. تكلمي يا " شبنو ".. ولك الأمان ! "

 " كنت أظن أن مولاتي سوف تعدل عن قرار الرحيل ! "

 " أعدل عن الرحيل ! من قال لك ذلك ؟! "

 " أرجوا أن تستمع إلى مولاتي المبجلة.. لربما أفادها كلامي ! "

 " حسناً.. هات ما عندك ! "

 " عندما كنت طفلة يا مولاتي كنت أخرج لرعي الأغنام.. وكان أبي ... "

 " أبيك ؟! "

 " بل سيدي.. أعني سيدي ! وكان سيدي يطلب مني ألا أغفل عن القطيع.. حتى لا تفترسه الذئاب ! "

 " آه ! فهمت.. أنت لا تريدينني أن أرحل.. وان أبقي بجوار الفرعون.. حتى لا أدعه لقمة سائغة لهذه اللصة المتطفلة .. أليس كذلك ؟! "

 " حقاً ! هذا هو ما أقصده يا مولاتي ! "

 " ولكنك نسيت شيئاً هاماً يا " شبنو ".. نسيت أن اللقمة السائغة لا تؤكل .. إلا إذا أرادت هي ذلك.. لا تؤكل إلا عندما تحب هي أن تمضغها الأفواه وتلوكها ! ولو أراد الفرعون أن يكون ألعوبة بين يدي " إست نفرت " فلن أملك له أنا شيئاً !

إن مولاك الفرعون ليس سهلاً كما يُخيل إليك .. أو كما يعتقد بعض الناس ! بل هو رجل جبار.. جبار بكل معاني الكلمة ! إنه ليس زير نساء.. ولكنه يحب تقليد الفرعون " أمنحوتب ".. ويعتبر الزوجات والعشيقات والجواري مجرد تسلية ومليء فراغ.. تسلية ليس إلا ! حتى إن كثيرات من جواري القصر لم يمسهن الفرعون أبداً ! ولماذا نذهب بعيداً ؟! أنت نفسك يا " شبنو " قد جربت ما أعنيه ! أنت شابة جميلة ؛ ممشوقة القوام.. ولكن الفرعون؛ طيلة وجودك هنا؛ لم ينظر إليك مرة بشهوة.. ولم يطلبك مرة في مخدعه ! أصدقيني القول .. هل حدث ذلك يا " شبنو " ؟! "

 " أقسم لك يا مولاتي.. ولا مرة ! " 

 " وهو أدري الناس بأن " إست نفرت " آخر من تصلح لكي يتسلى بها ! هل فهمتني ؟! "

 " إذن يا مولاتي.. فهذه الزيجة لها هدف ! "

 " لقد فهمتني يا " شبنو " ! الفرعون يفكر في شيء ما.. شيء لا أدري كنهه بعد.. ولكنني سوف أعرفه .. مهما كلفني الأمر ! لابد لي أن أعرف ماذا يدور في خلد الفرعون بالضبط.. حتى أستطيع أن أؤمن عرش ابني " مري آمون " ! لهذا فأنا راحلة.. لابد من أن أكون على استعداد لآية مفاجآت ! "

 "لكنني لا زلت لا أفهم.. ما علاقة ذلك بذهاب مولاتي إلى " منديس " بالذات ؟! "

 " عندما يأتي الوقت .. الكل سيعرف .. ولست أنت فقط ! "

 " حسناً .. هل تأمرني مولاتي بأي شيء ؟ "

 " كلا ! بل أذهبي وأعدي كل ما يلزم لرحيلنا فوراً.. وطبعاً أنا لست بحاجة لأن أنبهك أن تسري ما قلته لك.. أليس كذلك ؟! "

 " لك الإرادة وعلى الطاعة يا صاحبة الجلالة ! "

 " حسناً ! أذهبي يا " شبنو ".. أذهبي سريعاً "

************

 " أسرعي.. أسرعي يا " شبنو ".. إياك أن تنسي أي شيء ! "

 " اطمئني يا مولاتي .. كل شيء جاهز للرحيل "

 " حسناً.. هل أنتهي الخدم من حزم الأمتعة وتجهيز مئونة الرحلة ؟ يجب أن نتأكد من أن كل شيء قد تم إنجازه على أكمل وجه ! "

 " كل شيء معد .. لقد أعددت كل ملابس وأمتعة مولاتي التي سنأخذها معنا.. والحرس الملكي قد تأهب لمرافقتنا .. كما سوف تأتي معنا ثلاث من الوصيفات .. والجاريتين الأثيوبيتين .. كل شيء على أتم حال يا مولاتي "

" إذاً . فلتباركنا آلهتنا ولتكن معنا.. هيا لنذهب الآن.. فلا شيء يستوجب بقائنا أكثر من ذلك ! "

************ "8"

 " دون إذني.. دون مشورتي يا " نفرتاري " ؟! "

 " لا.. بل بإذنك ومشورتك يا جلالة الفرعون ! ما كان لي أن أذهب دون استئذانك ! "

 " حقاً ؟! أنني لا أذكر أنك جئت تطلبين الإذن بالرحيل.. أو حتى تكرمت .. وأرسلت واحدة من جواريك لإبلاغي بسفرك اليوم ! أنني حتى لا أعرف إلى أين أنت ذاهبة ! "

 " عذراً يا صاحب الجلالة !.." شبنو " أذهبي أنت "

************

 " إنني لم أتلق جواباً على سؤالي بعد يا " نفرتاري ".. إلى أين أنت ذاهبة ؟! "

 " شيء لا يعنيك ! "

 " " نفرتاري " ! هلي جننتِ ؟! كيف تحدثين الفرعون المؤله هكذا ؟! "

 " خلاص يا حبيبي.. " شبنو " ذهبت ! لا أحد معنا يرانا أو يسمع ما نقول ! قل لي .. لماذا تريد الزواج ب " إست نفرت " ؟! "

 " أنا لا أريد .. بل إنني سأفعل ! وهذه ليست أول مرة.. إنك لم تكلفي نفسك عناء السؤال في المرات السابقة ! "

 " حقاً ؟! ولكنني اسأل هذه المرة.. وأرغب في معرفة السبب ! "

 " لاحظي أنني لم أحصل على إجابة سؤالي بعد يا عزيزتي !"

 " وأنا  لم أعرف ما إذا كنت تنوي إجابة سؤالي .. أم لا ! "

 " إذن .. فهو سؤال بسؤال يا " نفرتاري " ؟! "

 " ولا جواب بلا جواب.. يا " رعمسيس " ! "

 " يا لك من حمقاء ! هل تظنين إنك برحيلك ؛ أينما كنت تنوين الذهاب ؛ يمكن أن تؤثري على قراري.. وتوقفي زواجي ب " إست نفرت " ؟! "

 " وأنت واهم لو اعتقدت أنك تستطيع أن تأتي بامرأة أخري.. أياً كانت.. لتحل محلي! "

 "  "نفرتاري " ! "

 " نعم ؟! "

 " كيف تجرئين ؟! ألا تعلمين أنك تتحدثين إلى الفرعون .. إلى.... "

 " إلى " وسر ماعت رع . ستب ن رع " .." رعمسيس " المعظم.. فرعون مصر.. لقد حفظتها !! "

 " إذن .. فما الذي دهاك ؟! "

 " ألا تعرف ماذا دهاني ؟! ألم يكفك أنك صرت مضغة في الأفواه.. يلوك الناس سيرتك ليل نهار.. زيجة وراء زيجة ؛ خليلة تعقب خليلة .. جارية تسرق عقلك إثر أخري ! أم يكفك أنك تذبحني في كل يوم ألف مرة.. وأنا أراك غارق؛ حتى أذنيك؛ في الحب والغرام.. دون مراعاة لمشاعري.. لم يكفك كل ذلك ! فذهبت لتأتي لي بهذه الحثالة .. لكي تشاركني لقبي؛ وملكي؛ وقصري.. بالله ما أوقحك ! "

 " هيا هيا ! أكملي ! لماذا توقفت عن الصياح .. وتوجيه السباب لي ؟! "

 " ألا يعنيك أي شيء ؟! "

 " لو كنت أعلم أن غضبتك هذه لأجل حبك لي وغيرتك على.. ما صار في الدنيا رجل أسعد مني ! ولكنه العرش يا " نفرتاري " ! "

 " ماذا تعني ؟!  ما دخل العرش في موضوعنا ؟! "

 " إنه لب موضوعنا.. بل أننا ليس لنا موضوع سواه ! العرش يا " نفرتاري " هو الذي يطير لبك.. ويذهب بعقلك ! أنت تريدين أن تضمني العرش لأبنك " مري آمون ".. أبنك الذي تخافين أن تفوته ولاية العهد ! "

 " " مري آمون " ابن لي ولك ! "

 " بل ابن لك وحدك ! "

 " حسناً ! لا وقت لدي للجدال معك الآن.. إنني ذاهبة ! "

 " كما تشائين ! لكن لا تتأخري.. فسوف نزور " بيت ملايين السنيين "* قريباً ! "

 " سأحاول .. سأحاول أن ألحق بموعد الزيارة ! "

***********

* الاسم الفرعوني لمعبد ( الرامسيوم )

"9"

وهكذا خرجت الملكة " نفرتاري " من القصر.. واجمة ساكنة.. تشعر بدبيب خفي في قلبها وعقلها.. ينبئها ؛ في غموض ؛ أن رحلتها هذه المرة ليست ككل مرة ! كانت تشعر بالهزيمة الداخلية النكراء.. وكان كل المقربين لها .. بما فيهم وصيفتها الأثيرة " شبنو ".. يعتقدون اعتقادا راسخاً بأن وجوم " نفرتاري ".. وإطراقها وحزنها.. الذي لم تحاول هي إخفاؤه عن أحد.. إنما يعود إلى زواج الفرعون بامرأة أخري.. وما فطن أحد ؛ ربما سوي الفرعون نفسه ؛ إلى أن هذا الزواج ذاته .. لم يكن يعنيها في قليل أو كثير !

ولكنها كانت تخشي على عرش أبنها " مري آمون ".. الذي تراه وقد حاصرته الأنواء مهددة باقتلاعه.. وإلقائه إلى أقاصي الأرض !

والسبب الآخر الذي تطويه في أعماقها.. وما أطلعت عليه كائناً من كان.. هوانها كانت حانقة ومغتاظة بشدة.. لأنها لم تعتد أن تخسر رهاناً.. قط !

************

وبذلك بدأت الشرارة الأولي للحريق المروع الذي سوف يشتعل في بيت وأسرة وأبناء " رعمسيس ".. لضيق نظره !

لقد أراد أن يعاقب " نفرتاري " على ذنب لا يعلمه أحد.. ولا حتى " نفرتاري " نفسها ! فلم يجد أمامه سوي الإتيان بامرأة .. هو أدري الناس بها.. وبمدي قوتها وجبروتها .. ويعرف أنها لا تتورع عن فعل أي شيء !

لقد كانت " إست نفرت " شرسة في الدفاع عن حقها.. أو ما تخاله من حقها.. شديدة الثقة بنفسها.. مفرطة القسوة .. وأي شيء عندها؛ ما دام في صالحها؛ هو شيء عادي ومعقول.. مهما بلغت قسوته وبشاعته !

************

ووضح لكل الناس أن الحرب قد بدأت !كلا .. لم تكن قد بدأت لتوها.. بل منذ وقت طويل !

منذ أن دخلت " إست نفرت " القصر الفرعوني لأول مرة.. تحت ستار دعوة من أخت الفرعون الأميرة " ماعت نفرو " .. وباسم الصداقة البريئة التي تجمعهما !

وكانت " إست نفرت " من الذكاء وسرعة البديهية .. بحيث ألتقط رادارها  الحساس ذبذبات خافتة.. انطلقت من عيني  الفرعون لتشملها كلها .. لا لأنها أجمل من رأي.. بل لأنها أغرب من رأي !

وكانت " ماعت نفرو " من جانبها تتمني ذلك وترتب لحدوثه.. لقاء عابر ؛ يبدو كما لو كان مصادفة .. ثم تعارف.. ثم تجاوب.. ثم إعجاب.. ثم زواج بين أخيها الفرعون وصديقتها " إست نفرت " !

تحرق به قلب عدوتها الأولي والأخيرة .." نفرتاري مرنموت " !

تلك الأخيرة التي تسببت في أن يطرحها الفرعون جانباً.. ويرفض الزواج بها !

ولكن " نفرتاري " دائماً كما هي.. لا تتغير طبيعتها القيادية.. القائد البارع عندما يُهزم في معركة.. لا يستسلم أبداً.. بل ينزوي بعيداً عن عيون الأعداء والشامتين.. ليستعد.. ثم يعاود الهجوم !

kassasmanal.blogspot.com

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق