]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة : رسالة من دم

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2012-01-30 ، الوقت: 19:17:13
  • تقييم المقالة:

مسلولة قرية كبيرة وجميلة , تعتمد في كسب عيشهاعلى محاصيل الأرض , تبادل بها وتقايض كل ما ينقصها من ضروريات الحياة , خضرواتها مشهورة في كافة أنحاء المعمورة , تعرف بنضارتها وحجمها الكبير وطعمها الذيذ أما رائحتها فتميزها من بعيد , وقد قيل أن السر في ذلكهو نبع الماء المعدني الذي تروى به الأراضي , دون إغفال حبب الأهالي لأرض وخدمتها بكل تفان واخلاص , فالأرض وان كانت جماد الا أنها تحب من يحبها , ولا تبخل على من يداعب ترابها ويربت على بشرتها فتجود جود الأم على وليدها , كيف لا وهي امه الأولي والانسان كان في البدء طين  قبل أن تنفخ فيه الروح , فهو في الأصل جزء من الأرض وان قضى ردحا من الزمن فوقها فانه في آخر المطاف يرجع اليها ,حين تفارقه الروح , فيرجع الجسد الذي خلق من تراب ليوضع وسط التراب ويغطى بالتراب ومع الوقت يلتحم هو والتراب ...

في مسلولة لا يوجد كبير الدوار ,فآخر كبير توفي منذ عقدين أو ثلاث ولم يوجد من يستخلفه لعدم توفر شروط الامارة فيه, فكبير الدوار يجب أن يتحلى بالوقار والهيبة والرزانة والدراية وأن يكون مسموع الكلمة ذو عقل رشيد ورأي سديدوأن يكون صاحب مال وجاه حتى لا تتأثر أحكامه أو يمارس ضغط عليه زيادة على معرفته لأحكام القضاء وعلم المواريث والحدود...

كان هذا الأمر محصور في عائلة سيدي علي الكبير التي قيل أنها من الأشراف ينتهي نسبها الى النبي عن طريق فاطمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم

وقد تولى أفرادها الوجاهة منذ قرون , فأهل مسلولة من البربر وقد قيل أن أصل كلمة مسلولة مركبة من كلمتين بربرتين معناهما ابن لولة وقد كانت لولة سيدة قومها وكانت لها ابنة وحيدة تسمى بشطولة تزوجها حسين الشريف الذي فر من المشرق الى الأندلس وبعدها دخل الى المغرب الأوسط لينتهي به المطاف في مسلولة بعد رؤيا رآها

انتقلت الزعامة الى الحسين الشريف بعد وفاة لولة وتنازل بشطولة عن الزعامة لزوجها , وع توالي القرون تناقصت القبيلة واصبحت محصورة في قرية حملت اسم زعيمتهم...

كان آخر كبيرة للقرية الشريف الصادق , كان كريما لدرجة أن لا يخلو بيته من ضيف يوميا طيلة أيام السنة ,رزق بابنين أما ألاول فهو سيدي محمد الصغير, ذهب للحج وعمره تسع سنوات واستوطن بالمدينة واصبح مدرسا بالروضة الشريفة

أما الابن الثاني فيسمى سيدي ابراهيموكان مثالا للعابد الزاهد والفارس المغوار الذي لا يجاريه فارس

سمع بمحاصرة الفرنسيين لأحمد باي في قسنطينة , فهبّ هو وبضعة شبان للجهاد وفي كل قرية أو دوار أو مدينة يمر عليها الا ويلقي في جموع سكانها كلمة عن النصرة والاستغاثة واعانة الأخ والتصدي للعدو وعن فضل الجهاد ومكانته في الإسلام...

وقيل أنه أثناء أصبح لديه جيش كبير العدد نتيجة لكلامه المفعم بالأيات القرانية والأحاديث النبوية الشريفة , لكن جيشه كان من البسطاء المتسلحين بالمذرة والهراوة والخناجر وبعض البنادق

وعند قرب وصولهم للحامية الفرنسية كسر صمتهم صوت طلقتين أو ثلاثة للمدافع

انسحب الكثير منهم بأعذار مضحكة وباكية فمن متظاهر بالمرض ومن مدّعي الجنون ومن رأى أن أباه توفى في المنام وأحلامه لا تخيب وغير ذلك كثير من حجج ضعاف النفوس

سيدي ابراهيم وثلة من ألأولين الذين عاهدوا الله على ألاّ تزول أقدامهم ولا تزيغ قلوبهم حتى تختلط دماؤهم بأرض قسنطينة الطاهرة

قسنطينة محاصرة والحامية الفرنسية مستقرة على تلة قريبة منها

حلّ المغرب ,أفطر سيدي ابراهيم على شربة ماء فاليوم الخميس وقد اعتاد منذ بلوغه سن العاشرة على صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع فذلك أمر درج عليه كل من في البيت

بعد أن أمّ بمن معه وأتموا الصلاة , أقاموا مجلس حرب , وتقرر مباغتة العدو عن طريق الكر والفر لأنه يفوقهم عدة وعتاد والمواجهة المباشرة تعني رمي النفس الى التهلكة دون احراز أي نصر ميداني

يا الهي انهم خفافيش , يظهرون في الليل ,يقضّون مضاجعنا , يفتكون بمن قدروا عليه من جنودنا ويتسللون لواذا ....

هكذا أبرق الكلونييل سبستيانالى الى قائد الحامية , ورغم تشديد الحراسة في الليل وانارة كل المنطقة الا أن الضربات الموجعة مازالت تتوالى والشتاء على الأبواب

كعادته تسلل الى الخيمة في غفلة من العسس وسلّ خنجره ليقتل الجندي النائم , لكن الغطاء انحصر على وجهه , فوقف جامدا متسمرا , انها امرأة

لو طلب من سيدي ابراهيم وصف وجه امرأة , فانه على بلاغته وفصاحته يعجز, لأنه لم يحدث وأن تأمل وجه امراة قط حتى أمه أو أخواته وان لم يصرح بالسر من وراء ذلك , وان فسرها من يعرفه بأنه الحياء ...

لقد تأملها مليا ,,لم يتأملها بعينيه فقط بل تأملها بقلبه ,.بفؤاده, بخلاياه وأوردته, بشرايينه ودمه,بوجدانه وعواطفهوكيانه...

لقد تخدرت رجلاه ورفضت أمره بالانسحاب , لم يستطع سحب رجلاه ليتراجع وينصرف, ترى هل هو ما كان يسمع عنه في قصائد الشعر من عشق وغرام وهيام وصبابة فيسخر منها وممن اكتوى بلظاها

انه لا يدري, كل الذي يدريه أن ملامح وجهها طبعت في عينيه كلما أغمضها

صوت خافت لكن كلمه واضح :

- أقتلها , ألا ترى أنها ترتدي قلادة فيها المسيح مصلوب , انهامن خادمات الكنيسة, تعين الجنودوتقدم لهم الرعاية الصحية والمواساة والدعم المعنوي فهي كافرة تعين الكفار في حربهم على الاسلام , أقتلها فمصيرها في الأخير النار .

- لكن جدي عليه أفضل صلاة وسلام لم يأمرنا بقتل النساء بل نهانا عن قتل النساء والأطفال والشيوخ وكل غير مسلح من الفلاحين والرعاة ......

وحلت الليلة التالية , ورجع سيدي ابراهيم لنفس الخيمة ,وأزاح الغطاء قليلا على وجه الفتاة وبقى يتأمل مرددا لو لم تكوني كتابية , لو لم تكوني كتابية

وتقلبت الفتاة في نومها فانكشف جزء من نحرها, صرخ سيدي ابراهيم دون دراية على سجيته :" استري روحك يا مخلوقة."

نهضت الفتاة في فزع , التفتت نحو مصدر الصوت , التقت عينيها في عينيه, لحضة صمت ,لم تحسب بزمن الثواني والدقائق ,بل احتسبت بوقت غير هذا الوقت وفي زمن يختلف عن هذا الزمن , ثم انسحب مسرعا ...

لم تصرخ الفتاة , قضت ما تبقى من الليل تفكر , ترى ماذا يريدفي خيمتي ؟

هل جاء ليقتلني ؟ لو كان الأمر كذلك لقتلني قبل أن استيقظ

هل جاء من أجل المتعة ؟ لكنه لم يحاول لمسي وأنا نائمة

هل جاء من أجل الأدوية ؟ ربما

لكن ما الكلام الذي في عينيه ولم يخبرني به , ولم استطيع فهمه, هناك لغز, أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك وليتمجد ذكرك أحفظنا من كل شر ونجينا باسم ابنك يسوع ...

هذه هي الختمة الثالثة للقرآن الكريم اليوم , لكنها لم تبرح خيالي و يا الهي جئت طالبا الشهادة في سبيلك ,فهل يكون مصيري سوء الخاتمة, يا رب لطفك يا رب سترك يا رب عفوك ...

وحلّ الليل , في حذر شديد, تسلل الى الخيمة , هدوء شديد على غير العادة, اقترب منها وهي نائمة , مد يده المرتعشة وكشف الغطاء عن وجهها , تأملها قليلا , وبكى وهو يقول  :يا حسرتي في الفتنة سقطت , يا ويلتي ليتني كنت ترابا , ثم انسحب

حين تأكدت من خروجه , قامت فقد كانت تتظاهر بالنوم , وقد تأكدت انه لم يكن يريد إيذائها , تبعته في خفية , حتى كشفت موقع اختبائه ’ستنال مكافئة عظيمة لما تبلغ عن هذا المخبأ

 

 

الذي عجز الظباط الأشاوس عن كشفه  وتدميره , وهي في لحظة واحدة فقط كشفته , ياه , يامريانا لقد ابتسمت لك الدنيا وستصبحين صاحبة أراضي زراعية وأطيان....

لكنه بكى من أجلك , هل يعقل أن يكون هناك في الدنيا رجل يبكي من أجل امرأة , هل يعقل أن يكون هناك رجل بمقدوره أن يكلك نفسهوهو يرى جميلة نائمة وقد انكشف بعض مفاتنها,ليساعدني الرب ,أي قرار أتخذ , وجاءت الاشارة , صوت المدفعية الفرنسية هزت المكان والقذيفة سقطت قرب مريانا وقد اصابتها الشظايا قي ساقها ,فسقطت صارخة من شدة الألم....

سوف يسمع الفرمسيون صراخها ويكتشفون أمرنا , انها جاسوسة ترشدهم لمكاننا بصراخها , سوف أقتلها...

انتفض سيدي ابراهيم لا الجزائريون لا يقتلون النساء, تحمل على البغل لأقرب دوار , هكذا تعالج وتبقى في مأمن ونجعل عليها حراسة حتى لا تفر ويكشف مكاننا ...

اسمي ماريانا

اسم جميل لكنه ثقيل على لساني , ما رأيك لو أناديك مريم؟

على اسم والدة السيد المسيح؟

 غير بعيد عنمجلسهما رجلين أو ثلاثة يتهامسون

لم أرى أجمل منها , والله زين الروميات ما يشبه زينذعلى حسب ما تشوف راح يديها, خسارة والله خسارة

واش تقول الرومية غنيمة حرب وراح يكون حكمها حكم الجارية

قول صحيح الرومية سبية حرب , ملكنا جميع ...

تماثلت ماريانا أو ما اصبحت تعرف باسم مريم للشفاء , أصبحت تنتظر في لهفة وشوق عودة سيدي ابراهيم من رباطه ليتفقدها ليتفقدها ويتزود بالمؤونة وليشرح لها أكثر عن رب المسلمين ورسولهم محمد

لقد كنت اعتقد أن محمد سفاك دماء ,رجل خراب ودمار ونساء ما حسبته نبي رحمة وسلام كماتحكي لي الآن وكما رأيته في أفعالكم

هذه الصفات النبيلة ليست محصورة في محمد فقط , بل موجودة في كل الأنبياء والرسل ونحن نِمن بهم جميعا من عيسى وموسى وابراهيم وداود وسليمان ويوسف

عيسى

نعم عيسى بالعربية ويسوع بلغتكم

لكن يسوع ابن الرب

يا مريم لماذا يحتاج الله لابن ؟ هل الله يموت

طبعا لا

اذا كان الله لا يموت فلماذا يحتاج لابن؟ أنا احتاج لابن حتى يرثني ويحمل اسمي حتى يكون امتداد لي من بعدي وحتى يكون عضدي ومعيني عند مرضي وهرمي , فهل الله يمرض أو يهرم أو يموت حتى يحتاج لابن

طبعا لا ؟

الله حي لا يموت وقوي لا يضعف لا يؤثر فيه زمن ولا يتغير كامل قوي جبار عظيم

لكن السيد المسيح ولد من غير أب بشري وبالتالي فوالده يكون الرب

وخلق من قبل آدم من دون أب وأم فهل يعني هذا أنه أبوه وأمه, وخلق حواء من غير أم فهل يعني بالضرورة أنه أمها؟

في الكنيسة يمنع علينا ان نفكر في هذه الاسئلة ومن يتجرأ ويفكر فيها بصوت عال يتهم بالهرطقة

أرتاح للحديث اليك , للتأمل في عينيك ,للتفكير فيك وانا معك  والخوف عليك ,أشتاق اليك ,وأنا بعيد عنك,وأشتاق أكثر حين أكون قريب منك , كلمات تعتصر فؤادي لكن تأبى أن تتجاوز حنجرتي حتى تصل اليك

لماذا هذا السكوت تكلم أنا استمع اليك اصغي اليك بروحي ووجداني وجسدي تكلم فالكلمات منك هواء لقلبي الذي ما عرف التنفس الا على يديك

مضت برهة وكل واحد منهما يتأمل الآخر ويحدثه في صمت عن ما يعانيه من لوعة 

قطع مناجاة روحين صراخ أحد المجاهدين ,لقد سقطت قسنطينة

سقطت قسنطينة ,ومعظم المرابطين قتلتهم الخيالة الفرنسية

سحقا لهم لو لم يكونوا يملكون المدافع .....

ماذا نفعل بالمرأة الفرنسية؟ اقترح أن نقترع عليها,كل واحد منا تقضي عنده اسبوع ثم يهبها لمن يخرج اسمه في القرعة فهي سبية حرب

نعم, نعمأوفقك الرأي,هكذا تقسم الغنائم,خاصة هذا النوع من الغنائم

رأي سديد, ونعم الرأي

بل هو مكر مكرتموه بليل , مريم ليست سبية , بل حرة اعتقتها لاسلامها, هذا الذي يشغل بالكم فقط كيف تتمتعون بأنثى, مدن الجزائر تسقط تباعا مدينة وراء مدينة وأنتم تخططون كيف تكون قسمة امراة ,سحقا لكم سبية حرب والله نحن السبايا,سنصبح جميعنا أسرى حرب واراضينا وحيواناتنا غنائم حرب, مريم امراة حرة لها حرية الاختيار,اما أن تتزوج احدنا أو تذهب لحال سبيلها

ليس لك علينا من سلطان,فالأمر بيننا شورىوبالأغلبية يكون القرار

بدأ الليل يحل ,غدا نجري القرعة وان اردت ان لا تشارك فيها فذلك نعم الراي

سنأجل الحديث الى الغد,لكن وان اقتضى الأمر فالنزال دون أن يعبث عابث بشعرة واحدة من شعر مريم

من يستمع اليك يضن انها العذراء والله اعلم ماذا كانت تفعل كل تلك السنيين

اتق الله يا رجل ولا تقذف المحصنات

اتق الله انت ولا تتكلم على امرأة تتقلد الصليب وتدعي انها مسلمة ...

لا أملك القرطاس والدواة , فكتبت اليك في قطعت قماش من لباسي , اجمل قطعة حرير كانت هدية من والدي لكن مزقتها لتكون ورقة اكتب عليها كلامي ولم أجد مداد ,فجرحت نفسي واتخذت من دمي مداد لاكتب لك أني وحق الابن يسوع احببتك كل الحب وشاكرة لك كا قدمته لأجلي , لا اسمح ان اكون كتلة لحم تنهشها كلاب قومك كما لم اسمح لكلاب بني ملتي بان ينهشوني , وحتى لا تدخل في صراع مع قومك بسببي اثرت الانسحاب  لكن وحق الرب ستضل محفورا في قلبي وعقلي حتى تفارق روحي جسدي ,اما دينك فهو دين جميل , لكن وهبت نفسي منذ الصغر لخدمة الكنيسة ورغم اختلاف الأديان فلقد اجتمعت روحينا على الحب والطهارة فالوداع الى الأبد.

                                                                             المخلصة ماريانا

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق