]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العلوم النفس اجتماعية ورؤيتها للفراغ

بواسطة: الكاتب سعدعبدمحمد  |  بتاريخ: 2012-01-14 ، الوقت: 20:30:49
  • تقييم المقالة:
العلوم النفس اجتماعية ورؤيتها للفراغ     قبل البدء لابد من معرفة علم النفس:فهو علم يدرس سلوك الكائن الحي ومن ضمنها الإنسان... .إذاً ما هو السلوك:السلوك هو كل العمليات العقلية والمعرفية واللفظية وكل ما يصدر عن الكائن الحي من حركه وغيرها... بعد تلكَ ألمقدمه لأبدلنا على النظر ولو قليلاً لبض ممارسات الإنسان وبالخصوص الفراغ فكيف نشأ و ما هو أبرزت الحضارة المعاصرة في صيرورتها المتعاظمة بفضل مصادر تطورها الداخلية، ظاهرة تدعى «وقت الفراغ»، وهي الظاهرة التي سرعان ما وسمت هذه الحضارة بطابعها، وجعلتها تعبيراً عنها، بحيث باتت تدعى اليوم (حضارة «وقت الفراغ») ويتكون وقت الإنسان من ثلاثة أقسام، تشكل وحدة متبادلة التأثير، هي: وقت العمل الضروري، وقت الراحة، وقت الفراغ... وقد أدى التطور العلمي التفاني إلى زيادة وقت الفراغ في العصر الراهن. ولما كان التطور الاجتماعي يقوم على التلازم بين أقسام الوقت الثلاثة فقد أدت زيادة وقت الفراغ إلى زيادة أهميته،حيث . نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 أن: «لكل شخص حقاً في الراحة وأوقات الفراغ»، وأصبح التلازم بين وقت العمل ووقت الفراغ، سمةً أساسيةً من سمات المجتمعات المتقدمة، بحيث يمكن استثمار وقت الفراغ من أجل تنمية دوافع العمل، حيث لا يجوز اعتبار وقت الفراغ في هذا العصر مسألة ثانوية يمكن التقليل من أهميته وقيمته بالنسبة للإنسان والمجتمع، فقد قال سقراط: «إن وقت الفراغ لهو أثمن ما نملك»، ولا يمكن في هذا العصر تصور الحياة عملاً متواصلاً، لأن ذلك يؤدي بعد فترة إلى الشعور بالتعب والملل، لذا فإن تحقيق التوازن بين وقت العمل ووقت الفراغ أمر أساسي للإنسان فالترفيه الثقافي والروحي والجسدي ضرورة حيوية تمهد لحركة العمل والإبداع. وتعتمد سياسة وقت الفراغ في المجتمعات المعاصرة على مبدأ إنساني، يطمح إلى تحويل وقت الفراغ إلى ممارسة أنشطة ترويحية بما يتناسب مع أوضاع الفرد، وتتجلى أهمية وقت الفراغ بأنه منطلق التكوين الذاتي وإعادة إنتاج الحياة الذاتية من خلال ممارسة أفراد المجتمع نشاطات تسهم في بناء شخصياتهم وتنميتها.
فمن خلال معرفة نشاطات أوقات الفراغ يمكن الحكم على شخصية الإنسان، أي: «قل لي ماذا تفعل في وقت الفراغ، وأنا أخبرك بشخصيتك،وهنا دور علم نفس الشخصية».
إن الشخصية التي تعيش ظروفاً خالية من أنشطة وقت الفراغ، هي شخصية غير سوية، وهناك كلمة شهيرة مؤداها: «أن تشعر بالملل هو أن تقبل الموت»، هذا وتزداد أهمية وقت الفراغ عندما يتعلق الأمر بالشباب عموماً، لا سيما الشباب الجامعي، هذا الشباب الذي يشكل فئة متميزة في أي مجتمع بشري لأسباب ذاتية وموضوعية، تتلخص في وجودهم في طبقات المجتمع وفئاته، وهم أكثر فئات المجتمع حركة ونشاطاً، ويُعتبرون مصدراً من مصادر التغيّر الاجتماعي وحالة نفسية اجتماعية انفعالية تتقبل التغيير وسرعة التوافق مع المتغيرات والتكيف معها بكل جرأة. كما تتصف هذه الفئة بالإنتاج والعطاء والإبداع في المجالات كافة، إنهم المؤهلون قوةً وعملاً وعلماً وثقافة وسلوكاً للنهوض بمسؤولياتهم في بناء المجتمع، لأن خصائصهم المتميزة تختصر الزمن وتدفع عملية التنمية إلى الأمام، فالخطط التنموية التي تعطي نتائج إيجابية تبنى على أساس معرفة الحاجات الاجتماعية من خلال بحوث علمية تجرى على الواقع الاجتماعي، مما يؤدي إلى تحقيق توازن الشباب النفسي والصحي والعقلي وإبعاد الشباب عن المؤثرات السلبية التي يفرزها تطور المجتمع، والتي تحد من فعالية الشباب وإمكاناتهم.
وقـت الفــراغ
من منظــور علم الاجتمــاع
وحش يتربص بمستقبل الأجيال.. كيف نواجهه؟ تركت الحضارة الإنسانية عبر العصور، حالات متعددة للنهوض الاجتماعي، أكدت شخصية الإنسان ودوره في حياة المجتمع، وظهرت نتيجة لهذا الفهم العديد من الأفكار التي ترجمها علماء الاجتماع لدراسة علاقة الفرد بمجتمعه، منها ما تحدث ـ وبشكل واضح ـ عن نمو هذه العلاقة في إطار من العمل البناء تنصهر فيه طاقات الأفراد في سبيل المصلحة العليا للمجتمع ككل، وتحدثت هذه النظريات والأفكار عن بناء المجتمعات ودور الإنسان في تحقيق هذه المعادلة الصعبة في إطار من الوعي المجتمعي. وقد حدد ابن خلدون في مقدمته الشهيرة «عوامل بناء الدولة» وأشار إلى دور العصبية والوعي الجماعي في بناء شخصية الدولة الفتية، حيث تتضافر فيها جهود أبناء المجتمع لبناء دولة قوية تستطيع فرض نفسها في دوامة الوجود الإنساني، حيث تسود العصبية في هذه المرحلة وتنجح في الوصول إلى بناء الدولة المنشودة، مستفيدة من جميع المعطيات الحضارية المتوافرة لديها، فيشهد المجتمع عموماً هذه الدولة تنمو وتتطور وتعزز في إطار يصح تسميته بالنضال من أجل بناء الدولة القوية. وهكذا تبدأ ملامح الدولة بالظهور وتتشكل بدافع العصبية دولة قوية تستفيد من جميع الطاقات المتاحة للأفراد، لتبدأ بعدها المرحلة الثانية من عمر الدولة، حيث تتبلور الأمور، وتنهض هذه الدولة قوية متماسكة تفرض نفسها، حيث تبقى آثار العصبية هي السائدة إلى حد ما في هذه المرحلة بعد تكامل عناصر الدولة، وهكذا يعيش المجتمع عصر الدولة الذهبي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ... لتعيش مرحلة من الاستقرار والبناء المتكامل، ممهدة الطريق لجيل جديد يعيش على حرير الإنجازات ويبدأ استثمار ما أتاحته له الدولة العصرية. وفي غياب الوعي تبدأ العصبية بالتراجع، فيبدأ الوهن يدب في أوصال الدولة، حيث يتوجَّه أفرادها إلى اللهو والمُتَع وحصار الإنجازات بعيداً عن الدوافع العصبية التي أكد عليها الأجداد. وهنا لا يجد الأفراد ما يشغلهم، فيدخلون المتاهة، تاركين المجال للأمراض الاجتماعية بالتفشي، مما يسبب الانهيار التدريجي لدعائم الدولة، وتبدأ المسألة من بداياتها، وهكذا تكتمل الفصول لتبدأ مراحل نشوء الدول من جديد. وما يهمنا هنا أن أفراد الدولة المنهارة يتحملون عبء الانهيار، نظراً لانتشار روح اللامبالاة بينهم والفوضى، وانخراطهم في حياة اللهو... ومثل هذه المسائل تترك مجالاً رحباً لظاهرة الفراغ التي تبسط جناحيها على مختلف مناحي الدولة، لتبدأ عوامل الانهيار. إلاَّ أن ابن خلدون في حديثه هذا ترك المجال واسعاً أمام مبدأ الفناء والتآكل، الذي يحمل في بذوره عوامل البدء بنشوء الدولة الجديدة. وفي عصرنا هذا تغيرت أسباب ودوافع هذا الوضع، لأن العالم الجديد أو المتغيرات التي فرضت نفسها منذ عصر النهضة وبدء مرحلة التطور التكنولوجي، قد جعلت الهوة ترتفع بين الفرد بصفته عاملاً أساسياً في تحقيق النهضة بجميع أشكالها، وبين المجتمع الجديد الذي أصبحت فيه الآلة تحل محل الإنسان في الكثير من النواحي، مما جعل الأخير ينصرف نتيجة توفر البديل إلى ما هو أسهل، منغمساً في دوامة التعقيد، مما يجعل الفراغ المسيطر الأكبر على حياة الأفراد، فتبدأ المرحلة العكسية في سلوك الفرد وعلاقته بالمجتمع إذا لم تتوافر البدائل التي تشتت هذا الفراغ وتعيد الفرد إلى مجتمعه، بإذكاء روح العمل لديه، وبتعزيز الشعور بأنه إنسان مهم، له هويته التي يريدها، ويناضل من أجل تحقيقها. ومن هنا فالفراغ يعتبر أحد الأمراض الاجتماعية الخطيرة التي يعاني منها المجتمع. والحضارة المعاصرة في سيرورتها المتعاظمة، بفضل مصادر تطورها الداخلية قد أفرزت ظاهرة تدعى «وقت الفراغ»، وهي الظاهرة التي سرعان ما وصمت هذه الحضارة بطابعها، وجعلتها تعبيراً عنها، بحيث باتت تدعى اليوم بحضارة «وقت الفراغ». وتشير الوقائع إلى أن ظاهرة «وقت الفراغ» ملازمة لوجود الثقافة في المجتمع، سواء كانت الثقافة قديمة أو حديثة، لكن الذي أعطى هذه الظاهرة بُعدها وانتشارها، هو تلك السمة التي تميز الحضارة المعاصرة والمتمثلة في إنقاص يوم العمل وأسبوعه وإنشاء نظام الإجازات المأجورة التي خلقت مزيداً من ساعات الفراغ عند أفراد المجتمع. مفهوم وقت الفراغ:
وظاهرة الفراغ كما يشير لها احد الاختصاص بعلم المكتبات ، تعد في مفهومها من أكثر الظواهر غموضاً وإبهاماً، وتفرض على علم الاجتماع أن يدرسها دراسة شاملة، فقد قام تورستاين فيبلن منذ أوائل القرن العشرين بدراسة هذه الظاهرة وتحليلها، ولكنها لم تعرف الانتشار إلا مع تنامي البحوث الاختيارية وازدهارها، بدءاً من عام 1930، فهذا روزنميز يؤكد أن وقت الفراغ فاعلية يُبرز فيها الفرد سائر قدراته الخلاقة.
أما فيليبكوفا فقد عرَّف وقت الفراغ بأنه... «اختيار حر بصورة نسبية، غايته الفرد ذاته». ويضيف الدكتور عمران: من هذه التعاريف يتبين أن وقت الفراغ اختيار حر نسبياً، يقوم به الفرد دون أي التزام مقيد، كما أنه فاعلية تبرز قدرات الفرد الخلاَّقة، وليس ثمة نشاط ضائع لا معنى له... وتسمح هذه الفعالية بمعرفة ذات الفرد، معرفة تؤدي إلى تحديد الذات وتكاملها. ويقترح الباحث الفرنسي دوما زيديه ـ في محاولة لتحديد أبعاد هذه الظاهرة ـ أربعة مقاييس: ـ الطابع التحرري: ويعني أن وقت الفراغ تحرير من بعض الالتزامات واختيار بعض الفعاليات، أي تحرير الفرد في ساعات محددة من بعض الأنشطة التي يجب القيام بها سواء اختارها أم لا، لينقله إلى أنشطة جديدة يختارها بملء إرادته وحريته. ـ الطابع المجاني: وهذا يعني أن وقت الفراغ لا يكون في خدمة أي هدف مادي أو اجتماعي، حتى عندما تضغط عليه الحتميات الاجتماعية، ولمّا كان وقت الفراغ يقابل وقت العمل، فإن وقت العمل يحيل وقت الفراغ إلى نشاط مجاني، وبالتالي دون فائدة مادية تذكر. لكن هذا الرأي لا يعتقد به إلا الفرد المنعزل عن العالم، لأنه من المتعذر أن لا يكون لوقت الفراغ هدف مادي أو اجتماعي. ـ طابع المتعة: وهو أن وقت الفراغ يقترن دوماً بالبحث عن السرور والمتعة، أو البحث عن حالة من حالات الرضى، وهو ما يقود المرء إلى وقت الفراغ. 4ـ الطابع الشخصي: حيث يرتبط وقت الفراغ مباشرة بالدفاع عن كمال الوجود الإنساني، ويتيح تحرر الفرد من الملل اليومي، وهو مرتبط بتحقيق الإنسان الكلي. حيث يولّد نمط الحياة المعاصرة مللاً يومياً يتوق الإنسان للتحرر منه. ويتابع الدكتور كامل عمران: يتصف التجلي التاريخي لوقت الفراغ في حضارتنا بصورة مؤكدة، بأنه نوعيٌّ، ويتخذ هذا التجلي صورة زمن محرر بالتقابل مع زمن العمل، إنه أحد مظاهر صلة الإنتاج الحديث الأساسية بالعمل المأجور، فهو يشارك بتناقض رأس المال والعمل، ويملك إذن طبيعة متناقضة، فوقت الفراغ ليس الزمن المحرر من الزمن الحر بالضرورة، والتمييز بين الحدين الذي يعتزمه فريدمان يبقى ضبابياً ولو ظهر مفيداً جداً، وسبب ذلك على وجه الدقة هو الطبيعة المتناقضة، طبيعة أوقات الفراغ التي تحرر وتستعبد، تهدم النظام الاجتماعي وتعيد إنتاجه، شأنها في ذلك شأن العمل. وبالمقابل لا يساعد بالضرورة الازدياد الكبير في مدة عدم العمل اليومية في أيامنا هذه على إرضاء حاجات المتعة، عندما يستعمل في الانتقال من مكان العمل، أو يستعمل في المساعي البيروقراطية المتنوعة، بل إن هذا مرض اجتماعي يزداد خطورة، فلا يمكن أن نفهم ظاهرة وقت الفراغ إلاّ بالنسبة إلى الصورة التي يتخذها العمل، أي بصورة أكثر دِقَّة بالنسبة إلى صلات الإنتاج في مجتمع معين من المجتمعات. الهروب من الواقع:
وبمناقشة وظائف العمل أو أشكاله، نجدها تتمركز في مجال وظيفة الهروب من الواقع المعيش، أو ما يسمى بالتعويض. ويمكن تعريف الهروب بأنه الفرار الخيالي أو الحقيقي من واقع معيش قاسٍ وشاق، أو رتابة الحياة اليومية، وبمعنى أدق أن هذا الهروب يتحقق في الخيال، ويتميز في أيامنا هذه في انتقال الشخص من المكان اليومي المتوحد بصورة رمزية مع ضروب قسوة الحياة المهنية، في حين أن التعويض بواسطة وقت الفراغ عملٌ يضفي التوازن بهدف إملاء فراغ معنوي تخلفه الممارسات الشاقة.
ويختلف هذا الفراغ من شخص لآخر باختلاف المكان الجغرافي أو المهنة أو الجنس ودرجة التعليم والوضع الاقتصادي والوضع الاجتماعي، ويتخذ هروب ساكن المدينة على سبيل المثال صوراً تزداد مغالاة، تعويضاً عن ضعف الخيال، كالنزهات والرحلات الجماعية، والدورات السياحية. إن الهروب الخيالي بالنسبة لغالبية السكان هو هروب إلى السينما والتلفزيون، والعروض الرياضية، والسير في الشوارع أو ممارسة الألعاب المختلفة كلعب الورق والشطرنج وغيرها. والهروب هو أيضاً وسيلة من وسائل استعادة القوى وهي الوسيلة الموضوعية في تكوين الكمون الطاقوي البيولوجي والسيكولوجي تكويناً جديداً. وقد اهتم العلماء والمفكرون كثيراً بوقت الفراغ في استعادة القوى. ويخلص الدكتور كامل عمران إلى القول: «يتقابل وقت الفراغ مع العمل، لكن العمل يملي قانونه، حيث تندرج البطالة في دائرة الاستهلاك الواقعي، بصفتها سلعة أنتجها الإنسان، ويكمن الخوف في أن يتحول وقت الفراغ إلى سلعة تباع وتشترى وإلى ظاهرة لتأكيد المكانة الاجتماعية، إلى الخوف من ممارسات في وقت الفراغ، الذي يتحمل جميع تصورات المجتمع المسمى مجتمع الاستهلاك. وأضاف: إن مفاهيم التسلية والراحة... إلخ التي يقرنها الناس بوقت الفراغ وقائع سيكولوجية لا تعطي أبداً مدلول الزمن الحر والمعاصر ولا مضمونه. حيث يندرج الزمن الحر في منظومة من التبادلات الاقتصادية والرمزية المعقدة. الشباب وأوقات الفراغ:
يصف الشاعر العربي أبو العتاهية الفراغ الذي يصاحب الشباب بأنه مفسدة كبرى ولا تضاهيها مفسدة، وهو بهذا القول يحذر من خطر الفراغ في حياة الشباب، فيقول:
إن الشباب والفراغ والجده مفسدةٌ للمرء أي مفسدهْ
فالفراغ وحش يتربص بأفراد المجتمع، وفي مقدمتهم الشباب، لأنهم يمثلون الجانب الأكثر التصاقاً بالواقع، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية التغيير والبناء، فهم أداة التحول التنموي والاجتماعي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وعندما يصيب الفراغ الشباب فإن ذلك يبشر ببدء تخلخل العمد الأساسية في بناء المجتمع، الأمر الذي يرتب على المعنيين والمهتمين ضرورة التصدي لهذا المرض الاجتماعي الخطير، وتجنيب المجتمع مخاطر الفساد. فكما ذكرنا في البداية إن مستقبل الحياة يقوم على الشباب، وكذلك بناء الدول كما ذكر ابن خلدون في مقدمته. ولهذا لا بدَّ لنا أن نقف على أسباب الفراغ في بداية معالجتنا للظاهرة، فللفراغ أسباب كثيرة منها ما هو ذاتي يعبِّر عن نزعة ذاتية لدى بعض الشباب في التخلص من روتين الحياة وقسوتها، فيلجؤون إلى الهروب الخيالي أو التعويض بالتمرد على أشكال الحياة الجديدة والانصراف إلى ما يوفر لهم المتع الذاتية، مستسهلين الطريق خصوصاً إذا توافرت لهؤلاء الشباب عوامل المتعة وأسبابها من مال وجاه وغير ذلك، فيكون المناخ ملائماً لتحول الشباب من عناصر فعَّالة في بناء المجتمع إلى عناصر تعيش على هامش المجتمع فتخرج من عملية البناء، وربما تتحول إلى الجانب الهدَّام... فالشعور بالملل على سبيل المثال جراء تكرار مفردات الحياة اليومية دون جديد يذكر، قد يخلق لدى الإنسان حالة من الرفض الذاتي لهذا الواقع، فيسقط في يده، وخصوصاً إذا افتقد الشباب إرادة العمل والتغيير، فينصرفون إلى الاتجاه المعاكس، فيصبحون عالة على المجتمع.   كذلك فإن هناك دافعاً اقتصادياً يجعل الفراغ ينتشر في صفوف الشباب، وذلك لانعدام فرص العمل البناء الذي يبحث الشباب من خلاله عن هويتهم الاجتماعية، فلا يجدونها، لأن كل إنسان تتحكم فيه نوازع العمل والإنتاج، فيصبح الفراغ أحد أهم المشكلات التي يواجهونها، وإذا فشلوا في الوصول إلى عمل مقنع يوفر لديهم الراحة الذاتية، أو المكانة التي يجدون أنفسهم من خلالها، فإنهم سيتحولون إلى الانحراف والفساد، طريقاً للتعبير عن رفضهم وتمردهم على الظروف الصعبة التي يعيشونها. أما الحالة الثالثة فتتمثل في فشل الشباب في أخذ فرصتهم في التعليم والعمل، وبالتالي يعيشون غربة صعبة في بيئتهم الاجتماعية، فيبدأ الروتين يشمل معظم مراحل حياتهم، مما ينعكس على نظرتهم للمستقبل فيقعون أسرى الفراغ. فالشباب كما هو متفق عليه لا يمثلون طبقة، وإنما هم شريحة عمريه غير متجانسة، موزعة على مختلف طبقات المجتمع، غير منفصلة عن المرحلة التي سبقتها، ولا هي منفصلة عن المرحلة التي تليها، لكنها تتميز عنها بتطلعاتها ونظرتها إلى الكون واعتمادها على الذات ووعيها للأمور العامة وقدرتها على التأثير ورغبتها في التغيير، لكن هذه القدرات لا تتحقق بصورة عفوية، أو مجرد بلوغ عمر الشباب لا يزود المرء بصورة تلقائية في بهذه الصفات، بل لا بد من تنشئة الشباب تنشئة سليمة ومركَّزة وتكوينه تكويناً علمياً يتماشى مع ما تتطلبه التطورات الفنية التكنولوجية الحديثة، تكويناً يُمكِّنه من مواجهة تحديات العصر بثقة وثبات، وتتدخل في هذه التنشئة عوامل عديدة، من أبرزها التعليم. فالشباب يمرّ بمرحلة عمريه يحاول فيها إيجاد إجابات عن تساؤلات متعددة عن الوجود والذات والمُثُل والأخلاق، يحتاجها لتأكيد ذاته وترسيخ كيانه، ولمَّا كانت المدرسة لا تشبع حاجات الشباب بحكم كثافة منهاجها، والجامعة لا تلبيها بسبب نقص أساتذتها أو بتعبير آخر حسب أعداد طلابها، كان لا بد للشباب أن يلجأ لمصادر أخرى للإجابة عن تساؤلاته، وقد يجره هذا إلى تبني اتجاهات غير سليمة، ويؤدي إلى تذبذب شخصيته وتبديد جهوده. لذلك لا بد من وجود المتخصص الاجتماعي في المدرسة الثانوية، باعتباره ضرورة لمساعدة الطلاب على حل مشكلاتهم والإجابة عن تساؤلاتهم، كما أن جهود المراكز التعليمية والثقافية والإعلامية ذات أثر بليغ في هذا المجال، وذلك من خلال قيامها بالأنشطة الثقافية المختلفة.   فتكوين الشباب لا يتم داخل المدرسة أو الجامعة فقط، فهناك وسائل الإعلام المختلفة ومؤثرات البيئة الاجتماعية بما تملكه من قوة في المحتوى وجاذبية في العرض، كلها يجب أن تخضع لرقابة واعية حتى تكون توجهاتها نحو تكوين فكر علمي للشباب. الشباب والعمل:
يشكل الشباب في الوطن العربي خُمس القوة البشرية العاملة أو التي يعتمد عليها في أداء أعمال إنتاجية معينة، وهو العصب الرئيسي للمجتمع والاقتصاد. ومع ذلك نجد طاقات جمَّة للشباب تبدو بشكل عشوائي، أو تصرف دون أي طائل، وكثيراً ما يصرف الشباب جزءاً من طاقاتهم في مراحل تجريبية تهدر الزمن، وتترك آثارها من الإحباط والسلبية لأنهم لم يحسنوا الاختيار منذ البدء، ولم يتوجهوا توجهاً مهنياً يناسب قدراتهم وميولهم. فالعمل من الناحية الاجتماعية يساهم في تكريس قيم جديدة تقوم على التعاون وخدمة المصالح العامة والتفاني في تحقيق الانسجام بين الفرد والمجتمع، وبذلك تحارب قيم المجتمع المحافظ التي تكرِّس الاتكالية وازدراء الأعمال اليدوية. وتكمُن أهمية عمل الشباب من الناحية الاجتماعية في دخولهم كقوة منظمة تساهم في شعور الفرد بذاته وقدرته على العطاء، مما يؤكد الثقة بالنفس والقدرة على الإدارة وتنفيذ المهام بمهارة. وبذلك يمكن زج الشباب في الأعمال المنتجة مما يقتل لديهم الشعور بالفراغ ويحولهم إلى عامل البناء المطلوب.
أما المشكلة الأهم في مجال عمل الشباب فتتمثل في أن الكثير من الخريجين يشكون من عدم حصولهم على فرص العمل مدة تصل إلى عدة سنوات، وهذه فترة توصل الشباب إلى درجة واضحة من الضيق بالحياة، وينسى العدد الكبير منهم جزءاً كبيراً من المهارات والمعلومات التي جمعها في سنين الدراسة، وبالتالي تتكون لديه اتجاهات سلبية تجاه المجتمع، إذ غالباً ما يفقد الشباب في مثل هذه الحالة تقديرهم لأنفسهم، واحترامهم لكفاءاتهم، وتظهر مشاعر اليأس واللامبالاة ما دام يتصرف المجتمع بهذه الدرجة من اللامسؤولية. وفي حال حصول معظمهم على فرصة عمل، فإن انخفاض الأجور التي يتقاضونها يشكل خطراً على الشباب، ليس من الناحية المادية فحسب، بل يتعداها إلى الإحساس بالظلم الاجتماعي، مما يؤدي إلى نتائج سلبية، تتمثل في الانصراف عن العمل، وسيادة اللامبالاة، وانشغال الشباب بالبحث عن مصادر أخرى للرزق، على حساب أعمالهم الوظيفية ومصلحة المجتمع. أو يسقطون في انحرافات خطيرة. مما تقدم يمكن القول بأن مشكلات الشباب في عصرنا الراهن من أكثر المواضع اهتماماً لدى الباحثين وعلماء الاجتماع والتربية. وقد دلَّت الدراسات الأخيرة على وجود علاقة جدلية بين ارتفاع السلوك المنحرف لدى الشباب وسوء التركيبات والبنيات الاجتماعية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه العلاقة أكثر ما تلاحظ في المجتمعات التي تمتلك رؤوس الأموال، والتي سعى أصحابها وبشكل مقصود إلى ترسيخ الانحراف في نفوس الشباب ودفعهم نحو أنماط من هذا السلوك، لإبعادهم عن القيام بأي نشاط مثمر ومفيد يخلّص المجتمع من الضياع الذي يعيشه الإنسان في هذه المجتمعات. لكن الأمر مختلف لدينا في الوطن العربي، فشبابنا اليوم تشدَّه أصالة من جهة للتمسك والإبقاء على قيمه العربية الأصيلة، ومن جهة أخرى حضارة غربية زائفة ليتعلق بها، ولنقل إن توجيه الشباب نحو التمسك بهذه الأصالة تجسد في الدور الذي تقوم به المراكز التعليمية والثقافية والتي جعلت الشباب في الوطن العربي لا يبلغ ما بلغه الشباب من انحراف في المجتمعات الغربية. ويرجع الباحثون المشكلات إلى: ـ حالة عدم الاستقرار الاجتماعي. ـ نزوع الشباب نحو الحرية واصطدامه بالقيود الاجتماعية. ـ التعارض بين ما يريده الشباب وما يمنحهم إيَّاه المجتمع. ـ وجود أشكال متعددة للتمرد، نتيجة للتضارب بين الشباب وبين ما هو سائد من قيم في المجتمع من جهة، والتصادم الذي يعيشه الشباب نتيجة لاختلاف القيم من جهة ثانية. والتمرد يأخذ أشكالاً متعددة، منها ما يتمثل في التمرد النفسي، بخلق شخصية أخرى تشبع لدى الشباب حاجة للقدرة على السيطرة وتحقيق الذات، أو قد يتحول إلى نوع من الانطواء والعزلة. وهنا يكون الفراغ أحد أهم أشكال هذا التمرد.
مشكلة العلاقة مع الجنس الآخر

الانتقال من فكر لآخر.
ـ الصراع بين نزعات الماضي وحاجات الحاضر.
ـ الالتصاق بالطبيعة.
ـ ضعف الثقة بالنفس، وهو ما يرافقه تضحية الشباب بحقوقهم.
ـ غياب الإبداع، وغياب الهوية، وانتشار الحيرة تجاه المستقبل.
وقد أكد الدكتور خلدون الحكيم أستاذ علم النفس بأحد الجامعات أن الأزمة بالأصل هي أزمة البحث عن هوية بشكل عام، وتتفاقم هذه أكثر عند الشباب أنفسهم ما دام الأكبر منهم سنّاً والأكثر وعياً لا يعرفون بالتحديد ماذا يريدون، فالهوية التي نطالب بها شبابنا يجب أن تكون أصلاً واضحة وأصيلة عند كهولنا والراشدين منَّا. وإن جهودنا في سبيل تحديد الهوية ما زالت قاصرة وسطحية و طفيلية ومتناقضة وما زالت إلى حد كبير لفظية غير قابلة للترجمة إلى سلوك فعلي وموضوعي، لإنقاذنا من الكوارث التي تحيط بنا وما أكثرها! ويختم الدكتور خلدون الحكيم بالقول: كم هي صعبة المهمة التي تنتظر شبابنا لإنقاذنا من الانتحار الحضاري الصامت! ماذا عن الحـلول؟!:
بعد دراستنا للجوانب المتعددة للمشكلة لا بد من التوقف قليلاً وسؤال أنفسنا: ماذا فعلنا كي نجنب الشباب مغبَّة السقوط في متاهات الفراغ وما يمكن أن يتركه هذا المرض الاجتماعي من ظلال على نفوس الشباب وبالتالي على مجتمعنا بشكل عام؟
وبالتالي علينا أن نقف عند طاقات الشباب وحدودها... وحين نقول إن الصراع على الشباب أكيد لكسب أفئدتهم وعقولهم، فهذا هو الصراع الحقيقي اليوم. فكلما كانت المراكز التعليمية والثقافية قادرة على إمساك وتحصين عقول شبابنا، كانت المسألة تحسم لصالح المجتمع أكثر، وكانت النجاحات على هذا الصعيد أكبر. إذاً هناك ولا شك جهود مشكورة لاستيعاب طاقات الشباب وزجهم في عملية بناء المجتمع من خلال إدراكنا الواعي لأهمية هذا القطاع، والمطلوب أن تتضافر جهود الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية بأَسْرِها، مع جهود المؤسسات الإعلامية والجامعات وجهود الباحثين من أجل مناقشة مشكلات الشباب، وفي مقدمتها التخلص من مشكلة أوقات الفراغ كي لا يتحول هذا المرض إلى وحش ضار يفتك بالشباب والمجتمع
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق