]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

المجتمع الراشد قبل الحكم الراشد

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2012-02-03 ، الوقت: 09:43:13
  • تقييم المقالة:

دأ ترويج موضوع الحكم الراشد كحل جذري لكافة مشاكل البلاد، والحقيقة أن الحكم الراشد مطلب جميع الشعوب منذ القدم لأن من انعكاساته : العدالة والأمن والحرية والاستقرار ...
            والحكم الراشد يأتي نتيجة بينما نحن نريد جعله مقدمة، فلو تصورنا هرما لكان الحكم الراشد هو قمة الهرم، ومعلوم أن في بناء أي هرم نبدأ بالأساس والقاعدة  ثم تأتي القمة كتتويج للبناء وبالتالي قبل الوصول إلى الحكم الراشد والذي هو قمة الهرم لا بد من المرور أولا عن طريق القاعدة وهي المقدمة التي تأتي قبل النتيجة والقاعدة ونقصد بها المقدمة التي هي المجتمع الراشد لأنه كما نكون يولى علينا فان كان المجتمع راشدا يكون الحكم راشدا ولا بأس بذكر أمثلة توضيحية من تاريخنا المجيد. ففي ظل الخلافة الراشدة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب وفي إحدى خطبه حين طلب من الرعية إن رأوا فيه اعوجاجا أن يقوموه نطق أحد الحضور قائلا: "والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف".

              لا نسلط الضوء هنا على جانب الحكم الراشد من جعل الشعب هيئة لها صلاحية الرقابة القبلية والبعدية على أعمال السلطة التنفيذية بل نسلط الضوء على الشعب الراشد ومستوى وعيه وإدراكه لمسؤولياته فلم يهتف لعمر بن الخطاب في تملق ونفاق بأنه على الصراط المستقيم لا يعرف الاعوجاج ولا يحتاج لتقويم أو تقييم ولم تثر الجماعة على الصوت المهدد بتقويمه بحد السيف محررة عريضة تتبرأ منه، ومعنى هذا أن ذلك الصوت ناطق رسمي نيابة عنهم إن لم يكن هو صوت ضميرهم الجمعي ...
          روح هذه الصورة نجدها متجسدة في حادثة أخرى مع الخليفة نفسه حينما أراد ذات مرة أن يحدد المهور عندما لاحظ مغالاة الناس فيها وعزوف الشباب عن الزواج نتيجة لعدم مقدرتهم على ذلك ،أراد الخليفة تحديد سقف معين لها بما له  من سلطة مخولة في ذلك فوقفت امرأة في وجهه مذكرة إياه بآية من القرآن تتحدث عن مقدار قنطار من الذهب كمهر فما كان من الخليفة إلا أن قال: أصابت المرأة وأخطأ عمر.
حديثنا هنا ليس على تجسيد الحكم الراشد في هذه القصة من مراجعة السلطة لقراراتها وقبولها لحق النقد ومنحها للشعب حق النقض بل نركز على المجتمع الراشد الذي لم يصفق ويهلل لقرارات حاكمه بصفة ألية بل يمحص وينقد، نركز على مجتمع راشد يناقش قرارات حكومته ويبين الصواب من الخطأ فيها.
           والنقطة التي أردت توضيحها من خلال هذين المثالين هو أن الحكم الراشد يأتي في زمن الشعب الراشد ، فان لم يكن هناك شعب راشد، فالحكم لراشد على فرض وجوده، فانه لا يستمر، بل يصبح  ذاتيا مرتبطا بشخص يزول بزواله ولا أدل على ذلك من حكم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، فالحكم الراشد برز عند توليه الخلافة وولى بوفاته ، وعلى عكس ذلك فوجود تقاليد راشدة عند المجتمع الألماني واليباني مثلا أدى إلى نتائج باهرة محققة رغم تعاقب نظم حكم غير راشدة عليهما ورغم خروجهما منهارتين تماما من حروب مدمرة.

 

الثمار الجيدة من الشجرة الجيدة
من خلال هذه الأمثلة تتجلى أمامنا نتيجة مفادها أنه إذا كنا نملك قاعدة صلبة متينة وهي المجتمع الراشد فالقمة إن لم تكن متينة اليوم فستكون غدا لأن الشجرة الجيدة تعطي ثمارا جيدة فان كان ثمرها رديئا هذا الموسم، فالموسم القادم يكون المحصول جيدا، أما إذا كانت القاعدة غير صلبة ونعني مجتمعا غير راشد، فإنه وان كانت القمة متينة فلا أساسات ترتكز عليها وسيأتي يوم وتتداعى فيه.
وبالتالي فالإشكالية ليست في نظام الحكم بل في الشعب ويجب أن نتحلى بقليل من الشجاعة حتى نقول إن العيب في أنفسنا لأنه بسهولة تامة نتهم نظاما ما بأنه غير راشد وأن الحل في ترشيده وربما نقدم أنفسنا كبدائل – رغم أن النتيجة تبقى نفسها بناء على المقدمات المذكورة سلفا- لكن من الصعب أن نقول أن العيب في الشعب لأننا ببساطة نحن الشعب، والنفس البشرية بطبعها  وان أخطأت لا تود أن يكاشفها أحد بخطئها، فمعظمنا يرى القذى في عين أخيه ويغفل عن الخشبة في عينه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان ترسيخ تقاليد الرشاد في الوعي الجمعي ليس بالأمر السهل ويحتاج لوقت فالقضية قضية بناء حضاري نزرع نحن ويحصد خلفنا أو من يليهم .


 

لا بد من قضية سامية لتكوين مجتمع راشد
ولا يفهم من كلامي أن المسؤولية تقع على الشعب وهو وحده يتحمل تبعاتها بل على الجميع القيام بواجباته: أفرادا وجماعات، هيئات وجمعيات هذا كنقطة أولى ضمن برنامج إعادة الرشاد للشعب.
 أما النقطة الثانية فهي القيام بعملية النقد الذاتي فان الذي لا يقر بمرضه لن يعالج ويشفى.
أما النقطة الثالثة إيجاد قضية يناضل الشعب من أجل تحقيقها وتجسيدها تكون هي الشحن لعاطفته والمحرك لعقله والموجه لجسمه، تجعل من الشعب فعّالا دائم النشاط مثل فكرة الاشتراكية من قبل، عند المجتمعات التي تبنتها، وفكرة حماية الديمقراطية ونشرها في المجتمع الغربي والأمريكي بالخصوص، وفكرة نشر الإسلام في عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين –عليهم رضوان الله-، المهم أن يكون هناك هدف جماهيري يسعى الشعب لتحقيقه واثبات ذاته من خلال تجسيده، وقد قال نابليون: "إن الجيش العاطل عن العمل لا يقوم إلا بالفوضى"
أما النقطة الرابعة: فهي التخطيط القبلي والمحكم الذي يحسب  جميع الاحتمالات ويضع كل الحلول لأي مشكلة تظهر.


 


لا يمكن الاهتمام بالحلقة وتجاهل السلسلة
والنقطة الأخيرة هي عدم رؤية الأمور بجزئية فيأخذ كل حدث منفصل عن الواقع مستقل وبالتالي تأتي الحلول آنية جزئية كمن يهتم بالحلقة ويتجاهل أنها جزء من السلسة، فالظواهر الاجتماعية ليست ظواهر مادية تستطيع في المخبر فصل مكوناتها عن بعضها البعض وتعزل الجزء المصاب منها، بل هي ظواهر تتفاعل مع بعضها البعض قد ترى مشكلة ما لكن سببها ليس هذه الظاهرة، بل هو أثر لظاهرة أخرى، كمن يشتكي من ألم في الرأس مثلا وليس رأسه هو المصاب بل لا يعدو الأمر أن يكون أثرا من مرض التهاب اللوزتين مثلا التي من أعراضها صداع في الرأس، فان غير أهل الاختصاص والخبرة يصف له مسكنا للصداع، لكن تناوله لا يزيل عنه الألم ولو اخذ مضادات حيوية لزال الالتهاب وزال معه الصداع.  
وكمثال توضيحي نأخذ الشعب – بغض النظر عن المفهوم القانوني البحت لهذه الكلمة- كصورة عامة كانت هناك قبائل إن لم تكن متنازعة فهي غير متالفة والمبدأ السائد عصبية قبلية يجسدها قول الشاعر :
وما انا الا من غزية ان غوت
غويت  وان ترشد غزية أرشد
وحلت بينهم دعوة جديدة – نركز هنا على بعض الجوانب التي لها علاقة مباشرة بموضوعنا- حيث برزت أفكار تتلهف لها الأنفس : فالنساء شقائق الرجال، والبشر أحرارهم وعبيدهم من آدم، وآدم من تراب، ولا فرق بين عربي ولا أعجمي، إلا بالتقوى، ويعطي الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، ويحرم الربا حتى لا تكون دولة بين الأغنياء ....
هذه المبادئ لم تكن شعارات براقة ترفع في مناسبات ولم تكن أسطر ميتة ضمن وثيقة جوفاء بل كانت واقعا حيا فعّالا مجسدا، فتكون شعب راشد صنع حضارة لا زالت صفحاتها مشرقة عبر الزمن.
ووجب هنا توضيح نقطة حيث أن هناك فرقا بين شعب لم يعرف الرشاد يوما وأراد الرشاد، وبين شعب كان راشدا، وفقد رشاده، وأراد استرجاعه.
ففي الحالة الأولى الأمر أسهل بكثير من الحالة الثانية، ففي الأولى الأمر بمثابة طفل ينمو مع الزمن وتتدرج ذاكرته، أما في الثانية فهي تشبه حالة شخص فقد ذاكرته نتيجة لصدمة نفسية دون تلف في خلاياه الدماغية، فشفاؤه ممكن، وهو وإن أراد مع بذل الجهد أن يتذكر شيئا، سيشعر بصداع في رأسه، والحل حدوث صدمة أخرى تكون بقوة الصدمة الأولى حتى يسترجع ذاكرته باعتبار أن فقدانه لذاكرته محاولة لا شعورية منه للهروب من ألم المواجهة والصدمة، والصدمات – ولله الحمد موجودة – بأحجام ومقاييس وأشكال متنوعة ولا يبقى إلا اتخاذ قرار بمواجهتها، وتغيير وضعنا حتى نكون أمة راشدة، خير أمة أخرجت للناس.
 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق