]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مُذكّرات لاجئ سياسي

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2012-01-20 ، الوقت: 19:40:15
  • تقييم المقالة:

اجتزنا  - في العراق على الأقل - نُقطة اللاعودة مُنُ زمنٍ مديد، وعبرنا ضِفّة العَمار الى شاطئ الخراب القفر المُجدِب، قطعنا المرساة وأغرقنا قوارِب النجاة وأحرقنا عند رُسوّنا اسطولنا اليتيم وأقمنا الحدَّ على قُبطاننا الوحيد، عربدنا في لحظته المُقدّسة ولم نمنحه سيجارةً أخيرة أو ابتهال مصلوبٍ بعيدٍ عن مُقلتي أمّه وشفتي زوجته، فهل ترانا تحجرنا واسِعاً؟

وَقودُ صمودِنا في وجه الإعصار على وَشَك النفاذ ولمّا نَصل إلى المُبتغى الضائِع، هناك حيثُ فِردوسُ الأرض محضُ خُرافةٍ خلقتها اختناقاتُنا المكبوتة وحشرجاتنا الصامِتة، فلمّا تجلجلتْ بينَ جنبات ارواحٍ معذّبة، أطلقت تهاويمها المُلتاثة مُثرثرةً بِصوتٍ عال، صوتُها الدافِق كمداً يختَزِلُ قرونَ الإحباط والعبث وخيبات الأمل المُعتّقة،  ولئن توخيتُ الدِقّة في توصيف بُكائيّات العصر العربي الأجوف، فأني – وعلى المُستوى الشخصي – مُصابٌ بِفرط الإعياء والإرهاق والبؤس.

 تَعبِتُ من نِداءِ مُعتَصِم لنْ يَعتَصِم، وكرهتُ الوقوف عند مَغارِب الحياة وهوامِش الأيام استنهِضُ هِمماً خامِدة، وغيرةً جامِدة، ونخوةً لنْ تنتخي، زمننا العراقي الحزين يفترشُ بِساطَ الأزمة المُزمنة المؤبّدة المُلتَفة حولَ أعناقِنا مُنذُ نبحتْ كلابُ الروم الجرباء في بِلاط الرشيد المَنيف، ومنذُ احتسى أولُ مُجنّدٍ أشقر كأس انتصارِه المؤجل على أطلال آخرِ مأذنة، ومنذُ اكتسى كُلُّ شيءٍ في بلادي بالسواد، من حُفَر المُفرقعات العَميقة، وبُقع دمائِنا المُتيبسة، وقتامة عمائِم موبوءةٍ بِرغبات أشدَّ قَتامة الى عباءاتِ الأُمهات المُنكَسِرة تَنوء بِحمل دَهرٍ مِنَ الحرب والجوعِ والأشواق القتيلة لِوليدٍ مَغدور، وأبٍ لَمْ يَعُد ذاتَ صَباح.

 من نحنُ لتتبسم في وجوهِنا الحياة؟ نحنُ محضُ صَدىً لهذرٍ بِلُغةٍ ميّتة وظِلالٍ لكائِنات مُنقرضة، لم نخرُج بعدُ من كُهوف الأنسان الأول، مشطوبةٌ معوجّة محروقة أسمائُنا وبصماتُ أصابِعنا.

سوادٌ شديدٌ دفعني اليوم أن أحاوِل جاداً ودونَ مُزاح طردَ وهم الوطن الجميل من مُخيلتي المُتعَبة، وَهمٌ خلّف فيما خَلّف من آثار تِلك الطَبقات الجليديّة من الذُعرِ والخوف في أعماق جُغرافيّة ما وراء حُدود الدفء والشمس والصيف والصحراء، أشباح فِرق الإبادة، زوار الكوابيس المعتادون، وعويلُ النسوة الغامِض في الحواري البعيدة المعزولة، وتلاشي ملامِح الأصدقاء الراحلين إلى صقيع الشمال الآمن، ولكَ أن تتصور! كيفَ يُطاوِعُ المرءُ أقدارهُ الخَفيّة فيرتَحِلُ قَسراً من الجنائن المُحتلّة الى قِمم الثُلوج الحُرّة، ولكني – ولكي أتحرى الدِقّة - لستُ حزيناً لِتَشرُدي الطوعي ومنفاي الذي اخترتُه، أضغاث اللاإنتماء أخفُّ وطأةً على كاهِلي من واقِعٍ ترفُضُهُ مقاييسي الإنسانيّة في حدودِها دونَ الدُنيا، فَكَم هوَ مُخجِلٌ أمامَ الذات أن تُعلِن انتِسابَكَ لِمُجتَمَع الكراهيّة، وَكَم هوَ مُرعِبٌ أن تُفصِحَ عن هويتِكَ التي تُدينُك.

 لستُ مُتقعّراً أو مُتشدّقاً أو مُتفيهِقاً، لِكلٍ مِنّا آثامَهُ وذُنوبه، بيدَ أني أرفضُ قَطعياً أن أتحوّل تدريجياًّ إلى جزّارٍ أو ضَحيّة، أرفضُ عرض القوة الفارِغ الأول، وأرفضُ دور الضُعف الهزيل الثاني، وهُما أبرز شَخصيّات بلدي بعد الجلاء، وهُما العلائِقُ الرئيسة في حقبة السُقوط الحُرّ التي يَمُرُّ بها وطني المُبعثر المُتشقق، وتذكيراً بموضوعيتي، فأنني أرغبُ في شطب لفظة السُقوط ليحُلَّ بدلاً عنها تعبيرُ التسلُّق، ومرّة أخرى أفشلُ في تلطيف مناخات الإخفاق المُريعة المُلتفّة كالعِقد - كالقيد، كالمشنقة – على رَقبةِ وطني المَنسي، لأن "تسلّق" بلدي لا يَمِتُ بِصِلةٍ لما نألفُهُ من تَسلّق، بلدي يَتسلّق بالمقلوب، نحو الأسفل، يصعَدُ عَميقاً ولا يُغادِرُ الهاوية إلّا لِهاوية ابعد.

  هكذا وببساطة، قررتُ الرحيل، لأني برحيلى اتفادى تسرّب رَماد وطني لآخر ذرات جسدي وآخر مسامات روحي وآخر ذكرياتي الجميلة، لأني أكرهُ التغوّلَ والتحوّلَ والتبدّل والانعطافات المُفاجئة، لأني لا زلِتُ  - بِرغم المَصاب الأليم – أعبقُ بِبقيّة عِطرٍ عَلَقَ بِذاكرتي من تَضوعات نهرٍ كان أسمهُ دِجلةَ ما لم تَخُنّي مُخيلتي التي اختلطتْ عليها الأمور.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق