]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

جدلية العلاقة بين الاسطورة والمسرح

بواسطة: عامر التونى  |  بتاريخ: 2012-01-18 ، الوقت: 10:59:12
  • تقييم المقالة:

كانت الأسطورة قادرة على تفسير العالم,والكون، كبديل فلسفي لكل الحضارات لان "العالم الروحي للديانة بأكمله في الطقوس,والأساطير,وأشكال التجسيد الإلهى"[1]فامتلأت ساحات المدن,ومعابدها بالطقوس البدائية,والنصوص الأسطورية,والدينية فكانت السبب الذي أدى إلى تطور المسرح في الحياة الاجتماعية الإغريقية,وأصبحت التراجيديا اليونانية، التي كانت تقام في الاحتفالات القومية للإغريق، أحد التعابير المتميزة للديمقراطية الآثينية، لأنها اعتنت بتطورها.

كما أن المسرح خرج من عباءة الطقوس الدينية؛ إذ لم يكن وليد للحظة فكرية, بل تطور مخاضةعبر صيرورة الأساطير, وكانتمجموعة من الطقوس الاحتفالية,كالرقص، والغناء، والمرح، والتعبد، وهي المكونة لعناصر "ما قبل مسرحية,من خلال ما توظفه من ملابس, وشخصيات إنسانية,وحيوانات وأدوات، وكذا من خلال ما تقوم عليه من ترميز لفضاء مقدس,أو زمن كوني أسطوري"[2].

وكانت تلك الاحتفالات,تشكل بذلك فضاءً دينياً,يمكن الاستدلال عليه من خلال المحتفلين,وأفعالهم,وتصرفاتهم,وعلاقاتهم في إطار الحدث الديني، وبذلك كان الإنسان مطبوعاً بطابع الروحانية، وفي نفس الوقت اتخذت شكل فرجة مسرحية,"كفرجة شاملة يشارك فيها الفرد عن طواعية بجسمه,وروحه دون أن ينسى أنه يشاهد واقعاًممثلاًينعكس عبر الصور,والرموز"[3] فكل هذه المقومات تضافرت,لتشكل كيانًا,يمثل عقيدة الإنسان الإغريقي, ومنحته وعياً متجاوزاً,يجد في المسرح إنجازاًمهما.

وأهم المناسبات التي ساعدت على نشأة المسرحية,أعياد الإله ديونسيوس,لأن حياة ذلك الإله امتلأت بكثير من الخطوب,وبكثير من الأحداث السارة، وكان ذبول الأوراق في الخريف,والشتاء رمز لموته,فتكثر الأحزان، كما كانت عودة الأزهار وتفتح البراعم,ثم الحصاد في الربيع,رمز لبعث الإله من جديد,فتقام الاحتفالات, والمهرجانات الأناشيد الديثورامبية,التي نشأت منها التراجيديا.

وبدأت بذور المأساة تتكون في المدن اليونانية سيكورون,وكورينثة؛إلا أنها استقرت أخيراً في أتيكا,حيث اكتملت عناصرها الفنية، واتخذت صورتها النهائية.

 فهناك تحول القاص  إلى ممثل بالمعنى الصحيح، وأصبح رئيس الجوقة، يقوم بالدور الرئيسي فيمثل شخصية الإله، كما يقوم بسائر الأدوار بأن يدخل خيمة,ويغير من ملامحه,وملابسه.وكان كل مرة يخاطب أفراد الجوقة في موضوع مختلف، وبذا امتلأت المأساة حياة, وحركة بفضل تنوع مهمته.

ثم مرت المأساة بمرحلة مهمة، فأصبحت تتناول موضوعاً مفصلاً متعدد الحوادث، بعد أن كانت مجرد مجموعة من الأناشيد,تنشد تكريما للإله, فاتخذت من الأساطير القديمة موضوعها، بعد أن كانت مقصورة على الإنشاد, وصارت المأساة تعالج الموضوعات التاريخية,إلى جانب الأساطير القديمة, واهتمتبكافة المشاكل الإنسانية.

واستلهم شعراء المأساة الثلاثة,إسخيلوس,وسوفوكليس, ويوربيدس موضوعات مسرحياتهم,من الأساطير اليونانية القديمة,الزاخرة بقصص ذات مخزي عن آثام بنى البشر، وعن اللعنه المتوارثة التي "اعتقد الإغريق أنها تحل بأفراد ينتمون إلى أسرة شهيرة في الماضي الغابر بسبب الأوزار التي اقترفها أحد أسلافهم,  ومن أشهر هذه الأساطير,أسطورة آل أتريوس التي إستلهم منها إسخيلوس ثلاثيته المعروفه,باسم الأورستيا,كما إستلهمها سوفكليس,في عدة من مسرحيات منها أوديب ملكا"[4].

وكان لجوء المؤلفين إلى عالم الأساطير التخيلي,هو اتجاةما يبررة , فالأساطيرعالم رحب من الأحداث الإنسانية,التي تتسم بصفة العمومية, والتي يستطيع الكاتب من خلالها التحرك بحرية, واستخدام أدواتهالفنية من رموز, وإسقاطات على عالمة المعاصر؛الذي هو بطبيعتة بالغ الخصوصية, ومحدود المجال,وفضلاً عن ذلك فإن الأسطورة هي وليدة الخيال المؤسس على التصور العقلي, وهى بمثابة الأبنة الشرعية لحلم الإنسانية,كما إنها "تجسد رغبة الإنسان,في الوصول إلى عالم يخلو من الخلل, ومن المصادمات,التي يزخر بها الواقع في كل لحظة"[5].

ولأن الأساطير كانت "عالماً غنياً زاخراً بشخوصه,ومواقفه,ومعيناً لا ينضب من المادة الخام,التي يتطلبها لبناء موضوعه"[6]، يرى الباحث أن الجو الأسطورى فى المسرح الأغريقى بدأمن النصوص الدرامية الأولى,التي أفرزت، والتى اعتمدت في مجملها على لغة الشعر المرسل، أقرب إلى اللغة المقدسة الهوميرية، فكانوا ينطقونلغة شعرية نظمية سامية وأحياناً ينطقون شعراً غنائياً,أقرب إلى موقف المتصوفة، ووضعواقناعاً,يخفي ملامح الوجوه, ويمنح طابع القداسة، وارتدواالأزياء الأنيقة،وحشوابطنونهم,وصدرهم,بالأقمشة,ليبدوامن بعيد عمالقهً,ليتناسب ذلك مع الشخصيات التي يؤدوها، إذ لا يجوز أن يكون الإله,أو الملك قزماً ضعيفاً، وانتعلواحذاءً طويلاً عالياً، واتخذواالديكور معبداً, أو قصراً, أو واجهة من كليهما، وظل الطقسالديني مسيطراً على العرض, أو على الأقل على الدنيوي، ولم يستطع الخروج من سيطرة المعبد نهائيا,إلا مع تضاؤل دور الجوقة في نصوص يوربيدس, حتى أصبح التمثيل أكثر إنسانية, وأكثر واقعية, وأكثر تقرباً من الحياة، فقد بدأت العقلانية تتسرب إلى المتفرج رغم رواسب الروحانيات فيه، لكن فيما بعد تغير كل شيء فأصبح المتفرج حسياً, ومتطفلاً أيضاً.‏

ويربط أرسطوبين "نشأة التراجيديا, والاحتفالات الدينية، للموازنة بين صورة المأساة,ومضمونها الروحي,وبين الشعائر الدينية فكانت فكرة محاكاة الفعلالتي جاء بها في كتابه فن الشعر"[7].

وفى الوقت الذي كان يقدم فيه زعماء المسرح نتاجهم، تغير خلالها تفكير الجماعة ومطامحها, وآمالها, وازدادوا أدركا للوجود من حولهم.

 وبحكم التحول الاجتماعي الاقتصادي الذي عرفته أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، كدولة ذات مقومات, وتقاليد حضارية.

 وبالرغم من ذلك بقيت الطقوسية طاغية على الحياة الاجتماعية,فكان للكاهن الرئيسي الدور الآمر, والناهي فهو يتزعم موكب الاستغفار, وممارسة التعاويذ العلنية لطرد الأرواح الشريرة,والأشباح وكان يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع اليوناني,فهو الفيلسوف, والمصلح الاجتماعي, والعالم, والطبيب, وقد امتدت صلاحياته إلى عقد القران,بين الأزواج في موكب طقوسي,يكسوه المرح,والفرح لما له من دلالة,رمزية للإخصاب,والحياة، كما أن وظيفته هذه المتعددة,تخول له أيضا الإشراف على المواكب الجنائزية,وهو الحاكم الحريص على التدين, والإيمان للقيام بالواجب الطقوسي, وكل ما جاء بالأساطير, والقصص الشبه خرافية على لسانه كخطاب ديني توجيهي معززاً للقيم الأخلاقية, والعلاقات الاجتماعية.

ومن ثم "نشأ المفهوم الدرامي عبر المحاكاة للمواضيع ذات الصيغة الخرافية الشبه دينية، وكان "مؤلفو التراجيديا يستمدون موضوعات مسرحياتهم في معظم الأحيان من الأساطير,التي كانت تراثاً معروفاً لمواطنيهم, ولأن المسرح الإغريقيارتبط منذ نشأتهبالدين, أو العقيدة,كان لزاماً أن ترتبط موضوعات التراجيديا بالعقيدة الإغريقية ممثلة في التراث الأسطوري, ذلك أن الأساطير,كانت لدى الإغريق,بمثابة الكتاب المقدس بالنسبة للأديان السماوية"[8]،فكانت الأساطير موضع إلهام للكثير من الشعراء الذين انتقلوا بها من ميدان الاحتفال الطقوسي على شرف الإله ديونسيس,إلى ساحة العرض المسرحي,فبلغ الفن الدرامي,وقتئذ,قمة لا مثيل لها قدموا فيها الأساطير, وما يتناسب مع حسهم الدرامي.

لقد كانت الأساطير,ولازالت,مصدر إلهام للأدباء والشعراء,والمسرحيين والفنانين,ومعيناً لاينضب,وإن "كان المسرح الإغريقيالقديم قد وصل إلى قمة شامخة,فلا ينبغي عليننا أن ننسى أن قدراً كبيراً من هذا الفكر الدرامي,كان كامناً في تلك الأساطير,حتى نسج منها كتاب المسرح أعمالهم المسرحية الخالدةٍٍ"[9].

آليات التناص مع الأسطورة في المسرح:

استمدت الحداثة المسرحية أشكالها, وتصوراتها من التراث كهوية ممكنة للثورة ضد الثبات, والجمود، من أجل توليد أشكال, ونماذج مغايرة في إيجاد هوية خاصة بها، بعيداً عن منجز الآخر، فالتفت المسرحيون العرب إلى التراث,بخاصة في السبعينيات,لتغير بنية الخطاب المسرحي العربي المعاصر.

 فلم يقتصر تأثير الفكر الأسطوري على الدراسات الأنثروبولوجية, والاجتماعية فحسب، بل تعدّاها إلى أنواع الفنون عامة, والمسرح على وجه الخصوص,  واستفادوا من الأسطورة رمزياً, وإشارياً، واستطاعوا أن يشكّلوا منها حالات رؤيوية,تفاوتت بين الاستخدام الإبداعي، والاستخدام الوظيفي النصّيّ حسب درجات ثقافتهم,ومواهبهم، وكيفية تعاملهم مع الرمز الأسطوري. 

ونظراً للامتداد والشمولية للأسطورة في الآداب العالمية,لجأ الكتاب إلى التناص معها,بالرغم من الخلاف على تحديد ماهيتها.

 لكن الرؤى الإبداعية التي تمّ توظيفها في الخطاب المسرحي العربي المعاصر,جعل مفهوم الأسطورة عند بعض الكتاب المعاصرين قابلاً لمزيد من الابتكار، إذ تنزاح في أحيان كثيرة عن موقعها الرمزي, والدلالي لتأخذ دلالات جديدة أخرى,يبتكرها الكاتب بعيداً عن دلالاتها المعرفية,لدى الأقوام والشعوب.

 وما إن نبدأ بقراءة نص مسرحي,لعربي معاصر من جيل الرواد,أو من الجيل المعاصر الذي يليه، حتى يطالعنا من الصفحات الأولى,سيلٌ من الأساطير البابلية, والإغريقية, والفينيقية التي تنتشر لتغطي فضاءات الكتابة المسرحية، بحيث تبدو هذه الفضاءات مستغلقة,نتيجة لتداخل الرموز, وغموضها, وإبهامها، وتوظيفها توظيفاً غائيّاً,بقصد المباهاهبمعرفتها، فيأتي هذا التوظيف - في كثير من الأحيان  كمّاً تراكميًاً,يُفقد المسرحية قدرتها على الإيحاء العميق للدلالات، وعلى فهم الموقف الأسطوري فهماً جمالياً, ورؤيوياً، ويغدو النص من خلاله استعراضا معرفياً، وتشكيلة صناعية زخرفية,لمجموعة من الأنساق الميثولوجية التي تُفرض على فضاء النص، دون أن تكون قادرة على إبراز الموقف التاريخي,  والحضاري, والإنساني الذي يريد الكاتب التأكيد عليه, إذ أن هذا الموقف,هو الشرط الأساس الذي يجب استنفاره من جرّاء استخدام الأسطورة.

وللتناص مع الأسطورة يجب مراعاه ألا يكون من أجل أن تغطى فضاءات الكتابة المسرحية بفضاءات مستغلقه نتيجة لتداخل الرموز، وغموضها، وابهامها، وتوظيفها توظيفاً غائياً، بقصد المباهاه بمعرفتها، فيكون التوظيف كماً تراكمياً، يفقد المسرحية قدرتها على الإيحاء، وعلى فهم الموقف الأسطورى فهماً جمالياً، ورؤيوياً، فيغدو النص استعراضاً معرفياً، وتشكيلة زخرفية لمجموعة من الأنساق الميثولوحية التى تفرض على فضاء النص، بل، لابد للمبدع أن يكون قادراً على إبراز الموقف التاريحى، والحضارى، والانسانى الذى يريد التأكيد عليه؛ إذ أن الموقف هو الشرط الذى يجب استنفاره من جراء استخدام الأسطورة.

كما أنه من الضرورى على المبدع، أن يتعمق في فهم الإرث الثقافي الأسطوري بدلالاته, وأبعاده الرمزيّة، وعلاقته بروح,وفكر الشعوب التي أنتجته, لأنّ توظيف الأسطورة رؤية فنية إبداعية,لا يستطيع الكاتب الوصول إليها,إلا من خلال الجودة, والإبداع، والموهبة الحقيقية، هذه الموهية التي  "تكمن في قدرة الكاتب على الغوص في الشرط الإنساني الكامن في أعماقه, وأعماق من حوله, وعلى استنفار هذا الشرط, وعلى خلق الأداة الفنية, وتطويعها لمعاناته"[10].

وثمّة أسئلة,تطرح نفسها حول استخدام الأسطورة في النص المسرحي 

 ومن هذه الأسئلة: هل استخدام الأساطير تعبير عن رؤية حضارية جديدة,يريد الكاتب المعاصر التأكيد عليها؟ أم هو تعبير عن هزيمة فاجعة تعاني منها الذات العربية، نتيجة استلابها الإنساني داخل مجتمعات يخيّم عليها كابوس السلطة السياسية,والاجتماعية,والاقتصادية، وبالتالي يكون استخدامهاًرفضا,ً وتمرداً ضد حالات الاستلاب؟ أم أن هذا الاستخدام تعبير عن رؤية إيديولوجية,وسياسية مهمتها إدانة نظام سياسي,أو اجتماعي معين يرفضه الكاتب,ويبشر بزواله؟ أم أنّ هذا الاستخدام جزء من مثاقفة حضارية واسعة الامتداد؟ أم نزعة شديدة عند الإنسان صوب الأساطير , وحنيناً إلى الماضي؟ فالماضي مكوّن رئيسي لكثير من بنباتنا الثقافية, والفكرية, والإنسانية، ولكثيرمن الصور التي يعتمد عليها العقل الباطن عند كل إنسان، لأننا كلما حاولنا التخلص من الماضي، فإنه سرعان ما يلاحقنا بكل بنياته, ورؤاه. 

 فهل الكتابة المسرحية العربية المعاصرة نزعة نوستالجية- الحنين إلى الماضى -  تتضافر عدة قيم نفسيّة, وروحيّة, وجمالية في تأجيجها صوب الماضي؟ أم أنّ الماضي جزء لا يتجزأ من حياتنا الفكرية,والحضارية,والإنسانية؟

 إنّ توليد الأسطورة والنظر إليها برؤيا العصر، وتعديل صياغتها، رؤية فنيّة,وجمالية، حاول كثير من الكتاب المعاصرين إدخالها إلى بنية الخطاب المسرحي العربي المعاصر، فمثلاً يصبح شهريار,أي حاكم مستبد، ويمثّل السندباد,توق الإنسان المعاصر للبحث,والكشف,والمغامرة، والخروج عمّا هو سائد,ومألوف,ورتيب في الحياة العربية المعاصرة.

 إنّ توظيف الأسطورة ليس عودة إلى الماضي,بقدر ما هو تجربة شخصية عميقة,تنطلق من معاناة الذات الفاعلة المبدعة,لتصبّ في التجارب الإنسانية، سواء أكانت هذه التجارب قد حدثت في الماضي, أم في الحاضر, ليبقى الإبداع وعياً فرديا,ً وجمعياً يتشكّل بالمثاقفة الحضارية, والفكرية مع مشارب مختلفة، ولا يعني تحديداً إلى الماضي، بالرغم من أهمية هذا الماضي, ودوره في تشكيل كثير من الأعمال الإبداعية الجديدة.

 فإذا كان الماضي بعلاقاته, ومساراته التاريخية الطويلة شكّل الأسطورة,وعايشها في مقولاته الفكرية, وسلوكه العام، فإنّ اللجوء إلى الأسطورة في الخطاب المسرحي المعاصر,لا يعني التغذي من تربة الماضي، والتنفس من هوائه.

إن النص الأصيل فناً,وإبداعاً هو القادر على تخطي حدود الماضي,ومفارقة أطلاله، والتجربة المسرحية الحيّة الفعالة,هي التي تقفز بالحاضر,قفزة جريئة لتغيّر هذا الحاضر، و تسهم في صنع المستقبل, وإذا كان بعض الباحثين,والنقّاد قد تطرّقوا إلى دراسة الفكر الأسطوري,وعلاقته بالخطاب المسرحي العربي المعاصر، فإنّ الموضوع يشكّل نواةً,يمكن أن تتشعب,وتنمو في أكثر من اتجاه.

 ولذا فإنّ البحث في هذا الموضوع لا ينضب, ولا يمكن أن ينضب، وهو بحاجة إلى مزيد من الدرس  والسبب يكمن في أنّ موضوع الأساطير,وعلاقتها بالآداب بعامة، والمسرح بخاصة، ثرٌّى بدلالاته, وأبعاده الفكرية, والجمالية، متباين بتباين رؤى أصحابها المتشعبة,ولأن الأساطير بها خفايا,والمسرح يسعى إلى الغوص في تلك الأساطير لاستكشاف تلك الخفايا, وربطها بالموضوعات السياسية, والاجتماعية, والتاريخية, والحضارية التي يتمُ طرحها من خلال استنفار طاقة الرمز الأسطوري إيحائيا,، ودلالياً.

والمسرح هو السبيل المباشر للأسطورة,وابنها الشرعي,باعتبارهما يلتقيان,في كون ما ينقلانها من الإيحاء,لا الإملاء، وعبر الإشارة,والتضمين، لا عبر التعليم,أوالشرح،اوالتلقين, لذا بدأ المسرح مرتبطاً بالأسطورة.

والوقائع الأسطورية هي وسيلة من وسائل التعبير الفنية,مثلها فى ذلك مثل استخدام أدوات التأليف المسرحي الأخرى,فالأسطورة تمكن الكاتب من الخروج من النمطية,إلى التجريب,والتحول من التقريرية,والخطابية المباشرة,إلى الغموض,والإيحاء، ومن مستوى الرؤية إلى مستوى الرؤيا، وبالتالي الانتقال بالنص من نص مغلق,إلى نص مفتوح.

 فاستعمال الأسطورة في المسرح الحديث "هو أجرأ المواقف الثورية فيه,.وأبعدها آثاراً اليوم، لأن في ذلك استعادة للرموز الوثنية,.واستخدام لها، في التعبيرعن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر"[11]، حتى غدا هذا التوظيف,وسيلة من وسائل التعبيرالحداثى,وجمالية من جمالياته.

لقد كان العرب على وعي بأهمية الأسطورة – موضوعاً وأداة - في التعبير,وبفعاليتها في التأثير,والانفعال، ولأنها تمثل أيضا إطاراً عاماً,يضمن للكاتب العمق الذي يريده لتجربته، ذلك أن الأسطورة وسيلة فنية,تساعد "على الربط بين الماضي,والحاضر,والتوحيد بين التجربة الذاتية,والتجربة الاجتماعية,وتفتح آفاقاً لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة في أشكال التركيب,والبناء"[12].

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]الأسطورة والتراجيدا فى اليونان القديم تاليف بيير فرنان بيير فيدال ناكية ترجمة د حنان قصاب حسن الاهإلى سوريا 1972 ص 38.

 

[2]  دحسن المنيعي، «تقديم» كتاب حسن بحراوي، المسرح المغربي. دراسة في الأصول السوسيوثقافية، م. س.،

[3] نفسه، ص. 7.

[4]محمد حمدى إبراهيم: نظرية الدراما الأغريقية، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط1، 1994،ص 185.

[5]نفسه، ص 187

[6]نفسه، ص41

[7]محمد حمدى إبراهيم، مرجع سابق، ص 22.

[8] محمد حمدى إبراهيم، مرجع سابق، ص39.

[9] نفسه، ص7.

[10]جلال فاروق الشريف، الشعر العربي الحديث، الأصول الطبقية و التاريخية، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ط 1، 1976 م، ص5.

[11]  إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، عالم المعرفة، 1978، ص 165.

[12]إحسان عباس، مرجع سابق، ص 165.  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق