]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التوبة: تعريف شروط عوائق معينات ...

بواسطة: fouad youness  |  بتاريخ: 2012-01-26 ، الوقت: 07:38:34
  • تقييم المقالة:

 

التّوبة الله تعالى خلقنا وأنعم علينا بنعم كثيرة وأمرنا بعبادته واتباع أوامره، لكن قد يقع الإنسان في مخالفة أمر خالقه، فما المخرج من ذلك؟

قال الله تعالى في محكم تنزيله الكريم:)وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُومِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ([الأنعام: 54]فمن رحمة الله تعالى بعباده تشريع التوبة للمخطئ.

كما أن ربّنا الرّحيم يريد أن يتوب علينا: )يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَّتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا([النساء: 26-27].

1.هل الأصل في الإنسان الاستقامة أو العصيان ثم التوبة؟

الأصل هو عدم الوقوع في المعصية، قال الله تعالى بعدما ذكر وقوع أبينا آدم في المعصية ثم توبته: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾[الأعراف : 27]

 

2.ما هي التوبة؟

التوبة: الرجوع إلى الله تعالى؛ ومنه سمي الراجع من نهي الله إلى أمره ومن معصيته إلى طاعته تائبا.

3.حكم التوبة:

التوبةصفة في كل مسلم، فهو دائم الصلة بالله منيب إليه في مختلف أحواله وظروفه. وقد أوجب الله تعالى التوبة على كل من وقع في معصية خالقه:

{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[المائدة : 39]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[التحريم : 8]

4.خطورة المعصية: 1)العذاب الدنيوي: والمعيشة الضنك: قال الله تعالى:﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[طه : 124]  ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[السجدة : 21] 2)   العذاب الأخروي:

فلا سبيل للعاصي كي ينجو من عذاب الله تعالى إلا التوبة والاستقامة، ومن مات مُصِرًّا على معصية غير تائب منها فلا مطمع له في النجاة:{ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الحجرات : 11]{ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}[الإنسان : 31])إنَّهُ مَنْ يَّاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى([طه: 74].

 

5.    عوائق عن التوبة: بعد أن يقع الإنسان في المعصية قد يستشعر خطورة ما أقدم عليه وقد لا يستشعر، وفي كل الأحوال، فإن الشيطان لن ييأس منه ولن يدعه، وهذه بعض المعيقات عن الندم العميق والتوبة الصادقة: 1)    الجهل والغفلة:

من العوارض التي تقف دون شعور العاصي بالذنب والتقصير، وتحول بينه وبين التوبة؛ جهله بخطورة المعصية، وعدم إدراكه لعظمة خالقه وفضله ونعمه، ثم عدم إدراكه لضعفه وعجزه فهو لا يجد في مخالفة أمر ربه حرجا بالغا ولا يرى فيه أمرا خطيرا.

2)    التسويف:

وهو داء خطير يتملك الإنسان فيصده عن التوبة، وهو أن لا يسارع الإنسان إلى التوبة، أو يربط استقامته بآجال أو أحداث لاحقة.لكن من يضمن للإنسان أنه سيوفق للتوبة بعد ذلك؟، وخطر التسويف أنه قد يتحول إلى طبع في الإنسان فيُحرم التوفيق: )كَلَّا بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ([المطففين: 14]، كما أن الموت قد يدركه قبل التوبة فيلقى ربه على غير الرضا والقبول: )إِنَّهُ مَنْ يَّاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى([طه: 74]وقد نبهنا الله تعالى إلى هذا وحذرنا بقوله: )إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا([النساء: 17-18].

3)    الأماني:

مما يصرف العاصي عن التوبة الاغترار بأن الله غفور رحيم وأن رحمته سبقت غضبه، وكذا التعلق بالأماني فارغة، مثل الإكثار من الخير، أو النية الحسنة، أو شفاعة الرسول عليه السلام للعصاة غير التائبين. وإذا كان هذا فما الحكمة من الأوامر والنواهي؟ وحُكم الله تعالى صريح في عدم استفادة غير التائب من المغفرة والجنة: )وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَوَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى([طه: 82])... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُومِنُونَ([الأعراف: 156].

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن التعلق بمغفرة الله دون توبة صادقة إنما هو من أماني اليهود وادعاءاتهم الكاذبة، يتبعون شهوات الدنيا ومتاعها دون العمل للآخرة ويتمنون المغفرة وهم باقون على تلك الحال : )فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الادْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُوخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ([الأعراف: 169]. عَرَضَ هَذَا الأدْنَى: المال الأدنى وهو مال الدنيا.

4)    الأمن من مكر الله:

الأمن من مكر الله وعذابه، والاغترار بالعافية والمال، لا يوقد في قلب العاصي حرجا يدفعه إلى التوبة والندم والاستغفار، وقد عاب الله على العصاة مثل هذا الشعور الخادع: )أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَّخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الاَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ([النحل: 45-47]، تَقَلُّبِهِمْ:تَنَقُّلَاِتِهم وأسفارهم؛تَخَوُّفٍ:خوف وتَوَقُّعٍ لما هو سيء.

5)      اليأس من عفو الله ورحمته:

قد تتراكم المعاصي والذنوب على الإنسان، أو يقع في المعصية ثم يستعظم أمرها، فيرى أنه لا مخرج له من ورطته ولا سبيل له إلى التوبة، وذلك من إيحاءات الشيطان حتى يُجْهِزَ عليه بشكل دائم، لكن الله تعالى فتح لعباده باب التوبة مهما بلغت الذنوب وعظمت ما جاءوا بها في وقتها وبشروطها:

)قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ([الزمر: 53-54].

6.أنواع من التوبة؟ 1)      توبة المناسبات:

هي التي ترتبط بالمناسبات كحلول شهر رمضان وأداء فريضة الحج أو وفاة قريب وحضور حادث مؤلم مؤثر، فمن تاب واستقام بعد المناسبة فذلك دليل الصدق، ومن نكث وعاد فذلك دليل عدم الصدق والعلاقة المضطربة بالله تعالى, أو الفهم المعوج لحقيقة التوبة.

2)      توبة الشدة والعسر:

يعتري الإنسان في هذه الحياة من الشدة والمرض والخوف ما يحرك فطرته ويبعث فيه مشاعر التعلق بالله تعالى والإنابة إليه، فيستشعر العاصي سوء فعله ويقطع العهود بالتوبة والاستقامة، فمن أوفى بعهده وكانت الشدة له فرصة تحول وتصحيح فذلك التائب الصادق، ومن انقلب بعد انقضاء الشدة إلى سابق عهده في الفسوق والعصيان فذلك الخائن في عهده والكاذب في توبته، ومثال ذلك ما يذكره الله تعالى في قوله:       )هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمُ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ([يونس: 22-23]أُحِيطَ بِهِمْ:دنا هلاكهم.

)وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ{[الزمر : 8 ، 9]

3)      توبة الرخاء واليسر:

إذا خشع لكلام الله تعالى فأدرك عظمة الخالق واستيقن فضله ونعمه عليه استحت نفسه من مخالفة أمره أو الجرأة على نهيه، فإن غلبته نفسه وزلت قدمه ندم بشدة وسارع إلى التوبة والاعتذار وهو في كامل الصحة والعافية بعيد عن المصائب والبلايا، وذلك دليل الندم الصادق والعلاقة الصحيحة بالله تعالى.

7.أركان التوبة:

الأسس التي لا يمكن تصور توبة بدونها هي:

1)      الندم على الذنب:

لا يمكن تصور توبة دون ندم واستشعار بالتقصير، وذلك أول مراتب التوبة وأساسها، الذي يدفع النفس نحو الاعتذار والتصحيح، كما في الحديث: "الندم توبة"[الحاكم عن أنس بن مالك].

2)      الإقلاع عن الذنب:                       

البقاء على الذنب والإصرار على المعصية نقيض التوبة، فلا تستقيم توبة دون إقلاع عن الذنب وتوقف عن المعصية، وذلك أول علامات التوبة، وصدق الندم، أما الاستغفار باللسان والبقاء على العصيان فهو جهل قبيح بحقيقة التوبة واستهزاء بالله تعالى.

3)      النية والعزم:

من أسس التوبة وأركانها التي تبعث فيها الاستمرار ؛ النية والعزم وذلك أن ينوي التائب ويعزم على:

ü       عدم العودة إلى المعصية. ü       التصحيح والتغيير.

فلا توبة مع نية العودة إلى المعصية أو التهرب من واجب التصحيح والتغيير.

8.شروط التوبة:

على التائب أن يكون بصيرا بطريق العودة إلى الله حتى لا يضل الطريق ويُحرم التوفيق والمغفرة والقبول، فما هي شروط التوبة التي لا تتم إلا بها، وما هو السبيل إلى التوبة الصادقة النصوح؟

1)   التوبة من جميع الذنوب:على الإنسان أن يجتهد في تذكر ذنوبه منذ صغرهويتوب مما تذكره بعد بلوغه، ومن مظالم العباد ولو قبل بلوغه ، فيسارع إلى التوبة منها ولو كان الذنب حقيرا في نظره:}وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ{[النور : 15] وأحسن مثال هو آدم الذي لم يستصغر المعصية الواحدة التي وقع فيها أو كونه فقط ذاق منها، بل سارع إلى التوبة: }قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{[الأعراف : 23] 2)      السّؤال:

يجب على التائب أن يسترشد بالعالم ويسأل أهل الذكر عن أخطائه وذنوبه حتى يستوفي ما عليه من تبعات وحقوق يؤديها، وتكتمل عنده خطوات الإصلاح والتصحيح التي نصّ القرآن الكريم على ملازمتها للتوبة: )ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواإِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ([النحل: 119].

3)      الأداء والبدل:

أداء ما على التائب من واجبات كأداء كفارة، وقضاء ما عليه من فروض مثل الصلاة والصوم شرطٌ في سلامة توبته وعلامةٌ على صدقها.

4)      المحاللة والتخلص:

من كانت توبته من مظلمة وقع فيها فتوبته معلقة بمسامحة صاحب المظلمة، ولا تجزيه دون محاللة واعتذار، وتخلص مما عليه من حقوق غيره ماديةً كانت أو معنويةً، وهذا يدخل في تحقيق الإصلاح الملازم للتوبة في القرآن.

 

5)      التحول والاستبدال:

من الشروط المكملة للتوبة والتي تُديم فيها الحياة وتصونها من الانتكاس أن يتحول العاصي عن مواطن المعصية ومحيطها ويفارق قرناءه فيها، ويعلن توبته لكل مشاهد ومشارك، ويترك عاداته السيئة ويُبَدِّل ذلك بمواطن الطاعة ومحيطها، ويقترب من أهل التقوى ورفقاء الصلاح.

6)      الدعاء والاستغفار:

من الشروط المحققة للتوبة؛ أن يعترف العاصي لله تعالى بالخطإ ويعتذر له من الوقوع فيه، متقربا إليه بقلبه ولسانه داعيا مستغفرا.

9.معينات على التوبة: 1)      العلم:

من علم خطورة المرض بادر إلى العلاج ولازم إرشادات الطبيب، لذلك كان العلم بخطورة المعصية وعواقبها الوخيمة أول خطوة في طريق التوبة؛ فالعاصي الذي:

¦أدرك عظيم فضل الله وواسع نعمه.

¦واستيقن شدَّةَ عذابه وهوْلَ عقابه.

¦وصدَّق بكريم عفوه ومغفرته.

بادَرَ إلى الندم والاستغفار والاعتذار بعد الغفلة والانحراف والتنكر والجفاء.

2)      ذكر الله تعالى: يجب ملازمة ذكر الله تعالى والتفكر في آياته في القرآن الكريم والمخلوقات وفي نعم الله تعالى الكثيرة، لأن المبتعد عن الذكر يسلط الله تعالى عليه شيطانا يوقعه في المعاصي ويصده عن التوبة:}وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ{[الزخرف : 36 ، 37] 3)      المراقبة والمحاسبة: لا يغفل الشيطان عن إغراء الإنسان وإغوائه بشتى الوساوس والوسائل ليجره إلى المعصية ويُوقعه في الإثم والفسوق، لذلك وجب على المسلم أن يكون يقظا حذرا يراقب الله تعالى في نفسه، فإن وقع لا قدر الله في معصية أخرى ندم أشد الندم وسارع مرة أخرى إلى التوبة النصوح قال الله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوِا اِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ([الأعراف: 201]

)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ([آل عمران: 135].

4)      ذكر اليوم الآخر والحساب:

قال الله تعالى: )... إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ([ص: 26]     من كان اليومُ الآخر بين عينيه، وذكرُ الحساب في قلبه ونفسه، سَلِمَ من الإصرار على المعصية، وعُصِم من الغفلة والنسيان؛ وبادر إلى التوبة عند كل خطإ وإثم وعصيان.

5)      صحبة الأخيار:

المحيط الصالح والأصدقاء الأخيار من أحسن ما يكنزه المسلم في هذه الحياة، فهم رفقته الطيبة وأعوانه في رحلته إلى الآخرة، ينبهونه إذا غفل ويردون عنه شرَّ المعصية ودواعيها، ويأخذون بيده إن سقط فيها. }واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم...{الآية[الكهف : 28]

10.                                                                                                                                         نماذج من التائبين: 1.    آدم عليه السلام:نهاه الله تعالى عن قرب الشجرة:}وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ{[الأعراف : 19]، ولم يكن دخوله في المعصية بإصرار أو استكبار، بل بغفلة وتزيين الشيطان له:}فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِين{[الأعراف : 20 ، 21]وبعد ذلك تاب ورجع إلى الله تعالى. وأكثر من ذلك ينبهنا الله تعالى إلى خطورة المعصية ولو كان مقدارها قليلا بأن يقول:}فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ{[الأعراف : 22]لم يأكلوا إلى حد الشبع وإنما بالذوق فقط. والله تعالى بعد ذلك لم يعاقبهم مباشرة، بل أعطى لهما فرصة التوبة: بالنسبة لإبليس: ما منعك..؟ لكن استكبر، أما آدم فسارع للتوبة: }قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{[الأعراف : 23] 2.   نوح عليه السلام:دعا قومه 950سنة فأمره الله تعالى بصناعة الفلك بقوله: }وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ{[هود : 37]  أي لا تراجعني في شأن الذين ظلموا أنفسهم لأنهم سيغرقون، وبعدما ركب في الفلك تحركت فيه عاطفة الأبوة كغيره من البشر، فدعا ابنه ليركب معهم:}وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ{[هود : 42 ، 43]فنوح عليه السلام بشر مثلنا له عاطفة تجاه ابنه، وفي ذلك عبرة ليسهل لنا الاقتداء به، }أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ{[الأنعام : 90] وبعد ذلك تكلّم نوح مع ربه قائلا:}وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ{[هود : 45]وما وقع فيه نوح عليه السلام خطأ بسيط في نظرنا وهو أنه دعا الله تعالى دعاء استعطاف في حق ابنه، فرد الله تعالى عليه معاتبا عتابا شديدا:}قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{[هود : 46] بعد ذلك: هل قال نوح: أطعتك يا ربّ أكثر من 900سنة، وخالفتك مرة واحدة ثم تفعل بي هذا؟ لا، بل سارع إلى التوبة بتواضع:}قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ{[هود : 47]فسارع للتوبة قائلا:}وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي{فليس إشكاله: هل ينجو إن أصر ولم يتب أم لا، لكن إن لم يقبل الله توبته يكن من الخاسرين. بخلاف من يتواقح ويقول: قد أنجو من عذاب الله تعالى وإن أصررت على العصيان ولم أتُب. وكذلك آدم عليه السلام:}قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{[الأعراف : 23]فقد تابا لكنهما يخافان أن لا تقبل توبتهما؟ }وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا...{ 3.   يونس عليه السلام: لم يصبر مع قومه:}وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ{[الصافات : 139 ، 140] فيونس عليه السلام أبق، خرج عن طاعة ربه. عبد أبِق، خرج عن الطاعة. خرج من قومه بدون إذن ربه:}فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ{[الصافات : 141 ، 142] مُلِيمٌ: آت بما يلام عليه. فعاقبه الله تعالى. ويونس لم يكن عن سابق إصرار، بل خرج غاضبا لله تعالى حين لم يؤمن أحد من قومه:}وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ{ولم يكن يتوقع أن يعاقبه الله تعالى بهذا الفعل، والأصل ألا يخرج إلا بإذن من ربه، }فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{[الأنبياء : 87] فلم يقل يونس: لقد دعوت قومي كثيرا لماذا لم تنظر إلى تلك الطاعة كلها؟ بل سارع للتوبة بتجديد العهد: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ". "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"
« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق