]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

الدين المتين

بواسطة: Saad Benaissa  |  بتاريخ: 2012-01-28 ، الوقت: 18:21:49
  • تقييم المقالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

 

-         الدين المتين –

 

ورد في حديث للرسول صلى الله عليه و سلم قوله: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق".

إن ما استشفه من هذا الحديث الشريف، هو التدرج البطيء الذي يتطلبه سبر أغوار هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده. و هذا يعني التطور الطبيعي لإدراك الإنسان وفهمه للدين. و تطبيقه له.

        فالدين في حقيقته ثابت، والمتغير هو إدراك الإنسان و فهمه السليم للدين.

 إذا تطرقنا لأركان ديننا الخمسة نلاحظ مايلي:

1-   بالنسبة للشهادتين "أشهد أن لا إله إلاّ الله، و أشهد أن محمدا رسول الله"

 

فإني أستخلص أن الهدف القريب منها هو توحيد الله و بما أن هذا التوحيد لا يغني الله شيئا، فإن الهدف البعيد هو توحيد الناس حول الله، و بما أن الله هو اسم من الأسماء  الحسنى فإني أستطيع القول أن هذا الهدف البعيد هو توحيد الناس حول الحق أو توحيد الناس حول العدل أو توحيدهم حول السلام و غيرها من أسماء الله الحسنى. و لكن الحق و العدل و السلام كمبادئ و شعارات لا تدرك بمجرد نطقها. و لكنها تتحقق بالتطبيق و الأفعال، و هذه هي الأمانة التي كلف الله بها الإنسان، و هي أمانة ثقيلة، وتوجب على الإنسان الإجتهاد و التضحية في سبيل إدراكها و تحقيقها. و هذا السعي يتطلب المداومة و الإستمرار، لأن ما يبدو اليوم حقا أو عدلا أو سلاما قد يتغير غدا.

 

    أما الجزء الثاني من الشهادة فالهدف منه الإقتداء بالرسول صلى الله عليه و سلم في إحقاق الحق و نشر العدل والسلام، و التمسك بالأركان.

2-               أما إذا انتقلنا إلى الركن الثاني المتمثل في الصلاة. فإن ما أستخلصه من الركوع و السجود و القيام و القعود يتمثل فيما كان الأسياد من البشر يفرضونه على الرقيق، و إن إيماننا بأن الله هو من خلقنا يجعلنا مملوكين لهذا الإله كما السيارة مملوكة لصانعها  أو شاريها، و كما الاختراع ملك لصاحبه. و بالإضافة إلى هذا فإن الله هو الذي يحيينا و يميتنا و هو المنعم وصاحب الفضل علينا، أو لا يحق أن نقر له بملكيته لنا؟ أي أن يكون كل واحد منا عبدا له إن كان ذكرا، و أمة إن كانت أنثى. و العبد و الأمة مملوكان.

        و قد جمع العبد على عباد بدل عبيد لتكريم الله لنا بإعفائنا من خدمته لأنه غني عن ذلك، و لكنه أمرنا بالعمل الصالح الذي ينفعنا نحن كعباد.

        أما العبرة الثانية  التي استخلصها من الصلاة فتتمثل في النية التي تعني القصد، و في التوجه إلى القبلة، و هذه النية و هذا التوجه إنما هو لموقع معين، و هو ما يعرف ببيت الله و من قصد بيت أحد أو توجه إليه إنما يريد صاحبه و ليس البيت نفسه. و التوجه إلى الله وقصده يعني أيضا التوجه إلى الحق والعدل والسلام، وقصد هذه المبادئ لا يتحقق بمجرد ما نفعله في الصلاة ،و لكنه يحتاج إلى ترجمة واقعية في حياة العباد و معاملاتهم، و إذا لم نترجم هذا القصد و التوجه إلى واقع، تكون الصلاة فارغة من محتواها و مضمونها. و إذا كانت الصلاة دعاء فإن الدعاء يتطلب منا كذلك المبادرة و السعي، و من سعى نحو الخير الذي ارتبط مرارا بأسماء الله فسعيه مشكور، فمن يطلب الرزق فعليه أن يكد و يجتهد. و من يطلب العلم فعليه بالجد و المثابرة و سهر الليالي، و هلم جرا.

        و إذا كان الأمر هذا في الصلاة، فهو كذلك في الحج حيث يجب أن تكون أركانه الأربعة: النية، و السعي، و الطواف، و الوقوف بعرفة،  كلها في سبيل الله، أي في سبيل البر الرحيم و الغفور الشكور الحليم و غيرها من أسماء الله الحسنى، و هل هناك ما يجمع الناس أفضل من البر و الاحسان و الرحمة و المغفرة و الحلم و الشكر و الإيمان و الصدق. التي هي أيضا من صفات العباد باعتبارهم خلفاء الله في الأرض، و على رأس هؤلاء العباد أئمتهم و رؤساؤهم و قادتهم، و إذا كنا غير متمسكين بهذه الصفات، أو انقلبنا إلى العمل بضدها، فهل يبقى لنا من الدين شيء نعتز به؟ و هل نبقى من أحباب الله و أنصاره؟

         إن بلوغ المحامد كلها أو بعضها لا تمكننا منه أقوالنا و أفعالنا و حركاتنا و نحن نتطهر في المحارم مرددين للمقاصد. أو نحن نسعى بين الصفا و المروة. أو نحن نطوف بالبيت العتيق مهللين مكبرين متضرعين للواحد القهار. أو نحن وقوف بعرفة أرض المنشر و المحشر كما يقال. و لكن يمكن أن تسود القيم النبيلة و الصفات الكريمة المحمودة عند الناس جميعا أو أغلبهم إذا وجد تشريع حكيم و ملزم للناس على اتباع الصراط المستقيم على أن يشمل التشريع الجميع أي أن يخضع الكل له. و ليس البعض فقط إننا نطبق في زمننا هذا القوانين الخاصة بالحد من السرقة أي التقليل منها، سواء أكان ذلك بالسجن أو التغريم. أو قطع اليد أو حتى بالقتل، و لكننا لم نستطع أن نحد منها، و يرجع السبب في هذا إلى انعدام المساواة في تطبيق الأحكام. و إلى عدم وجود تفكير جدي في السبل و الوسائل التي تحد من هذه الظاهرة السلبية.

         إن المشكل لا يتمثل في الأحكام الشرعية نفسها. و لكن في معرفة السارق الحقيقي، والشخص أو الهيأة المسروق منها، و الشيء المسروق، و الأسباب التي دفعت إلى ذلك. والعلاج الناجع لهذه الظاهرة.

         فنحن نطبق الأحكام الواردة في كتب القانون دون تفكير، لقد تحولنا من عباد عقلاء إلى مجرد آلات كلما ضغطنا على زر معين، أعطتنا الآلة الشيء المطلوب، لقد أصبح الجمود هو سمتنا، نصلي دون وعي، و نحج دون وعي، و نعتلي أعلى هرم في الدولة دون وعي، و نقاضي دون وعي، و نسير دون وعي، وحتى التعليم و الإرشاد أصبحنا نمارسهما دون وعي، كما أصبحنا نحيي العلم الوطني دون وعي كذلك، لقد أصبحنا مخدرين لا نميز بين الخير و الشر. و لا بين الحق و الباطل، و لا بين المفيد النافع و المفسد الضار، لقد أصبحنا مجرد أغنام ننام و نستيقظ، و نغدو و نروح، و نرتع و نشرب، و نتناطح على الأعلاف التي أصبحت كل همنا في زمن سيطرت فيه المادة على البطون و العقول على حد سواء، فأصبحنا لا نفكر إلا في الأورو و الدولار و الدينار و كيف نحصل عليها. و كأن هذه العملات هي الحياة بعينها، و هي السعادة بنفسها، وهي الخبز الذي نأكل. و الماء الذي نشرب، و الثوب الذي نرتدي، و الدواء الذي نأمل أن يكون لنا فيه الشفاء، والبيت الذي يؤوينا، ويقينا حر الصيف وبرد الشتاء.

        إذا كان  الهدف الفعلي لأركان الإسلام الثلاثة السالفة الذكر هي التوحد و الالتفاف و التحلق حول من يحيي و يميت و يرزق بغير حساب و الذي هو الحق و العدل و السلام، إذا كان الهدف هو التوجه و قصد القيم و المبادئ السامية و العمل من أجل بلوغها. إذا كان هدف الدين هو السعي من أجل إحقاق الحق و الطواف حول الحق، و الوقوف مع الحق. فيجب علينا أن نستفيق من سكرتنا، و نتخلص مما خدرنا، و نلتف و نتحلق جميعا حول الحق و العدل و السلام كما نلتف و نتحلق حول الكعبة في كل صلاة.

        و هذا ليس بالواجب علينا و حدنا كمسلمين فقط بل هو الواجب على جميع شعوب العالم و الأمم المتحدة و مجلسها الموقر على الخصوص و على جميع المؤسسات التابعة له لأنه بغير الحق و العدل الحقيقيين لن نحقق السلام.        

        قد يزعم قادة العالم و مجلسهم الموقر أن الحق و العدل و السلام العالمي هو ديدنهم و مرماهم. فأقول لهم إن الحق واحد ولا يجب أن يختلف فيه اثنان، إلا  الذين يكفرون بالحق و أعني بهم الذين يعلمون علم اليقين أن هذا حق وينكرونه عمدا و دون دليل أو برهان.

        و أقول إن العدل هو تساوي و استقامة كفتي الميزان بالنسبة لجميع الأنام جماعات كانوا أو وحدانا، لقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"و الله لو أن فاطمة الزهراء سرقت لقطعت يدها" و قد قيل هذا الحديث الشريف للذين أرادوا أن يكيلوا بمكيالين أو ربما بأكثر من مكيالين.

كما أؤكد لزعماء العالم أن عدم استتباب السلم و الأمن و السلام، يعود قطعا لما يشعر به المقهورون الذين يقاتلون من أجل رفع  الظلم و العدوان، و اعتقد أن هؤلاء ليسوا جميعا من الذين ينكرون الحق و هم يعلمون أن الله هو الحق و أنه هو العدل و صاحب القسطاس المستقيم.

إن مثل العدل يتجلى في فرض الصلاة الجماعية التي يعبر فيها الإنسان عن عبوديته لله، فوقوف الناس و ركوعهم و سجودهم و جلوسهم على صعيد واحد، إنما يعبر على أن كل رجل من أولئك المصلين مثل جميع الرجال الذين صلى معهم بمن فيهم إمامهم، لا يفضل أحدهم غيره في الخلقة الطبيعية التي خلقهم ربهم عليها كما لا يملك أحدهم دون الآخر لنفسه نفعا أو ضرا، و لا حياة أو مماتا.

         لقد من الله عليهم جميعا بالعقول ليهتدوا بها، و أودع فيهم نفس الغرائز و الشهوات.

        و ما يقال عن الصلاة التي يتساوى فيها الرجال، فإن ارتداء الحجاب يوحد جنس النساء و يسوي بينهن، فهن جميعا إماء الله، و خلقتهن الطبيعية و الفسيولوجية واحدة. و الهدف من خلقهن واحد، فلكل واحدة منهن رحم كغيرها، و كل واحدة منهن أنثى و ليست ذكرا، و إن الاختلاف في اللون أو في القصر و الطول أو في الرقة و الخشونة، أو في الجمال و القبح أو في علو المنصب أو دنوه لا يخرج المرأة من جنسها و لا من الغاية التي خلقها الله من أجلها ألا و هي الإنجاب و المحافظة على الجنس.

        إن الادعاء بأن خلع الحجاب يحرر المرأة أو يسويها بالرجل لا مبرر منطقي له، وإن المساواة بين المرأة و الرجل لا تعني إنكار كل منهما لجنسه، أو لما خلق له، أو لما هو حق و عدل في الدين و الحياة.

        و لكن المساواة في ممارسة كل واحد للأعمال الصالحة المتيسرة له، و ما يترتب عليها من أجر. أو ممارسة كل واحد منهم للخبائث المحرمة و ما يترتب عليها من وزر، أو عقاب، قال تبارك و تعالى: "من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها". وقال: "و ما ربك بظلام للعبيد". وقال: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

        إن أداء الصلاة جماعة من طرف الرجال، وارتداء النساء للحجاب يترجم مبدأ لا فرق بين رجل ورجل، ولا فرق بين امرأة وامرأة إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهذا المبدأ مخالف للعنصرية، والأنانية، والإختيال، والكبرياء، وغيرها من الأخلاق المذمومة.

        إن الدين لله من حيث الوجود، وللناس من حيث التطبيق.

  

        هداني الله وسائر عباده إلى الصراط السوي المستقيم.

السعيد أحمد عشي

 

باتنة يوم : 05/03/2009        


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق