]]>
خواطر :
ظللتنى تحت ظل السيف ترهبنى...حتى استغثتُ بأهل اللهِ والمَدَدِ... ( مقطع من انستنا يا أنيس الروح والجسدِ)...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فارس الثورة الأول

بواسطة: حسين مرسي  |  بتاريخ: 2012-01-15 ، الوقت: 13:16:13
  • تقييم المقالة:
فارس الثورة الأول    بقلم : حسين مرسي

 

ثورة 25 يناير .. ثورة شعب .. عانى على مدار عقود طويلة من حكم نخبة فاسدة استحلت لنفسها الاستيلاء على مقدرات البسطاء وأطلقت العنان لمجموعة من اللصوص من ذوى الياقات البيضاء ليتحكموا فى مسار حياة ملايين المصريين.. وينفردون هم بثروة مصر التى دخلت جيوبهم بالملايين والمليارات فى حين ظل الشعب يعانى الفقر والحاجة والمرض الذى تسببت نفس الطغمة الحاكمة فى إصابة الاف المصريين به سواء كان هذا المرض هو السرطان اللعين أو الوباء الكبدى أو الكثير والكثير من الأمراض التى تسببت فيها الطبقة المتحكمة فى مصير المصريين عن طريق أغذية فاسدة ومبيدات مسرطنة ومياه ملوثة بالمجارى والصرف الصحى

وكان هذا الشعب البسيط صابرا رغم  معاناته المستمرة بسبب السياسات الخاطئة والمستفزة طيلة عقود .. ظل صابرا على أمل أن يكون الغد أفضل من اليوم ولكن هذا اليوم لم يأت أبدا .. فلم يتحسن حال المواطن البسيط بل زاد الأمر سوءا عندما تحولت الطبقة المتوسطة من الشعب المصرى إلى طبقة فقيرة هى الأخرى .. فأصبح الشعب كله إلا قليلا من الفقراء بل من المعدمين اللهم إلا بعض المحظوظين الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف والذين يملكون من الوسائل ما يمكنهم من التعامل مع كل الأنظمة على اختلاف أشكالها

أما الشرفاء من أبناء هذا الوطن فلم يكن لهم إلا الله يلجأون إليه طالبين الستر ولا شئ إلا الستر فى أيام عز فيها أن تعيش فى مستوى يحفظ لك آدميتك ..

هذا الشعب الذ ظل يعانى الفقر والفساد والظلم المستمر على مدار عقود طويلة هو من يستحق بجدارة لقب فارس الثورة الأول والشخصية الأهم فى ثورة 25 يناير .. رغم أن العديد من نجوم الفضائيات والباحثين عن الشهرة والأضواء وبعض النكرات يحاولون الان القفز على ثورة الشعب مدعين أنهم هم من قاموا  بالثورة وأنهم هم من حرك الالاف ليقفوا فى وجه طغيان مبارك وعصابته

هؤلاء الباحثون عن الشهرة والأضواء لن ينجحوا أبدا فى خداع الشعب لأن الشعب هو الوحيد الذى قام بثورته .. هو الوحيد الذى واجه قنابل الغاز والرصاص الحى سواء كان هذا الرصاص من عناصر الشرطة أو من عناصر مندسة فالنهاية واحدة والنتيجة هى أن الشعب هو الذى واجه الرصاص بصدره العارى إلا من إيمان كامل بقضية تستحق أن يموت من اجلها ويقدم روحه راضيا مطمئنا

هذا الشعب هو الفارس الأول للثورة المصرية وهو الشخصية الأهم  فى هذه الثورة التى سطرها بدمائه وجهاده على مدار سنوات طوال وليس فقط فى أيام الثورة .. الشعب الذى تحمل وتحمل ومن كثرة تحمله وصبره اعتقد البعض انه قد مات أو أنه أصبح مجرد دمية فى يد الحاكم بأمره يحركها كيف يشاء ويفعل بها ما يريد .. فكانت الأسعار ترتفع وكانت الأمراض تنتشر وتزداد وكانت السلع تختفى .. وكان الاقتصاد يزداد سوءا وكان التراجع فى كل نواحى الحياة لدى المصريين ..

اعتقد الكثيرون ان الشعب المصرى قد مات .. أو أنه أدمن الذل والعار والقبول بما يفعله فيه حكامه وكانت التعليقات الساخرة من المصريين تنتشر على صفحات النت من أخوة عرب فى دول أخرى شقيقة رغم أنها للأسف هى التى تعانى من ذل الحكام العرب ولكنها تتطاول على المصريين لأنهم شعب مات وأصبح قبوله للذل والعار أمر طبيعى لأنه لايتحرك لرفض هذا العار

وكانت مفاجأة المصريين للعالم أجمع مفاجأة أكبر مما توقعها البعض .. مفاجأة أذهلت العالم كما أذهل الجيش المصرى العالم فى حرب أكتوبر عندما حارب فى ظروف لايتوقع فيها أكثر المتفائلين النصر على عدو يلقى كل الدعم من أمريكا وأوربا .. ولكن النصر كان حليفا للمصريين بفضل الله أولا واخيرا .. ثم بفضل الجندى المصرى الذى لايقبل العار ولا يقبل بالذل من أى قوة فى العالم

نعم فاجأ المصريون العالم كله بثورتهم التى أربكت حسابات أكبر الدول .. فأمريكا نفسها لم تكن تدرك حجم الثورة المصرية على نظام مبارك الذى كان يحظى بالتأييد الأمريكى الكامل .. ولم تجد أمريكا بدا من تأييد الثورة لأنها أدركت أنها لو وقفت امام إرادة المصريين فسوف تكون النتيجة كارثية عليها نفسها

عبقرية المصريين خدعت أمريكا نفسها وفاجأت إسرائيل بثورة شعبية بلا قائد – وكان هذا هو سر عبقريتها – فارتبكت إسرائيل بكل الدعم الأمريكى  المستمر بلا حدود وأعلنت حالة الطوارئ خوفا من تطورات الثورة المصرية وتداعياتها على الحليف المصرى السابق الذى لم يكن فى يوم من الأيام حليفا ولا صديقا ولن يكون فى يوم من الأيام .. فإسرائيل ستظل العدو التاريخى لمصر شعبا وجيشا حتى لو تحالف معها النظام الحاكم

الشعب المصرى الذى قام بالثورة هو الذى تحرك تلقائيا يردد كلمة واحدة " الشعب يريد إسقاط النظام " وسقط النظام الذى لم يتحمل صرخات الشعب المدوية والتى لم تمنعها عنه الأبواب المغلقة ولا الحصون المنيعة فتهاوى نظام حسنى مبارك وهلل المصريون الله أكبر ذلك الهتاف الذى تردد فى معركة النصر والكرامة فى حرب أكتوبر

أسقط الشعب النظام بثورة لم يكن لها قائد وكانت هذه ميزتها التى تميزها عن غيرها من الثورات فلم يكن من الممكن التفاوض مع قائد لإنهاء الثورة.. فكل مصرى مشارك فى الثورة هو قائد  يؤدى دوره دون توجيه من أحد .. فالكل يعلم ويدرك أنة هدفه مصر ولا شئ غير مصر

الشعب المصرى الذى يستحق لقب فارس الثورة والشخصية الأهم فيها  هو من تحرك من تلقاء نفسه دون أن يتلقى تمويلا من جهات أجنبية تحركه لأغراض خاصة تهدف لهدم مصر كما قال البعض وأذاع كلاما لايعبر عن وطنية بل عن همجية يرفضها الشعب المصرى الحقيقي الذى لم يسع يوما إلا لتحقيق الكرامة للمصريين دون أن ينتظر دعما من الخارج او مقابلا لما فعله

الشعب المصرى هو الذى رفض البلطجة فى شوارع مصر وواجه البلطجية فى الوقت الذى غابت فيه  الشرطة حتى عادت من جديد على يد اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الحالى .. واجه الشعب البلطجية واللصوص وخرج ليحرس مصر بكاملها فى اللجان الشعبية التى كانت سمة مصرية خالصة ساهمت فى حماية مصر فى وقت انعدم فيه الأمن تماما

هذا هو الشعب المصرى الذى اعتقد الكثيرون أنه انتهى وأعلنوا شهادة وفاته .. هذا هو الشعب الذى أهانه الكثيرون وعيروه بفقره ومرضه فقدم لهم نموذجا لايتكرر لشعب راق يعرف حقوه ويتمسك بها ..

لقد اكتست الشخصية للمصرية للأسف فى الفترة السابقة ببعض القشور التى لم تكن لتعبر عن حقيقة وجوهر الشعب المصرى فى حين أن الجينات المصرية المتوارثة عبر الاف السنين كانت باقية داخل شخصيتنا المتفردة عن شعوب العلم كلها .. نعم كانت هناك السلبيات والعيوب التى انتشرت فى الشخصية المصرية على مدار عقود طويلة ولكنها زالت وقت الشدة وظهرت الشخصية الحقيقية للمصرى .. تلك الشخصية الحضارية صاحبة الحضارة العريقة الضاربة فى جذور التاريخ

وكما قال لى الدكتورهاشم بحرى أستاذ الطب النفسي إن استعادة الشخصية الحضارية للمصريين فى الثورة هو المعبر الحقيقي عن الشعب المصرى الذى تخلى خلال الثورة عن سلبياته وظهرت الشخصية الحضارية التى غابت لظروف طارئة .. وضرب مثالا بمقارنة بين الشعب المصرى والشعب المريكى صاحب الحضارة المزعومة عدما انقطع التيار الكهربائى فى نيويورك لمدة تسع ساعات .. ورغم أن سكانها من أغنى أغنياء العالم إلا أن عمليات النهب والسرقة كانت كبيرة لدرجة أن الجيش عندما نزل بعدها وجد أن 70 % من المحلات تمت سرقتها .. أى أن سكان نيويورك البالغ عددهم 12 مليون كان بينهم على الأقل 8 مليون حرامى ولص حتى يتمكنوا من سرقة هذا العدد الكبير من المحلات فى هذا الوقت القصير .. أى أن ثلثى نيويورك كانوا فى الحقيقة لصوصا بسبب جيناتهم القديمة لأنهم فى الأصل قطاع طرق .. فعندما انطفأت الأنوار ظهرت حضارة الغيلان

والمقارنة هنا فى صالح الشخصية المصرية التى ظهر فيها هنا الجانب الحضارى .. وهذا الجانب الحضارى الذى كان قد اختفى قبل ثورة يناير وظهر التفتت حتى قامت الثورة فظهر الجانب الحضارى فى الشخصية المصرية

إن حضارة مصر لاتقبل الشك أو الجدال ولا يمكن أبدا أن تكون محل اختلاف فالمصرى هو المصرى مهما تراكمت عليه الهموم والمشاكل والأمراض والديكتاتوريات الحاكمة .. ومهما اشتد الظلام فالمصرى دائما قادر على ان يجد بصيصا من نور .. هذا هو المصرى الذى  يعيش صامتا صابرا صامدا ثم ينفجر ليدمر الطاغوت دون مقدمات ودون دعم خارجى أو داخلى .. المصرى دائما هو مفاجأة العالم الذى يأتى بما لا يتوقعه أحد

ألا يستحق هذا المصرى أن نمنحه لقب فارس الثورة المصرية .. أعتقد أنه يستحق أكثر من هذا بكثير

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق