]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة الكروش

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2012-01-31 ، الوقت: 18:46:22
  • تقييم المقالة:

الكروش هو قرية أو هو القرية ...اسم غريب لا أدري مقــــدار غرابته لكنــــه يبقى مـــع ذلك غريب ,غرابة سكانه ...
في الكروش امتزج البؤس مع الأمل والفقر مع السعادة والتعاسة مع الهناء معادلة غريبة أو تركيبة عجيبة لم تجتمع عناصرها إلا في الكروش ...
بيوت قصديرية مجاورة لبيوت عادية ,مخبزة ,دكاكين مقهى ,ثكنة ,مسجد ,حلاق ...

خمسة عشر سنة وأنا أقيم في بيت من صفائح القصدير ,تزوجت فيه وأنجبت فيــه ونمى أولادي فيــه و أيقنت أني سأموت فيه من كثرت الوعود بالرحيل والإقامة في بيت يصلــح للإقامة البشرية.
لا يعني هذا أني أهين سكان البيوت القصديرية فأنا واحد منهم ,لكن إذا جاء الصيف يتحـــول البيت إلى فرن حتى لا اتهم بالمبالغة فأقول جحيم حقيقة يتحــول إلى فـــرن بشري , لا يهـــم أستطيع الاحتمال لكن الأطفال الصغار والرضع والعجائز هل يطيقون ذلك ...؟
البعض من سكان البيوت القصديرية أقسم أن الله لن يدخله النار لأنه ذاقها في الدنيا ,لا أناقش قيمة كلامه من الناحية الدينية لكن أكيد هناك أسباب دفعته لقول هذا الكلام ,أسباب لا يقدرها إلا القليل وكما يقول المثل الشعبي :" ما يحس بالجمرة إلا لعافسها " وليس الذي يده في الماء كالذي يده في النار.
لا يوجد أنبوب ماء ولا غاز ولا كهرباء ,فالبيت القصديري بيت غير قانوني لذلك فلا وجود له إلا على أرض الواقع ,أشتري الماء و قارورات الغاز وأشتري الكهرباء نعم لا تتعجــب حتى الكهرباء أشتريها ...
عند حلول فصل الشتاء وحلول العواصف والأنواء يحل معهم الشقاء ونصبح بحق بؤساء ,فإذا جاء ريح قوي طار سقف المنزل أو جزء منه وإذا نزل المطر أصبحت أرضية البيت بركـــة ماء ...
معاناة لا تستطيع حفنة من الأسطر أن تلم بتفاصيلها ,لكن مع ذلك أحاول أن أحمل الكلمات ما تطيق وما لا تطيق كما احتملنا نحن ما لا نطيق ومع ذلك صبرنا ولازلنا لأنه لا حل لنا غير الصبر ولا حل إلا الصبر...
بعد العسر يسر, بعد العسر يسر ,الصابر ينال ,فرجت ,فرجت انهم يبنون في عمارات جانب الحي القصديري, انهم يحفرون في الأساسات ,الكبار قبل الصغار في موقع الأشغال ...
لا حديث في الكروش إلا على عملية البناء,يتبعون خطوات البناء خطوة خطوة ,لقد صبوا الأساسات بدؤوا يبنون في الجدران ,لقد اكتملت عمارة عمارتان ثلاث ...انهم يقومون باللمسات الأخيرة ,لكن العملية على أرض الكروش كانت بطيئة عكس الكلمات السلسة السريعة ,بطيئة جدا انه بناء سلحفاتي وليت صلابته بصلابة قوقعة السلحفاة لكن رغم هذا لم يمل شبه البشر من التتبع والارتقاب والانتظار.
لقد اكتمل البناء ,سوف أسكن هنا وأنا هنا ,لا هذه لي صراعات أطفال لكن حق لهم ذلك فسنوات من الانتظار جعلتهم اكثر من ذلك.
انهم متلهفون ,ينتظرون بشوق مفاتيح السكنات ,بعد أن شكلوا الكثير من اللجنات وبعد أن طرقوا جميع الأبواب وبعثوا بالرسائل لجميع الهيئات ومختلف درجات السلطات
الأسبوع القادم سنرحل إلى السكنات الجديدة الكل يبحث عن صناديق أو علب الكرتون الكبيرة الفارغة حتى يعبء فيها حاجياتهم استعدادا للرحيل ويمضي أسبوع ولا رحيل ويحل الأسبوع الذي يليه ولا رحيل والذي بعده ثم بعده ثم بعده ولا رحيل ...
ويعيدون إخراج حاجياتهم والانتظار وتبدأ الإشاعات في دورة جديدة ودورتها القديمة لم تكتمل بعد وتكثر الأقاويل والتحليلات والآراء.
كل سكان الكروش منظرين ومحللين استراتيجيين وكل واحد منهم يعلم ما لا يعلمه غيره وكل واحد منهم عنده الحقيقة كل الحقيقة وكل واحد منهم يعلم ما وراء الستار وما يجري في الكواليس وكل واحد منهم قريب جدا لمصدر القرار و لا واحد منهم قدم حلا إلا التنديد والاستنكار فيما بينهم فقط.
فرجت هذه المرة الأسبوع القادم سنرحل وتبدأ الأيام تمر ببطء شديد كم مازال لنهاية الأسبوع ثلاثة أيام ,ياه لحد الآن لم ينته ما أطول هذا الأسبوع ,يحسبون الأسبوع بالثواني حتى يرحلوا وهم الذين لا تهمهم الأيام من قبل لأنها واحدة لا جديد معها ويأتي الأسبوع الذي بعده والذي بعده ولا جديد.
كم من حملة انتخابية مرت وهم يقفون مرة مع هذا الذي وعدهم في حالة فوزه أن يمنح لهم السكنات ويفوز و لا تمنح السكنات ثم يقفون مع ذلك بعد أن تعهد لهم وأقسم بأغلظ الإيمان بأنه سوف يخرجهم من القبور إلى النور وينجح بعد أن وقفوا معه وساندوه بالنفس والنفيس ولا جديد وتمضي العهدة الانتخابية وتليها عهدات ولا جديد القرار ليس بيد رئيس المجلس الشعبي البلدي فهو مغلوب على أمره بعد أن نجح وضمن العهدة انه بيد الوالي وهذا يبرء ذمته والأخر يتبرأ من أي وعود وهكذا دواليك ولا جديد.
السكنات جاهزة والقائمة جاهزة والسكان جاهزون منذ زمن بعيد فلماذا ننتظر ؟
ننتظر قرارات الإسكان ,وإذا بقت القرارات سنوات هل نبقى سنوات ننتظر؟
- ما الحل ؟
الحل الاقتحام نقتحم مساكننا ونسكنها ,وهم فليستخرجوا المقررات على أقل من مهلهم فلا أحد يستعجلهم المهم أن نسكن
ولا أدري كيف ؟المهم حصل موقف مشرف لأول مرة في تاريخ الكروش القديم والحديث هذا إذا كان للكروش تاريخ أصلا
لأول مرة يثور سكان الكروش بعد أن فطموا أنفسهم عن الصبر وقالوا بأعلى صوت لا داخل أنفسهم كما اعتادوا :" للصبر حدود " واقتحموا السكنات
لكن الحق والحق يقال ليس كلهم كانوا أبطال منهم من خاف وبقى في بيته القصديري يترقب وينتظر ولم يندفع ليس عن تعقل أو حكمة وتبصر بل جبن وخوف وانهزامية نفس قال : سوف تأكلنا كلاب الدرك كما فعلوا مع الذين اقتحموا الحي الفلاني ومع الذين اقتحموا سكنات الحي العلاني
وفشلت جهود من حاولوا إقناعه بأنهم ليسوا مثل غيرهم فهم لديهم القائمة ويعرف كل واحد منهم مسكنه أكثر من معرفته بأولاده ولديهم المفاتيح تنقصهم المقررات فقط أرادوا أن يكونوا صفا واحدا لكن سنة الكون لكل صف بعض الخوالف مهما تعددت أسبابهم
ومر يوم وهم في سكناتهم الجديدة ينتظرون ويترقبون بعد أن قطعوا الطريق السريع كذا من مرة كوسيلة للتعبير عن السخط واحتجاج من كثرة الانتظار
ولم يأت الدرك و لا كلابهم المدربة ومضي يوم ثاني وثالث ولا درك ولا كلاب
الحملة الرئاسية في أوجها لذلك لم تشأ الإدارة إثارة المشاكل فهناك حديث آخر ولغة أخرى مع سكان الكروش لكن بعد الحملة ...
سكان الكروش لعبوا في الوقت بدل الضائع وساندوا بالنفس والنفيس مرشح السلطة ,صوره في كل جدران وحائط من سكناتهم المقتحمة لا أدري اقتناعا به أم أن أهل الكروش فقهوا السياسة ؟؟
وانتهت الحملة ولا حديث آخر والتحق المتخلفون عن القافلة بالقافلة وأعلنوا توبتهم لكن بقى خوفهم من كلاب الدرك وصمة عار ونكتة يضحك بها في محافل الكروش
لا كهرباء في الحي الجديد ننتظر الإدارة لتدخل الكهرباء لبيوتنا إذن ننتظر ربع قرن أو أزيد
الحل تسأل عن الحل ؟ الحل سهل وبسيط نستعير خيط كهرباء من عمود الكهرباء
- عمود كهرباء عمومي يأخذ منه حي بأكمله الكهرباء ,هذه سرقة جماعية منظمة مع سبق الإصرار والترصد
وانتفض في وجهي صارخا والشرر يتطاير من عينيه المحمرتان وذرات ريقه تطاير من فمه :والذين يسرقون الوطن من قبل استقلاله لليوم لماذا لا تنظر لهم وتحاسبهم؟
لقد حرمونا من مرافق عدة من حق السكن ومن حق العمل ومن حق الزواج باختصار من حق الحياة فسواء درست أم لم تدرس لا يوجد عمل وان وجد شبه عمل بعد أن تقارب سن الشيخوخة هذا إن لم تشخ وأنت في عز الشباب أو لم تنحرف تبرما من الوضع فانه لا يفتح لك بيت ,المال الذي أخذوه واصبح أرصدة سرية في بنوك أجنبية وشقق فاخرة على شواطئ الدول الغربية وأبنائهم الذين يدرسون في أحسن الجامعات العالمية ويصبحون بعد التخرج إطارات سامية في الدولة إن لم يكونوا هم الدولة أليست هذه سرقة أعميت عن رؤية الخشبة في عينهم ورأيت القشة في عيني ؟؟
خيط الكهرباء حقي وحق أولادي فنحن من هذا البلد ولنا مالهم من حقوق أم لهم الحقوق فقط وعلينا الواجبات ثم نزيد نتطوع بعدها ونتبرع ونتضامن مع دولتنا الغنية لهم والفقيرة أمامنا
- هدئ من روعك زلة لسان لا اقصد ما فهمت لنعود لحديثنا وماذا يوجد في الكروش أيضا ؟
لقد هدأ بعد أن اخرج تلك الحمم من قلبه كأنه لسنوات وهي تتراكم ولم تجد متنفسا تخرج منه إلا سؤالي الاستفزازي ورجع للحديث عن الكروش بتناغم عاطفي كأن نسيج حميمي كان هو خيطه والكروش خيطه الثاني غير عابئا بكل ما يحيط به مطلقا العنان لوجدانه ويقول :
في وسط كل حي يوجد ملعب أو معظم الأحياء يوجد ملعب أو حديقة أو نصب تذكاري أو نافورة ماء وان لم يوجد ماء أما الكروش في وسطه فتوجد مزبلة وقناة صرف للفضلات
هي في حقيقة الأمر مجرى صغير وليس قناة يشبه المكان مسبح بلدي عند رؤية معظم أطفال الكروش يلعبون فيه ويقضون فيه جل وقتهم في الصيف أو الشتاء والعجيب بل الغريب أنه لم يشتكي منهم أحد من مرض من الأمراض التي تنتشر بفعل هذه القاذورات والفضلات بل أصبحت لهم حصانة غريبة تستحق بجد دراسة علمية عالمية لا أقول هذا الكلام للتهكم أو الاستهزاء أو السخرية بل هكذا رأت عيني وهكذا سمعت أذني
أحد هؤلاء الصغار عضه جرذ بحجم هر كبير في المزبلة الشبه العمومية ولم يتحرك أهله لأنهم اعتبروا الأمر عادي ,لكن أحد المثقفين المتعلمين اقشعر لهذا الحادث وحمل الطفل للمستشفى وبعد الفحوصات وجدوا أن الطفل سليم معافى صحته جيدة ولم يصب بأدنى أذى وعند عودته مع الطفل وجد أن الجرذ الذي عضه مات ,نعم لقد مات الجرذ بتسمم نتيجة عضته لذلك الطفل ,لم يصدق مثقفنا هول ما رأى فذهب هرعا لمنزل الطفل ولما حكى القصة لأهل الطفل اعتبروا الأمر عادي ولم تظهر عليهم ملامح التعجب أو الاستغراب وكشفوا له انهم في بيتهم القصديري المتواضع مع كل طفل ينام جرذه الخاص فهي حيوانات أليفة سالمة منزلية
لا تحاول أن تفهمني أن هذه القصة حقيقية قل لي أنها من نسيج خيالك
لا أقول لك إلا شيء واحد : أحيانا الحقيقة اغرب من الخيال وهذا هو الكروش
الشيء الملفت للانتباه في الكروش أن معظم بناته الصغار متحجبات قبل الكبار منهن رغم أن أكثرية آبائهم ليسوا من الاخوة ونقيض ذلك معظم أطفالهم الذكور أشرار – ليسوا أشرار بأتم معنى الكلمة – لكن موقف أحدهم قد يترجم ما أريد أن أعبر عنه لقد قام بتجميع ثلاثين قط نعم ثلاثون قط متشرد أو ضال في الكروش ووضعهم جميعا في برميل قديم من حديد في المزبلة الشبه العمومية وافرغ عليهم البنزين وقام بإشعالهم ,حفلة شواء كبيرة
- بل قل هي مجزرة وجريمة ضد الحياة لا تغتفر ,تقشعر منها الأبدان وتتلعثم منها الألسن وترتجف منها الأفئدة
- ومعاناة ربع قرن في بيوت قصدرية لا تصلح حتى أن تكون قن دجاج أليست جريمة إنسانية؟
أنا لست من أعداء القطط ولم يفرحني هذا العمل إن كان حقا قد وقع لكن أعيد القول مهما وصفت المعاناة فلا يشعر بها إلا من تجرع منها عمره كله ,أما أصحاب الشقق والطرق المعبدة فربما في أقصى حالات تفاعلهم مع هذه المأساة سوف يحركون رؤوسهم ويبرزون شفتهم السفلة ويقولون بصوت منخفض " مكتوب "
- ما الحل ؟
- لا انتظر من هذا الطرح حلا وهم كذلك لم ينتظروا ,أعرف السخط لا يأتي بنتيجة كل واحد منا رضى بما قسم له ,هو يسعى لما هو أفضل لكن لا يتبرم مما هو فيه
- لماذا لا تجعل من الكروش رواية انه موضوع واقعي جدير بالكتابة .
- لا أخفيك القول فكرت في ذلك مرارا ,لكن أريد من الرواية أن تكون متنوعة تنوع الحياة ,فيها الماضي والحاضر والمستقبل ,فيها الحقيقة والخيال ,الواقع والحلم ,فيها النثر والشعر ,المثل والحكمة ,فيها الفلسفة والرياضيات والعلوم والفيزياء والتاريخ والأدب ,فيها الناس والحيوانات والطبيعة بمختصر العبارة تكون الرواية جزء من الحياة أن لم نقل هي الحياة وفي النفس الوقت لا أكون أنا عبارة عن وسيط أو ناقل أمين بين الحياة والرواية ,أريد أن أساهم في صناعة الحياة عن طريق الرواية
- كلام جميل ,رغم أني لم أهضم جميع محتواه ومع هذا تبدوا فكرة جيدة تستحق التجربة لكن لا تنسى قاعدة ثمينة علمتها لي الحياة ممكن أن تكون محور روايتك أو تكون هي السياج الحامي لحدودها أو الطريق الموصل لها :" ليس كل عمل قيم ناجح وليس كل عمل ناجح يعني أنه قيم "
- واقع مر لكن مع ذلك يجب علينا أن نستسيغه .

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق