]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حب الدنيا رأس كل خطيئة

بواسطة: احمد اللبو  |  بتاريخ: 2012-01-20 ، الوقت: 13:02:36
  • تقييم المقالة:

 

 

الحمد لله. الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً }. (الكهف17)


عباد الله:


أوصيكم وإياي بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظلاّم لِّلْعَبِيدِ }. (فصلت46) وأشهد أَلاّ إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً رسول الله. بعثه الله رحمةً للعالمين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن قومه، ورسولاً عن أمته.

 

أما بعد أيها المؤمنون:

 

روى أبو داود في سننه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: « يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ الله فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمَا الْوَهَنُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ».



أيها المؤمنون:


قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٢٣﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ الا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٢٥﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٢٦﴾ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٢٧﴾ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴿١٢٨﴾ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴿١٢٩﴾ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣٠﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٣١﴾ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿١٣٢﴾ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ﴿١٣٣﴾ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٣٤﴾ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٣٥﴾ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ ﴿١٣6﴾ إِنْ هَـٰذَا إلا خُلُقُ الأولين ﴿١٣٧﴾ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿١٣٨﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لأية وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }. (الشعراء 136)

 


قص علينا القرآن الكريم أيها المؤمنون: قصص الأمم الغابرة التي كذبت الرسل، وبين لنا عاقبة تكذيبهم لنعتبر ونتعظ مصداقاً لقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولي الألباب }.


قال الشيخ محمد علي الصابوني في تفسيره لهذه الآيات من سورة الشعراء: { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } أي كذبت قبيلة عاد رسولهم هوداً عليه السلام، ومن كذب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين. { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ الا تَتَّقُونَ} أي ألا تخافون عذاب الله وانتقامه في عبادتكم لغيره. { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي أمين على الوحي ناصح لكم في الدين. { فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ } أي فخافوا عذاب الله وأطيعوا أمري. { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ }. أي لا أطلب منكم على تبليغ الدعوة شيئاً من المال، إنما أطلب أجري من الله.

 

كُررت الآيات للتنبيه إلى أن دعوة الرسل واحدة. { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ } استفهام انكاري، أي أتبنون بكل موضع مرتفع من الطريق بناءً شامخاً كالعلم لمجرد اللهو والعبث؟

 

قال ابن كثير: " الرِّيع: المكان المرتفع، كانوا يبنون عند الطريق المشهورة بنياناً محكماً هائلاً باهراً لمجرد اللهو واللعب وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم هود عليه السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان، وإتعاب للأبدان، وإشتغال بما لا يجدي في الدنيا والآخرة ".

 

في قوله تعالى: { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ }. أي وتتخذون قصوراً مشيدة محكمة ترجون الخلود في الدنيا كأنكم لا تموتون! وهنا لا بُدَّ من أن نشير إلى فائدة لغوية في غاية الأهمية لأنها هي الشاهد الوحيد في القرآن الكريم على أن " لعلَّ " تأتي بمعنى " كأن ". " فلَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ " تعني: " كأنكُمْ تَخْلُدُونَ ". { وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ }. أي وإذا اعتديتم على أحد فعلتم فعل الجبارين من البطش دون رأفة أو رحمة، وإنما أنكر عليهم ذلك؛ لأنه صادر عن ظلم، عادة الجبابرة المتسلطين. قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: وصفهم بثلاثة أمور:

 

1. اتخاذ الأبنية العالية، وهو يدل على السرف، وحب العلو.
2. واتخاذ المصانع وهي القصور المشيدة والحصون، وهو يدل على حب البقاء والخلود.
3. والجبارية وهي تدل على حب التفرد بالعلو.

 

وكل ذلك يشير على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه حتى خرجوا عن حد العبودية، وحاموا حول دعاة الربوبية، وحب الدنيا رأس كل خطيئة!". { فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ }. أي خافوا الله، واتركوا هذه الأفعال، وأطيعوا أمري، ثم شرع يذكرهم نعم الله فقال: { وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ }. أي أنعم عليكم بأنواع النعم والخيرات. { أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }. أي أعطاكم أصول الخيرات من المواشي والبنين والبساتين والأنهار، وأغدق عليكم النعم فهو الذي يجب أن يُعبد ويُشكر ولا يُكفر. { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }. أي أخشى عليكم إن لم تشكروا هذه النعم وأشركتم وكفرتم عذاب يوم عظيم تشيب لهوله الولدان. دعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبلغ في دعائهم بالوعظ والتخويف النهاية القصوى في البيان فكان جوابهم أن { قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ }. أي يستوي علينا تذكيرك لنا وعدمه، فلا نبالي بما تقول، ولا نرعوي عما نحن عليه! قال أبو حيان في تفسيره: " جعلوا تفسيره وعظاً على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم به؛ إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به، وأنه كاذب بما ادعاه! ". { إِنْ هَـٰذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ }. أي ما هذا الذي جئتنا به إلاَّ كذب وخرافات الأولين. { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }. أي لا بعث ولا حساب ولا عذاب! { فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ }. أي فكذبوا رسولهم هوداً فأهلكناهم بريح صرصر عاتية! قال ابن كثير: " وكان إهلاكهم بالريح الشديدة الهبوب ذات البرد الشديد، وهي الريح الصرصر العاتية، وكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره فسلط عليهم ما هو أعتى منهم وأشد، فحصبت الريح كل شيء حتى كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ رأسه ودماغه!". { إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً }. أي إن في إهلاكهم لعظة وعبرة! { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ }. أي وما آمن أكثر الناس مع رؤيتهم للآيات الباهرة { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }. أي وإن ربك يا محمد لهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بعباده المؤمنين!

 


المكتب الاعلامي لحزب التحرير


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق