]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشاعر ابوبكرالعيدروس

بواسطة: ابوبكر محسن الحامد  |  بتاريخ: 2012-01-12 ، الوقت: 22:20:36
  • تقييم المقالة:
الشاعر العيدروس ورؤيته الإسلامية

هدف هذا المادة تقديم الشاعر أبي بكر بن عبدالله العيدروس إلى القارئ تقديماً أولياً ، ثم إلقاء نظرة على مختارات من شعره لتوضيح رؤيته الإسلامية ومصادرها الأساسية .

الشاعر الداعية الإسلامي أبوبكر بن عبدالله العيدروس ( 851 – 914هـ ) ( 1447 – 1508 م ) من مواليد مدينة تريم ، واستوطن مدينة عدن عام 889هـ ، بعد زيارته للبيت الحرام عام 888 هـ . نشأته في مدينة تريم كانت نشأة دينية أشرف عليها والده ، وقد عُرف عنه وهو في الرابع عشرة من عمره حبه الذهاب قبل الفجر إلى جبل في تريم مع ابن عمه عبدالرحمن حيث يـبدآن في الصلاة وتلاوة القرآن هناك حتى طلوع الفجر ، إذ كان كلٌّ منهما يقرأ عشرة أجزاء من القرآن في صلاته ثم يعودان من الجبل إلى البيت ، ومنذ بواكير توجهاته مال إلى سلوك التصوف([1])  ، فأخذ التصوف عن أبيه والشيخ سعد وتفقه على الشيخ بلحاج والشيخ بلفقيه (الشلي ص73) والتصوف عنده يعني تطبيق الكتاب والسنة والاتباع والاقتداء بالصالحين ، وكان من شيوخه العـلامة علي بن أبي بكر بن عبدالرحمن السقـاف (818 هـ) .

ومن المدن التي تردد إليـها مدينة تعز وزبيد ، حيث التقى بعلمائها أمثال أحمد بن عمر المزجّد ، والعلامة يحيى بن أبي بكر العامري مؤلف كتاب (( بهجة المحافل )) (الشلي ص73) ومن تلاميذه بتريم العلامة عبدالله محمد باقشير مؤلف كتاب (( القلائد )) ومن تلاميذه بعدن الفقيه الحسين بن الصديق الأهدل ، والفقيه محمد بن أحمد باجرفيل ، والعلامة محمد بن عمر بحرق مؤلف كتاب (( مواهب القدوس في مناقب العيدروس )) ، وعبداللطيف باوزير الذي جمع شعره .

وكان يستأنس بزيارته أضرحة الدعاة أمثال الداعية سعيد بن عيسى العمودي والداعية عبدالله بن محمد عباد ، وكان الشاعر العيدروس كثير المطالعة وله تعلق بمصنفات الإمام الغزالي والشيخ محيي الدين ابن عربي يتدارس كتبهما مع أقرانه ويشرحها لتلاميذه ، فمثلاً: ( كان يكشف المشكلات والأسرار التي اشتمل عليها كتاب النصوص لابن عربي ) (الشلي ص74) كما كان يشرح لهم أحوال البارزين من الصوفية ، وخاصة عبدالقادر الجيلاني ، ومعروف الكرخي ، وإسماعيل الحضرمي ، وعمر بن الفارض .

ومن صفات الشاعر العيدروس أنه (( كثير التبسم ، دائم البشر تعجبه المفاكهة والمراعبة في العشرة (الشلي ص75) يحب نشر البهجة حوله وإقامة الولائم ولو كلفة ذلك ديوناً تفوق طاقته ، كما يشير إلى ذلك في بعض قصائده (الديوان 86 – 87) وله مساهمة في بناء المساجد مثل قيامه ببناء مسجد باعلوي بتريم وكذا في إنشاء خدمات عامة يحتاجها الناس في عصره.. وكان من صفاته أيضا أنه لا يميل إلى المبالغة في الاحترام مثل تقبيل اليد ، ويقول: (.. إن من قبل يدي عندي كمن لطمني..) (الشلي 77).

وقد اتصل بالسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري ، وكان له بمثابة المتنبي لسيف الدولة مع اختلاف العلاقة فالعيدروس مثلاً يصف السلطان عامر بصفة التقى ، وهي صفة قد لا نجدها في مدائح المتنبي لسيف الدولة ، وكان العيدروس يؤيد حملات هذا السلطان التقي – على صنعاء ودثينة وغيرها .

ولقد تناول بعض الدارسين في هذا العصر أعمال الشاعر العيدروس بالدراسة وخاصة فيما يتعلق بالموشحات ((الظفاري ص11)) وتركيبها الشعري .

  رؤيته الإسلامية

إن الرؤية الدينية للشاعر العيدروس هي نتاج تعلقه بالمصادر الأساسية للإسلام : القرآن ، وما أتى به الرسول من قول وفعل ، وما شرحه الصحابة والتابعون وآل النبي ، وما أكد عليه الدعاة إلى الإسلام بعد ذلك .

وبحكم نشأته في القرن العاشر وفي اليمن - تريم ثم عدن بعد ذلك - فرؤيته الدينية هي أيضاً نتاج ذلك العصر ونتاج صراعاته الدينية والسياسية ، لذا نجد في شعر العيدروس إشارة إلى بعض مسائل الخلاف في ذلك العصر . ومهما يكن فرؤية العيدروس في شعره هي رؤية إسلامية تابعة من مصادر الإسلام الأساسية .. ولنتتبع ذلك في بعض قصائده .

 

في ديوانه (محجة السالك) في الفصل الأول في العربيات القصيدة الأولى: يبني الشاعر العيدروس أسس التوسل عنده، وهذه الأسس هي : التعلق بالذات الإلهية ، وما يتصل بهذه الذات من أسماء وغيبيات ، وبكل الكتب المنزلة ، وبالأملاك ، وبالرسول الهادي محمد بن عبدالله ، ثم بكافة الأنبياء والمرسلين ، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم . هذه هي مصادر وتوجهات وأسس التوسل عند العيدروس .

 

ببسم اللّه مولانا ابتدينا
توسّلنا به في كلّ أمر
وبالأسماءِ ما وَرَدَت بنصٍّ
بكلِّ كتابٍ أنزله تعالى
وبالهادي تَوَسَّلنا ولُذنا
وآلهمُ مع الأصحاب جمعاً
بكلّ طوائف الأملاك ندعو

 

ونحمـدُهُ على نَعماهُ فينـا
غياثِ الخلقِ ربّ العالمينا
وما في الغيبِ مخزوناًمصونا
وقـرآنٍ شــفا للمؤمنيـنـا
وكلّ الأنبيا والمُرسلينا
توسَّلنا وكلّ التابعينا
بما في غيب ربي أجمعينا

   

( محجة السالك  ص50 ) .

هذه الرؤية الإسلامية الواضحة في شعره نجدها أيضاً في قصيدته (( بروق الحما أبرقي يا بروق )) (محجة السالك ص82) :

 

فيا محيى الموتى بعد الفنا
 

بقدرتك يا  أحسن الخالقين
 

ويا رافع العرش ياذا العلا
 

ويا أكرم الأكرمين أجمعين
 

فلى قلب حائر قليل الهدى
 

فبصره يـا هادي الحائرين
 

وسيلتي يا رب بالمصطفى
 

شفيع الورى سيد المرسلين
 

وبالأنبياء       وأصحابهم
 

مع    آلهم   ثم    التابعين
 

وبأسمائك الله  يـا   خالقي
 

وبالصحف ثم الكتاب المبين
 

وبأملاكك  الله  يـا  رازقي
 

توسـلت يـا  بغية  الآملين
 

وبالأولياء        وأسرارهم
 

وبأهل الشريعة وأهل  اليقين
 

 

 

ورؤيته تقوم على شرط أساسي يؤكده العيدروس في شعره ، وهذا الشرط هو الاتباع والاقتداء ، اتباع نهج رسول الله والاقتداء به وبمن أتبعه من الصالحين ، ويرتبط هذا الاتباع أو الاقتداء بالمصادر الأساسية الإسلامية التي أشرنا إليها ، والتي بيّنها في قصيدته :

 

ببسم  الله مـولانا  ابتدينا
 

ونحمده على  نعمـاه   فينـا
 

 

 

والاتباع بهذا المفهوم وارد في مواضع كثيرة من شعر العيدروس .

 

قل  الله  ربي  واستقم  متأدبـاً
 

فهذا هو المطلوب والمشرب الأهنـا
 

توجه بوجه القلب إن شئت قربة
 

ولا تلتفت يسرى ولا تلتفت يمنى
 

ولا  تمش  من  كون تكن كما
 

حمار الرحا وارحل إلى المقصد الأسنى
 

قريب  إذا  نـاديته  متضرعـاً
 

بأوصافه العظمى وأسمائه الحسنى
 

له الخلق والتصريف والأمر كله
 

في العالم الأقصى وفي العالم الأدنى
 

 

(محجة السالك ص58) .

مثال آخر:

 

نعم سادتي قد لذّ لي فيكم بكم
 

وصالي وهجري واجتماعي وفرقتي
 

فمن أمركم كان اتباعي لأمركم
 

ومن نهيكم قد كان نهيي شهوتي
 

و{إياك نعبد} أصل محض شريعة
 

{وإياك} ربي {نستعين} حقيقة
 

فيا قلبُ قَلِّب كيف شئتَ فإنما
 

هو الله فرد في رضاء وشدة
 

وأحمده فيما اجتباني وخصني
 

لهدي نبي شمس كل هداية
 

عليه صلاتي أصطلي منها الهدى
 

فهو روح روحي وارتياحي وراحتي
 

 

( محجة السالك ص68 ) .

والاتباع مفهوم يقوم هو الآخر على أسس دينية هامة منها السلوك الديني اليومي (( المجاهدة )) وملازمة العلماء الصالحين الثقات التي توصل إلى المشاهدة واليقين .

 

فالإقتداء ثم الإهتداء
 

والأصطفاء حال فوق حال
 

هذه علوم محققة
 

 

رجالها نعم من رجال
 

يقينهم لاارتياب فيه
 

وهديهم ليس به ضلال
 

قد اقتدوا ثم جاهدوا
 

وشاهدوا فانتفى المحال
 

 

(محجة السالك ص71) .

وهذا مثال آخر من قصيدته التي وجهها إلى بعض من اعترض عليه في كثرة الإنفاق ، وأمره بتركه خشية الإملاق ، وقال فيها :

 

وآمرة بالبخل قلت لها اقصري
 

فإحسان رب العالمين جزيل
 

وإني امرؤ ما أجمع المال نيتي
 

لذخر وما عندي لذاك سبيل
 

فما هذه الدنيا بدار إقامة
 

كأنك فيها أزعجتك رحيل
 

فذي ساعة ما المال فيها بنافع
 

ولا ينفعك صاحب وخليل
 

سوى كل ما قدمته من محاسن
 

فكن محسن يحسن إليك جليل
 

توكل عليه واحسن الظن راجياً
 

لأفضاله فالله نعم كفيل
 

فمن عزّ بالخلاق فهو معظم
 

ومن عزّ بالمخلوق فهو ذليل
 

 

(محجة السالك ص84-84) .

وهذا مثال آخر من قصيدة وجهّها إلى من لامه على تحمل الدين ، بسبب الإنفاق وإصلاح ذات البين ، قال فيها :

 

أنا الذي لا أرى الإمساك يصلح لي
 

فلا أفارق جودي خوف إعسار
 

وطنّتُ نفسي على أشياء أعرفها
 

عن كابر كلها أفعال أخيار
 

فليس لي مسلك إلا اتباعهم
 

وسبق لاحقهم في كل مضمار
 

 

وأختم هذه المادة بضرورة أن يستزيد القارئ الراغب في التوسع في استكشاف آفاق الشاعر العيدروس الدينية من خلال متابعة عصره (( القرن التاسع والعاشر )) والبيئة المحلية اليمنية وغير اليمنية (( كالحجاز )) المؤثرة في معارفه وشعره، والمادة الإسلامية التي تغذى منها الشاعر العيدروس ، وكونت رؤيته الإسلامية العميقة ، وأرى بأن قيمة شعر العيدروس تكمن في أساساً في الموضوع وليس في الشكل إلا فيما أحدثه من تجديد في الموشحات .

  أبوبكر محسن الحامد سيئون – ربيع الثاني 1420 هـ يوليو 1999

 

المراجع

المصادر الأساسية :

 العيدروس ، ابوبكر بن عبدالله بن أبي بكر باعلوي الحسني الفاطمي الهاشمي السني العدني . ديوان محجة السالك وحجة الناسك . الجزء اللطيف ، تصحيح أحمد سعد علي أحد علماء الأزهر القاهرة 16 جماد الثانية 1355هـ 3 سبتمبر 1936م مدير المطبعة رستم الخلبي . انظر الصفحات : 50 ، 54 ، 57 ، 58 ، 59 ، 67 ، 68 ، 71، 78 ، 81 ، 82 ، 84 .

 

المصادر الثانوية :

    السقاف ، عبدالله بن محمد بن حامد ، تاريخ الشعراء الحضرميين ، الجزء الأول 105 ـ 119 مكتبة المعارف . محمد سعيد كمال . الطائف بدون تاريخ الطباعة . ولعله من المقدمة طبع بعد عام 1401هـ طبعة مجددة .

 

    الشلي ، محمد بن أبي بكر باعلوي . المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي . الجزء الثاني 1402 ، 1982 : 72 ـ 83 .

 

    شنبل ، أحمد بن عبدالله . تاريخ حضرموت : المعروف بتاريخ شنبل تحقيق عبدالله محمد الحبشي . الطبعة الأولى 1415هـ / 1994م صـ 196 ، 200 ، 235 .

 

    الظفاري ، جعفر . الشعر الحميني في اليمن،جامعة عدن العدد الثالث والرابع 1992 صـ 11 .

 

    العابدين ، كتاب المسلك السوي في جمع فوائد من جهة المشرع الروي مخطوط . ( بدون تاريخ ) لعله في رجب 1108هـ حسب فاتحة الكتاب المخطوط .

 

    المشهور ، ابوبكر بن علي . محاضرة حول الإمام العدني الشاعر والناثر مقدمة لأسبوع العدني بمسجد العيدروس . ربيع ثاني 1420 / يوليو 1999 . مخطوط . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  نهاية1 الشاعر العيدروس ورؤيته الإسلامية

هدف هذا المادة تقديم الشاعر أبي بكر بن عبدالله العيدروس إلى القارئ تقديماً أولياً ، ثم إلقاء نظرة على مختارات من شعره لتوضيح رؤيته الإسلامية ومصادرها الأساسية .

الشاعر الداعية الإسلامي أبوبكر بن عبدالله العيدروس ( 851 – 914هـ ) ( 1447 – 1508 م ) من مواليد مدينة تريم ، واستوطن مدينة عدن عام 889هـ ، بعد زيارته للبيت الحرام عام 888 هـ . نشأته في مدينة تريم كانت نشأة دينية أشرف عليها والده ، وقد عُرف عنه وهو في الرابع عشرة من عمره حبه الذهاب قبل الفجر إلى جبل في تريم مع ابن عمه عبدالرحمن حيث يـبدآن في الصلاة وتلاوة القرآن هناك حتى طلوع الفجر ، إذ كان كلٌّ منهما يقرأ عشرة أجزاء من القرآن في صلاته ثم يعودان من الجبل إلى البيت ، ومنذ بواكير توجهاته مال إلى سلوك التصوف([2])  ، فأخذ التصوف عن أبيه والشيخ سعد وتفقه على الشيخ بلحاج والشيخ بلفقيه (الشلي ص73) والتصوف عنده يعني تطبيق الكتاب والسنة والاتباع والاقتداء بالصالحين ، وكان من شيوخه العـلامة علي بن أبي بكر بن عبدالرحمن السقـاف (818 هـ) .

ومن المدن التي تردد إليـها مدينة تعز وزبيد ، حيث التقى بعلمائها أمثال أحمد بن عمر المزجّد ، والعلامة يحيى بن أبي بكر العامري مؤلف كتاب (( بهجة المحافل )) (الشلي ص73) ومن تلاميذه بتريم العلامة عبدالله محمد باقشير مؤلف كتاب (( القلائد )) ومن تلاميذه بعدن الفقيه الحسين بن الصديق الأهدل ، والفقيه محمد بن أحمد باجرفيل ، والعلامة محمد بن عمر بحرق مؤلف كتاب (( مواهب القدوس في مناقب العيدروس )) ، وعبداللطيف باوزير الذي جمع شعره .

وكان يستأنس بزيارته أضرحة الدعاة أمثال الداعية سعيد بن عيسى العمودي والداعية عبدالله بن محمد عباد ، وكان الشاعر العيدروس كثير المطالعة وله تعلق بمصنفات الإمام الغزالي والشيخ محيي الدين ابن عربي يتدارس كتبهما مع أقرانه ويشرحها لتلاميذه ، فمثلاً: ( كان يكشف المشكلات والأسرار التي اشتمل عليها كتاب النصوص لابن عربي ) (الشلي ص74) كما كان يشرح لهم أحوال البارزين من الصوفية ، وخاصة عبدالقادر الجيلاني ، ومعروف الكرخي ، وإسماعيل الحضرمي ، وعمر بن الفارض .

ومن صفات الشاعر العيدروس أنه (( كثير التبسم ، دائم البشر تعجبه المفاكهة والمراعبة في العشرة (الشلي ص75) يحب نشر البهجة حوله وإقامة الولائم ولو كلفة ذلك ديوناً تفوق طاقته ، كما يشير إلى ذلك في بعض قصائده (الديوان 86 – 87) وله مساهمة في بناء المساجد مثل قيامه ببناء مسجد باعلوي بتريم وكذا في إنشاء خدمات عامة يحتاجها الناس في عصره.. وكان من صفاته أيضا أنه لا يميل إلى المبالغة في الاحترام مثل تقبيل اليد ، ويقول: (.. إن من قبل يدي عندي كمن لطمني..) (الشلي 77).

وقد اتصل بالسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري ، وكان له بمثابة المتنبي لسيف الدولة مع اختلاف العلاقة فالعيدروس مثلاً يصف السلطان عامر بصفة التقى ، وهي صفة قد لا نجدها في مدائح المتنبي لسيف الدولة ، وكان العيدروس يؤيد حملات هذا السلطان التقي – على صنعاء ودثينة وغيرها .

ولقد تناول بعض الدارسين في هذا العصر أعمال الشاعر العيدروس بالدراسة وخاصة فيما يتعلق بالموشحات ((الظفاري ص11)) وتركيبها الشعري .

  رؤيته الإسلامية

إن الرؤية الدينية للشاعر العيدروس هي نتاج تعلقه بالمصادر الأساسية للإسلام : القرآن ، وما أتى به الرسول من قول وفعل ، وما شرحه الصحابة والتابعون وآل النبي ، وما أكد عليه الدعاة إلى الإسلام بعد ذلك .

وبحكم نشأته في القرن العاشر وفي اليمن - تريم ثم عدن بعد ذلك - فرؤيته الدينية هي أيضاً نتاج ذلك العصر ونتاج صراعاته الدينية والسياسية ، لذا نجد في شعر العيدروس إشارة إلى بعض مسائل الخلاف في ذلك العصر . ومهما يكن فرؤية العيدروس في شعره هي رؤية إسلامية تابعة من مصادر الإسلام الأساسية .. ولنتتبع ذلك في بعض قصائده .

 

في ديوانه (محجة السالك) في الفصل الأول في العربيات القصيدة الأولى: يبني الشاعر العيدروس أسس التوسل عنده، وهذه الأسس هي : التعلق بالذات الإلهية ، وما يتصل بهذه الذات من أسماء وغيبيات ، وبكل الكتب المنزلة ، وبالأملاك ، وبالرسول الهادي محمد بن عبدالله ، ثم بكافة الأنبياء والمرسلين ، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم . هذه هي مصادر وتوجهات وأسس التوسل عند العيدروس .

 

ببسم اللّه مولانا ابتدينا
توسّلنا به في كلّ أمر
وبالأسماءِ ما وَرَدَت بنصٍّ
بكلِّ كتابٍ أنزله تعالى
وبالهادي تَوَسَّلنا ولُذنا
وآلهمُ مع الأصحاب جمعاً
بكلّ طوائف الأملاك ندعو

 

ونحمـدُهُ على نَعماهُ فينـا
غياثِ الخلقِ ربّ العالمينا
وما في الغيبِ مخزوناًمصونا
وقـرآنٍ شــفا للمؤمنيـنـا
وكلّ الأنبيا والمُرسلينا
توسَّلنا وكلّ التابعينا
بما في غيب ربي أجمعينا

   

( محجة السالك  ص50 ) .

هذه الرؤية الإسلامية الواضحة في شعره نجدها أيضاً في قصيدته (( بروق الحما أبرقي يا بروق )) (محجة السالك ص82) :

 

فيا محيى الموتى بعد الفنا
 

بقدرتك يا  أحسن الخالقين
 

ويا رافع العرش ياذا العلا
 

ويا أكرم الأكرمين أجمعين
 

فلى قلب حائر قليل الهدى
 

فبصره يـا هادي الحائرين
 

وسيلتي يا رب بالمصطفى
 

شفيع الورى سيد المرسلين
 

وبالأنبياء       وأصحابهم
 

مع    آلهم   ثم    التابعين
 

وبأسمائك الله  يـا   خالقي
 

وبالصحف ثم الكتاب المبين
 

وبأملاكك  الله  يـا  رازقي
 

توسـلت يـا  بغية  الآملين
 

وبالأولياء        وأسرارهم
 

وبأهل الشريعة وأهل  اليقين
 

 

 

ورؤيته تقوم على شرط أساسي يؤكده العيدروس في شعره ، وهذا الشرط هو الاتباع والاقتداء ، اتباع نهج رسول الله والاقتداء به وبمن أتبعه من الصالحين ، ويرتبط هذا الاتباع أو الاقتداء بالمصادر الأساسية الإسلامية التي أشرنا إليها ، والتي بيّنها في قصيدته :

 

ببسم  الله مـولانا  ابتدينا
 

ونحمده على  نعمـاه   فينـا
 

 

 

والاتباع بهذا المفهوم وارد في مواضع كثيرة من شعر العيدروس .

 

قل  الله  ربي  واستقم  متأدبـاً
 

فهذا هو المطلوب والمشرب الأهنـا
 

توجه بوجه القلب إن شئت قربة
 

ولا تلتفت يسرى ولا تلتفت يمنى
 

ولا  تمش  من  كون تكن كما
 

حمار الرحا وارحل إلى المقصد الأسنى
 

قريب  إذا  نـاديته  متضرعـاً
 

بأوصافه العظمى وأسمائه الحسنى
 

له الخلق والتصريف والأمر كله
 

في العالم الأقصى وفي العالم الأدنى
 

 

(محجة السالك ص58) .

مثال آخر:

 

نعم سادتي قد لذّ لي فيكم بكم
 

وصالي وهجري واجتماعي وفرقتي
 

فمن أمركم كان اتباعي لأمركم
 

ومن نهيكم قد كان نهيي شهوتي
 

و{إياك نعبد} أصل محض شريعة
 

{وإياك} ربي {نستعين} حقيقة
 

فيا قلبُ قَلِّب كيف شئتَ فإنما
 

هو الله فرد في رضاء وشدة
 

وأحمده فيما اجتباني وخصني
 

لهدي نبي شمس كل هداية
 

عليه صلاتي أصطلي منها الهدى
 

فهو روح روحي وارتياحي وراحتي
 

 

( محجة السالك ص68 ) .

والاتباع مفهوم يقوم هو الآخر على أسس دينية هامة منها السلوك الديني اليومي (( المجاهدة )) وملازمة العلماء الصالحين الثقات التي توصل إلى المشاهدة واليقين .

 

فالإقتداء ثم الإهتداء
 

والأصطفاء حال فوق حال
 

هذه علوم محققة
 

 

رجالها نعم من رجال
 

يقينهم لاارتياب فيه
 

وهديهم ليس به ضلال
 

قد اقتدوا ثم جاهدوا
 

وشاهدوا فانتفى المحال
 

 

(محجة السالك ص71) .

وهذا مثال آخر من قصيدته التي وجهها إلى بعض من اعترض عليه في كثرة الإنفاق ، وأمره بتركه خشية الإملاق ، وقال فيها :

 

وآمرة بالبخل قلت لها اقصري
 

فإحسان رب العالمين جزيل
 

وإني امرؤ ما أجمع المال نيتي
 

لذخر وما عندي لذاك سبيل
 

فما هذه الدنيا بدار إقامة
 

كأنك فيها أزعجتك رحيل
 

فذي ساعة ما المال فيها بنافع
 

ولا ينفعك صاحب وخليل
 

سوى كل ما قدمته من محاسن
 

فكن محسن يحسن إليك جليل
 

توكل عليه واحسن الظن راجياً
 

لأفضاله فالله نعم كفيل
 

فمن عزّ بالخلاق فهو معظم
 

ومن عزّ بالمخلوق فهو ذليل
 

 

(محجة السالك ص84-84) .

وهذا مثال آخر من قصيدة وجهّها إلى من لامه على تحمل الدين ، بسبب الإنفاق وإصلاح ذات البين ، قال فيها :

 

أنا الذي لا أرى الإمساك يصلح لي
 

فلا أفارق جودي خوف إعسار
 

وطنّتُ نفسي على أشياء أعرفها
 

عن كابر كلها أفعال أخيار
 

فليس لي مسلك إلا اتباعهم
 

وسبق لاحقهم في كل مضمار
 

 

وأختم هذه المادة بضرورة أن يستزيد القارئ الراغب في التوسع في استكشاف آفاق الشاعر العيدروس الدينية من خلال متابعة عصره (( القرن التاسع والعاشر )) والبيئة المحلية اليمنية وغير اليمنية (( كالحجاز )) المؤثرة في معارفه وشعره، والمادة الإسلامية التي تغذى منها الشاعر العيدروس ، وكونت رؤيته الإسلامية العميقة ، وأرى بأن قيمة شعر العيدروس تكمن في أساساً في الموضوع وليس في الشكل إلا فيما أحدثه من تجديد في الموشحات .

  أبوبكر محسن الحامد سيئون – ربيع الثاني 1420 هـ يوليو 1999

 

المراجع

المصادر الأساسية :

    العيدروس ، ابوبكر بن عبدالله بن أبي بكر باعلوي الحسني الفاطمي الهاشمي السني العدني .
 
    ديوان محجة السالك وحجة الناسك .

 

 
    الجزء اللطيف ، تصحيح أحمد سعد علي أحد علماء الأزهر القاهرة 16 جماد الثانية 1355هـ 3 سبتمبر 1936م مدير المطبعة رستم الخلبي . انظر الصفحات : 50 ، 54 ، 57 ، 58 ، 59 ، 67 ، 68 ، 71، 78 ، 81 ، 82 ، 84 .

 

المصادر الثانوية :

    السقاف ، عبدالله بن محمد بن حامد ، تاريخ الشعراء الحضرميين ، الجزء الأول 105 ـ 119 مكتبة المعارف . محمد سعيد كمال . الطائف بدون تاريخ الطباعة . ولعله من المقدمة طبع بعد عام 1401هـ طبعة مجددة .

 

    الشلي ، محمد بن أبي بكر باعلوي . المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي . الجزء الثاني 1402 ، 1982 : 72 ـ 83 .

 

    شنبل ، أحمد بن عبدالله . تاريخ حضرموت : المعروف بتاريخ شنبل تحقيق عبدالله محمد الحبشي . الطبعة الأولى 1415هـ / 1994م صـ 196 ، 200 ، 235 .

 

    الظفاري ، جعفر . الشعر الحميني في اليمن،جامعة عدن العدد الثالث والرابع 1992 صـ 11 .

 

    العابدين ، كتاب المسلك السوي في جمع فوائد من جهة المشرع الروي مخطوط . ( بدون تاريخ ) لعله في رجب 1108هـ حسب فاتحة الكتاب المخطوط .

 

    المشهور ، ابوبكر بن علي . محاضرة حول الإمام العدني الشاعر والناثر مقدمة لأسبوع العدني بمسجد العيدروس . ربيع ثاني 1420 / يوليو 1999 . مخطوط . 
([1])والتصوف كما يعرِّفه الجنيد -وكما ورد في كتاب (( النصرة النبوية )) للشيخ المدني صفحة 22 هو : ( استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني ) . ويوضحه الإمام السيوطي ( ت 911 هـ ) في كتابه (( تأييد الحقيقة العلية )) صفحة 57 أنه : ( علمٌ شريفٌ مدارُه اتباع السنة وترك البدع والتبري من النفس وعوائدها ، وحظوظها ، وأغراضها ، ومراداتها ، واختياراتها ، والتسليم لله والرضا به وبقضائه وطلب محبته واحتقار ما سواه ) . ويقول الإمام مالك بن أنس : ( من تفقّه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ) . وأهل التصوف كما يرى جامع مادة (( الجهاد والصوفية )) الطالب محمد اليمني هم: ( أهل الله وخاصته الدالون عليه ) . ويرى أن التصوف هو ( لب الإخلاص في العبودية ) ، ويقول: (وهو التطبيق العملي للكتاب والسنة) . ويقول الغزالي في كتابه (( المنقذ من الضلال )) ص131 : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الإله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ) . ومادة هذه الحاشية نقلت عما جمعه الطالب محمد اليمني عن ((الجهاد والتصوف)) في الصفحات 3 ؛ 5 ؛ 7 ؛ 8 . ([2])والتصوف كما يعرِّفه الجنيد -وكما ورد في كتاب (( النصرة النبوية )) للشيخ المدني صفحة 22 هو : ( استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني ) . ويوضحه الإمام السيوطي ( ت 911 هـ ) في كتابه (( تأييد الحقيقة العلية )) صفحة 57 أنه : ( علمٌ شريفٌ مدارُه اتباع السنة وترك البدع والتبري من النفس وعوائدها ، وحظوظها ، وأغراضها ، ومراداتها ، واختياراتها ، والتسليم لله والرضا به وبقضائه وطلب محبته واحتقار ما سواه ) . ويقول الإمام مالك بن أنس : ( من تفقّه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ) . وأهل التصوف كما يرى جامع مادة (( الجهاد والصوفية )) الطالب محمد اليمني هم: ( أهل الله وخاصته الدالون عليه ) . ويرى أن التصوف هو ( لب الإخلاص في العبودية ) ، ويقول: (وهو التطبيق العملي للكتاب والسنة) . ويقول الغزالي في كتابه (( المنقذ من الضلال )) ص131 : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الإله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ) . ومادة هذه الحاشية نقلت عما جمعه الطالب محمد اليمني عن ((الجهاد والتصوف)) في الصفحات 3 ؛ 5 ؛ 7 ؛ 8 . الشاعر العيدروس ورؤيته الإسلامية

هدف هذا المادة تقديم الشاعر أبي بكر بن عبدالله العيدروس إلى القارئ تقديماً أولياً ، ثم إلقاء نظرة على مختارات من شعره لتوضيح رؤيته الإسلامية ومصادرها الأساسية .

الشاعر الداعية الإسلامي أبوبكر بن عبدالله العيدروس ( 851 – 914هـ ) ( 1447 – 1508 م ) من مواليد مدينة تريم ، واستوطن مدينة عدن عام 889هـ ، بعد زيارته للبيت الحرام عام 888 هـ . نشأته في مدينة تريم كانت نشأة دينية أشرف عليها والده ، وقد عُرف عنه وهو في الرابع عشرة من عمره حبه الذهاب قبل الفجر إلى جبل في تريم مع ابن عمه عبدالرحمن حيث يـبدآن في الصلاة وتلاوة القرآن هناك حتى طلوع الفجر ، إذ كان كلٌّ منهما يقرأ عشرة أجزاء من القرآن في صلاته ثم يعودان من الجبل إلى البيت ، ومنذ بواكير توجهاته مال إلى سلوك التصوف([1])  ، فأخذ التصوف عن أبيه والشيخ سعد وتفقه على الشيخ بلحاج والشيخ بلفقيه (الشلي ص73) والتصوف عنده يعني تطبيق الكتاب والسنة والاتباع والاقتداء بالصالحين ، وكان من شيوخه العـلامة علي بن أبي بكر بن عبدالرحمن السقـاف (818 هـ) .

ومن المدن التي تردد إليـها مدينة تعز وزبيد ، حيث التقى بعلمائها أمثال أحمد بن عمر المزجّد ، والعلامة يحيى بن أبي بكر العامري مؤلف كتاب (( بهجة المحافل )) (الشلي ص73) ومن تلاميذه بتريم العلامة عبدالله محمد باقشير مؤلف كتاب (( القلائد )) ومن تلاميذه بعدن الفقيه الحسين بن الصديق الأهدل ، والفقيه محمد بن أحمد باجرفيل ، والعلامة محمد بن عمر بحرق مؤلف كتاب (( مواهب القدوس في مناقب العيدروس )) ، وعبداللطيف باوزير الذي جمع شعره .

وكان يستأنس بزيارته أضرحة الدعاة أمثال الداعية سعيد بن عيسى العمودي والداعية عبدالله بن محمد عباد ، وكان الشاعر العيدروس كثير المطالعة وله تعلق بمصنفات الإمام الغزالي والشيخ محيي الدين ابن عربي يتدارس كتبهما مع أقرانه ويشرحها لتلاميذه ، فمثلاً: ( كان يكشف المشكلات والأسرار التي اشتمل عليها كتاب النصوص لابن عربي ) (الشلي ص74) كما كان يشرح لهم أحوال البارزين من الصوفية ، وخاصة عبدالقادر الجيلاني ، ومعروف الكرخي ، وإسماعيل الحضرمي ، وعمر بن الفارض .

ومن صفات الشاعر العيدروس أنه (( كثير التبسم ، دائم البشر تعجبه المفاكهة والمراعبة في العشرة (الشلي ص75) يحب نشر البهجة حوله وإقامة الولائم ولو كلفة ذلك ديوناً تفوق طاقته ، كما يشير إلى ذلك في بعض قصائده (الديوان 86 – 87) وله مساهمة في بناء المساجد مثل قيامه ببناء مسجد باعلوي بتريم وكذا في إنشاء خدمات عامة يحتاجها الناس في عصره.. وكان من صفاته أيضا أنه لا يميل إلى المبالغة في الاحترام مثل تقبيل اليد ، ويقول: (.. إن من قبل يدي عندي كمن لطمني..) (الشلي 77).

وقد اتصل بالسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري ، وكان له بمثابة المتنبي لسيف الدولة مع اختلاف العلاقة فالعيدروس مثلاً يصف السلطان عامر بصفة التقى ، وهي صفة قد لا نجدها في مدائح المتنبي لسيف الدولة ، وكان العيدروس يؤيد حملات هذا السلطان التقي – على صنعاء ودثينة وغيرها .

ولقد تناول بعض الدارسين في هذا العصر أعمال الشاعر العيدروس بالدراسة وخاصة فيما يتعلق بالموشحات ((الظفاري ص11)) وتركيبها الشعري .

  رؤيته الإسلامية

إن الرؤية الدينية للشاعر العيدروس هي نتاج تعلقه بالمصادر الأساسية للإسلام : القرآن ، وما أتى به الرسول من قول وفعل ، وما شرحه الصحابة والتابعون وآل النبي ، وما أكد عليه الدعاة إلى الإسلام بعد ذلك .

وبحكم نشأته في القرن العاشر وفي اليمن - تريم ثم عدن بعد ذلك - فرؤيته الدينية هي أيضاً نتاج ذلك العصر ونتاج صراعاته الدينية والسياسية ، لذا نجد في شعر العيدروس إشارة إلى بعض مسائل الخلاف في ذلك العصر . ومهما يكن فرؤية العيدروس في شعره هي رؤية إسلامية تابعة من مصادر الإسلام الأساسية .. ولنتتبع ذلك في بعض قصائده .

 

في ديوانه (محجة السالك) في الفصل الأول في العربيات القصيدة الأولى: يبني الشاعر العيدروس أسس التوسل عنده، وهذه الأسس هي : التعلق بالذات الإلهية ، وما يتصل بهذه الذات من أسماء وغيبيات ، وبكل الكتب المنزلة ، وبالأملاك ، وبالرسول الهادي محمد بن عبدالله ، ثم بكافة الأنبياء والمرسلين ، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم . هذه هي مصادر وتوجهات وأسس التوسل عند العيدروس .

ببسم اللّه مولانا ابتدينا
توسّلنا به في كلّ أمر
وبالأسماءِ ما وَرَدَت بنصٍّ
بكلِّ كتابٍ أنزله تعالى
وبالهادي تَوَسَّلنا ولُذنا
وآلهمُ مع الأصحاب جمعاً
بكلّ طوائف الأملاك ندعو

 

ونحمـدُهُ على نَعماهُ فينـا
غياثِ الخلقِ ربّ العالمينا
وما في الغيبِ مخزوناًمصونا
وقـرآنٍ شــفا للمؤمنيـنـا
وكلّ الأنبيا والمُرسلينا
توسَّلنا وكلّ التابعينا
بما في غيب ربي أجمعينا

   

( محجة السالك  ص50 ) .

هذه الرؤية الإسلامية الواضحة في شعره نجدها أيضاً في قصيدته (( بروق الحما أبرقي يا بروق )) (محجة السالك ص82) :

فيا محيى الموتى بعد الفنا
 

بقدرتك يا  أحسن الخالقين
 

ويا رافع العرش ياذا العلا
 

ويا أكرم الأكرمين أجمعين
 

فلى قلب حائر قليل الهدى
 

فبصره يـا هادي الحائرين
 

وسيلتي يا رب بالمصطفى
 

شفيع الورى سيد المرسلين
 

وبالأنبياء       وأصحابهم
 

مع    آلهم   ثم    التابعين
 

وبأسمائك الله  يـا   خالقي
 

وبالصحف ثم الكتاب المبين
 

وبأملاكك  الله  يـا  رازقي
 

توسـلت يـا  بغية  الآملين
 

وبالأولياء        وأسرارهم
 

وبأهل الشريعة وأهل  اليقين
 

 

 

ورؤيته تقوم على شرط أساسي يؤكده العيدروس في شعره ، وهذا الشرط هو الاتباع والاقتداء ، اتباع نهج رسول الله والاقتداء به وبمن أتبعه من الصالحين ، ويرتبط هذا الاتباع أو الاقتداء بالمصادر الأساسية الإسلامية التي أشرنا إليها ، والتي بيّنها في قصيدته :

ببسم  الله مـولانا  ابتدينا
 

ونحمده على  نعمـاه   فينـا
 

 

 

والاتباع بهذا المفهوم وارد في مواضع كثيرة من شعر العيدروس .

قل  الله  ربي  واستقم  متأدبـاً
 

فهذا هو المطلوب والمشرب الأهنـا
 

توجه بوجه القلب إن شئت قربة
 

ولا تلتفت يسرى ولا تلتفت يمنى
 

ولا  تمش  من  كون تكن كما
 

حمار الرحا وارحل إلى المقصد الأسنى
 

قريب  إذا  نـاديته  متضرعـاً
 

بأوصافه العظمى وأسمائه الحسنى
 

له الخلق والتصريف والأمر كله
 

في العالم الأقصى وفي العالم الأدنى
 

 

(محجة السالك ص58) .

مثال آخر:

نعم سادتي قد لذّ لي فيكم بكم
 

وصالي وهجري واجتماعي وفرقتي
 

فمن أمركم كان اتباعي لأمركم
 

ومن نهيكم قد كان نهيي شهوتي
 

و{إياك نعبد} أصل محض شريعة
 

{وإياك} ربي {نستعين} حقيقة
 

فيا قلبُ قَلِّب كيف شئتَ فإنما
 

هو الله فرد في رضاء وشدة
 

وأحمده فيما اجتباني وخصني
 

لهدي نبي شمس كل هداية
 

عليه صلاتي أصطلي منها الهدى
 

فهو روح روحي وارتياحي وراحتي
 

 

( محجة السالك ص68 ) .

والاتباع مفهوم يقوم هو الآخر على أسس دينية هامة منها السلوك الديني اليومي (( المجاهدة )) وملازمة العلماء الصالحين الثقات التي توصل إلى المشاهدة واليقين .

فالإقتداء ثم الإهتداء
 

والأصطفاء حال فوق حال
 

هذه علوم محققة
 

 

رجالها نعم من رجال
 

يقينهم لاارتياب فيه
 

وهديهم ليس به ضلال
 

قد اقتدوا ثم جاهدوا
 

وشاهدوا فانتفى المحال
 

 

(محجة السالك ص71) .

وهذا مثال آخر من قصيدته التي وجهها إلى بعض من اعترض عليه في كثرة الإنفاق ، وأمره بتركه خشية الإملاق ، وقال فيها :

وآمرة بالبخل قلت لها اقصري
 

فإحسان رب العالمين جزيل
 

وإني امرؤ ما أجمع المال نيتي
 

لذخر وما عندي لذاك سبيل
 

فما هذه الدنيا بدار إقامة
 

كأنك فيها أزعجتك رحيل
 

فذي ساعة ما المال فيها بنافع
 

ولا ينفعك صاحب وخليل
 

سوى كل ما قدمته من محاسن
 

فكن محسن يحسن إليك جليل
 

توكل عليه واحسن الظن راجياً
 

لأفضاله فالله نعم كفيل
 

فمن عزّ بالخلاق فهو معظم
 

ومن عزّ بالمخلوق فهو ذليل
 

 

(محجة السالك ص84-84) .

وهذا مثال آخر من قصيدة وجهّها إلى من لامه على تحمل الدين ، بسبب الإنفاق وإصلاح ذات البين ، قال فيها :

أنا الذي لا أرى الإمساك يصلح لي
 

فلا أفارق جودي خوف إعسار
 

وطنّتُ نفسي على أشياء أعرفها
 

عن كابر كلها أفعال أخيار
 

فليس لي مسلك إلا اتباعهم
 

وسبق لاحقهم في كل مضمار
 

 

وأختم هذه المادة بضرورة أن يستزيد القارئ الراغب في التوسع في استكشاف آفاق الشاعر العيدروس الدينية من خلال متابعة عصره (( القرن التاسع والعاشر )) والبيئة المحلية اليمنية وغير اليمنية (( كالحجاز )) المؤثرة في معارفه وشعره، والمادة الإسلامية التي تغذى منها الشاعر العيدروس ، وكونت رؤيته الإسلامية العميقة ، وأرى بأن قيمة شعر العيدروس تكمن في أساساً في الموضوع وليس في الشكل إلا فيما أحدثه من تجديد في الموشحات .

  أبوبكر محسن الحامد سيئون – ربيع الثاني 1420 هـ يوليو 1999 المراجع

المصادر الأساسية :

 العيدروس ، ابوبكر بن عبدالله بن أبي بكر باعلوي الحسني الفاطمي الهاشمي السني العدني . ديوان محجة السالك وحجة الناسك . الجزء اللطيف ، تصحيح أحمد سعد علي أحد علماء الأزهر القاهرة 16 جماد الثانية 1355هـ 3 سبتمبر 1936م مدير المطبعة رستم الخلبي . انظر الصفحات : 50 ، 54 ، 57 ، 58 ، 59 ، 67 ، 68 ، 71، 78 ، 81 ، 82 ، 84 .

 

المصادر الثانوية :

    السقاف ، عبدالله بن محمد بن حامد ، تاريخ الشعراء الحضرميين ، الجزء الأول 105 ـ 119 مكتبة المعارف . محمد سعيد كمال . الطائف بدون تاريخ الطباعة . ولعله من المقدمة طبع بعد عام 1401هـ طبعة مجددة .

 

    الشلي ، محمد بن أبي بكر باعلوي . المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي . الجزء الثاني 1402 ، 1982 : 72 ـ 83 .

 

    شنبل ، أحمد بن عبدالله . تاريخ حضرموت : المعروف بتاريخ شنبل تحقيق عبدالله محمد الحبشي . الطبعة الأولى 1415هـ / 1994م صـ 196 ، 200 ، 235 .

 

    الظفاري ، جعفر . الشعر الحميني في اليمن،جامعة عدن العدد الثالث والرابع 1992 صـ 11 .

 

    العابدين ، كتاب المسلك السوي في جمع فوائد من جهة المشرع الروي مخطوط . ( بدون تاريخ ) لعله في رجب 1108هـ حسب فاتحة الكتاب المخطوط .

 

    المشهور ، ابوبكر بن علي . محاضرة حول الإمام العدني الشاعر والناثر مقدمة لأسبوع العدني بمسجد العيدروس . ربيع ثاني 1420 / يوليو 1999 . مخطوط . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  نهاية1 الشاعر العيدروس ورؤيته الإسلامية

هدف هذا المادة تقديم الشاعر أبي بكر بن عبدالله العيدروس إلى القارئ تقديماً أولياً ، ثم إلقاء نظرة على مختارات من شعره لتوضيح رؤيته الإسلامية ومصادرها الأساسية .

الشاعر الداعية الإسلامي أبوبكر بن عبدالله العيدروس ( 851 – 914هـ ) ( 1447 – 1508 م ) من مواليد مدينة تريم ، واستوطن مدينة عدن عام 889هـ ، بعد زيارته للبيت الحرام عام 888 هـ . نشأته في مدينة تريم كانت نشأة دينية أشرف عليها والده ، وقد عُرف عنه وهو في الرابع عشرة من عمره حبه الذهاب قبل الفجر إلى جبل في تريم مع ابن عمه عبدالرحمن حيث يـبدآن في الصلاة وتلاوة القرآن هناك حتى طلوع الفجر ، إذ كان كلٌّ منهما يقرأ عشرة أجزاء من القرآن في صلاته ثم يعودان من الجبل إلى البيت ، ومنذ بواكير توجهاته مال إلى سلوك التصوف([2])  ، فأخذ التصوف عن أبيه والشيخ سعد وتفقه على الشيخ بلحاج والشيخ بلفقيه (الشلي ص73) والتصوف عنده يعني تطبيق الكتاب والسنة والاتباع والاقتداء بالصالحين ، وكان من شيوخه العـلامة علي بن أبي بكر بن عبدالرحمن السقـاف (818 هـ) .

ومن المدن التي تردد إليـها مدينة تعز وزبيد ، حيث التقى بعلمائها أمثال أحمد بن عمر المزجّد ، والعلامة يحيى بن أبي بكر العامري مؤلف كتاب (( بهجة المحافل )) (الشلي ص73) ومن تلاميذه بتريم العلامة عبدالله محمد باقشير مؤلف كتاب (( القلائد )) ومن تلاميذه بعدن الفقيه الحسين بن الصديق الأهدل ، والفقيه محمد بن أحمد باجرفيل ، والعلامة محمد بن عمر بحرق مؤلف كتاب (( مواهب القدوس في مناقب العيدروس )) ، وعبداللطيف باوزير الذي جمع شعره .

وكان يستأنس بزيارته أضرحة الدعاة أمثال الداعية سعيد بن عيسى العمودي والداعية عبدالله بن محمد عباد ، وكان الشاعر العيدروس كثير المطالعة وله تعلق بمصنفات الإمام الغزالي والشيخ محيي الدين ابن عربي يتدارس كتبهما مع أقرانه ويشرحها لتلاميذه ، فمثلاً: ( كان يكشف المشكلات والأسرار التي اشتمل عليها كتاب النصوص لابن عربي ) (الشلي ص74) كما كان يشرح لهم أحوال البارزين من الصوفية ، وخاصة عبدالقادر الجيلاني ، ومعروف الكرخي ، وإسماعيل الحضرمي ، وعمر بن الفارض .

ومن صفات الشاعر العيدروس أنه (( كثير التبسم ، دائم البشر تعجبه المفاكهة والمراعبة في العشرة (الشلي ص75) يحب نشر البهجة حوله وإقامة الولائم ولو كلفة ذلك ديوناً تفوق طاقته ، كما يشير إلى ذلك في بعض قصائده (الديوان 86 – 87) وله مساهمة في بناء المساجد مثل قيامه ببناء مسجد باعلوي بتريم وكذا في إنشاء خدمات عامة يحتاجها الناس في عصره.. وكان من صفاته أيضا أنه لا يميل إلى المبالغة في الاحترام مثل تقبيل اليد ، ويقول: (.. إن من قبل يدي عندي كمن لطمني..) (الشلي 77).

وقد اتصل بالسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري ، وكان له بمثابة المتنبي لسيف الدولة مع اختلاف العلاقة فالعيدروس مثلاً يصف السلطان عامر بصفة التقى ، وهي صفة قد لا نجدها في مدائح المتنبي لسيف الدولة ، وكان العيدروس يؤيد حملات هذا السلطان التقي – على صنعاء ودثينة وغيرها .

ولقد تناول بعض الدارسين في هذا العصر أعمال الشاعر العيدروس بالدراسة وخاصة فيما يتعلق بالموشحات ((الظفاري ص11)) وتركيبها الشعري .

  رؤيته الإسلامية

إن الرؤية الدينية للشاعر العيدروس هي نتاج تعلقه بالمصادر الأساسية للإسلام : القرآن ، وما أتى به الرسول من قول وفعل ، وما شرحه الصحابة والتابعون وآل النبي ، وما أكد عليه الدعاة إلى الإسلام بعد ذلك .

وبحكم نشأته في القرن العاشر وفي اليمن - تريم ثم عدن بعد ذلك - فرؤيته الدينية هي أيضاً نتاج ذلك العصر ونتاج صراعاته الدينية والسياسية ، لذا نجد في شعر العيدروس إشارة إلى بعض مسائل الخلاف في ذلك العصر . ومهما يكن فرؤية العيدروس في شعره هي رؤية إسلامية تابعة من مصادر الإسلام الأساسية .. ولنتتبع ذلك في بعض قصائده .

 

في ديوانه (محجة السالك) في الفصل الأول في العربيات القصيدة الأولى: يبني الشاعر العيدروس أسس التوسل عنده، وهذه الأسس هي : التعلق بالذات الإلهية ، وما يتصل بهذه الذات من أسماء وغيبيات ، وبكل الكتب المنزلة ، وبالأملاك ، وبالرسول الهادي محمد بن عبدالله ، ثم بكافة الأنبياء والمرسلين ، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم . هذه هي مصادر وتوجهات وأسس التوسل عند العيدروس .

ببسم اللّه مولانا ابتدينا
توسّلنا به في كلّ أمر
وبالأسماءِ ما وَرَدَت بنصٍّ
بكلِّ كتابٍ أنزله تعالى
وبالهادي تَوَسَّلنا ولُذنا
وآلهمُ مع الأصحاب جمعاً
بكلّ طوائف الأملاك ندعو

 

ونحمـدُهُ على نَعماهُ فينـا
غياثِ الخلقِ ربّ العالمينا
وما في الغيبِ مخزوناًمصونا
وقـرآنٍ شــفا للمؤمنيـنـا
وكلّ الأنبيا والمُرسلينا
توسَّلنا وكلّ التابعينا
بما في غيب ربي أجمعينا

   

( محجة السالك  ص50 ) .

هذه الرؤية الإسلامية الواضحة في شعره نجدها أيضاً في قصيدته (( بروق الحما أبرقي يا بروق )) (محجة السالك ص82) :

فيا محيى الموتى بعد الفنا
 

بقدرتك يا  أحسن الخالقين
 

ويا رافع العرش ياذا العلا
 

ويا أكرم الأكرمين أجمعين
 

فلى قلب حائر قليل الهدى
 

فبصره يـا هادي الحائرين
 

وسيلتي يا رب بالمصطفى
 

شفيع الورى سيد المرسلين
 

وبالأنبياء       وأصحابهم
 

مع    آلهم   ثم    التابعين
 

وبأسمائك الله  يـا   خالقي
 

وبالصحف ثم الكتاب المبين
 

وبأملاكك  الله  يـا  رازقي
 

توسـلت يـا  بغية  الآملين
 

وبالأولياء        وأسرارهم
 

وبأهل الشريعة وأهل  اليقين
 

 

 

ورؤيته تقوم على شرط أساسي يؤكده العيدروس في شعره ، وهذا الشرط هو الاتباع والاقتداء ، اتباع نهج رسول الله والاقتداء به وبمن أتبعه من الصالحين ، ويرتبط هذا الاتباع أو الاقتداء بالمصادر الأساسية الإسلامية التي أشرنا إليها ، والتي بيّنها في قصيدته :

ببسم  الله مـولانا  ابتدينا
 

ونحمده على  نعمـاه   فينـا
 

 

 

والاتباع بهذا المفهوم وارد في مواضع كثيرة من شعر العيدروس .

قل  الله  ربي  واستقم  متأدبـاً
 

فهذا هو المطلوب والمشرب الأهنـا
 

توجه بوجه القلب إن شئت قربة
 

ولا تلتفت يسرى ولا تلتفت يمنى
 

ولا  تمش  من  كون تكن كما
 

حمار الرحا وارحل إلى المقصد الأسنى
 

قريب  إذا  نـاديته  متضرعـاً
 

بأوصافه العظمى وأسمائه الحسنى
 

له الخلق والتصريف والأمر كله
 

في العالم الأقصى وفي العالم الأدنى
 

 

(محجة السالك ص58) .

مثال آخر:

نعم سادتي قد لذّ لي فيكم بكم
 

وصالي وهجري واجتماعي وفرقتي
 

فمن أمركم كان اتباعي لأمركم
 

ومن نهيكم قد كان نهيي شهوتي
 

و{إياك نعبد} أصل محض شريعة
 

{وإياك} ربي {نستعين} حقيقة
 

فيا قلبُ قَلِّب كيف شئتَ فإنما
 

هو الله فرد في رضاء وشدة
 

وأحمده فيما اجتباني وخصني
 

لهدي نبي شمس كل هداية
 

عليه صلاتي أصطلي منها الهدى
 

فهو روح روحي وارتياحي وراحتي
 

 

( محجة السالك ص68 ) .

والاتباع مفهوم يقوم هو الآخر على أسس دينية هامة منها السلوك الديني اليومي (( المجاهدة )) وملازمة العلماء الصالحين الثقات التي توصل إلى المشاهدة واليقين .

فالإقتداء ثم الإهتداء
 

والأصطفاء حال فوق حال
 

هذه علوم محققة
 

 

رجالها نعم من رجال
 

يقينهم لاارتياب فيه
 

وهديهم ليس به ضلال
 

قد اقتدوا ثم جاهدوا
 

وشاهدوا فانتفى المحال
 

 

(محجة السالك ص71) .

وهذا مثال آخر من قصيدته التي وجهها إلى بعض من اعترض عليه في كثرة الإنفاق ، وأمره بتركه خشية الإملاق ، وقال فيها :

وآمرة بالبخل قلت لها اقصري
 

فإحسان رب العالمين جزيل
 

وإني امرؤ ما أجمع المال نيتي
 

لذخر وما عندي لذاك سبيل
 

فما هذه الدنيا بدار إقامة
 

كأنك فيها أزعجتك رحيل
 

فذي ساعة ما المال فيها بنافع
 

ولا ينفعك صاحب وخليل
 

سوى كل ما قدمته من محاسن
 

فكن محسن يحسن إليك جليل
 

توكل عليه واحسن الظن راجياً
 

لأفضاله فالله نعم كفيل
 

فمن عزّ بالخلاق فهو معظم
 

ومن عزّ بالمخلوق فهو ذليل
 

 

(محجة السالك ص84-84) .

وهذا مثال آخر من قصيدة وجهّها إلى من لامه على تحمل الدين ، بسبب الإنفاق وإصلاح ذات البين ، قال فيها :

أنا الذي لا أرى الإمساك يصلح لي
 

فلا أفارق جودي خوف إعسار
 

وطنّتُ نفسي على أشياء أعرفها
 

عن كابر كلها أفعال أخيار
 

فليس لي مسلك إلا اتباعهم
 

وسبق لاحقهم في كل مضمار
 

 

وأختم هذه المادة بضرورة أن يستزيد القارئ الراغب في التوسع في استكشاف آفاق الشاعر العيدروس الدينية من خلال متابعة عصره (( القرن التاسع والعاشر )) والبيئة المحلية اليمنية وغير اليمنية (( كالحجاز )) المؤثرة في معارفه وشعره، والمادة الإسلامية التي تغذى منها الشاعر العيدروس ، وكونت رؤيته الإسلامية العميقة ، وأرى بأن قيمة شعر العيدروس تكمن في أساساً في الموضوع وليس في الشكل إلا فيما أحدثه من تجديد في الموشحات .

  أبوبكر محسن الحامد سيئون – ربيع الثاني 1420 هـ يوليو 1999 المراجع

المصادر الأساسية :

    العيدروس ، ابوبكر بن عبدالله بن أبي بكر باعلوي الحسني الفاطمي الهاشمي السني العدني .
 

ديوان محجة السالك وحجة الناسك .

 

 

الجزء اللطيف ، تصحيح أحمد سعد علي أحد علماء الأزهر القاهرة 16 جماد الثانية 1355هـ 3 سبتمبر 1936م مدير المطبعة رستم الخلبي . انظر الصفحات : 50 ، 54 ، 57 ، 58 ، 59 ، 67 ، 68 ، 71، 78 ، 81 ، 82 ، 84 .

 

المصادر الثانوية :

    السقاف ، عبدالله بن محمد بن حامد ، تاريخ الشعراء الحضرميين ، الجزء الأول 105 ـ 119 مكتبة المعارف . محمد سعيد كمال . الطائف بدون تاريخ الطباعة . ولعله من المقدمة طبع بعد عام 1401هـ طبعة مجددة .

 

    الشلي ، محمد بن أبي بكر باعلوي . المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي . الجزء الثاني 1402 ، 1982 : 72 ـ 83 .

 

    شنبل ، أحمد بن عبدالله . تاريخ حضرموت : المعروف بتاريخ شنبل تحقيق عبدالله محمد الحبشي . الطبعة الأولى 1415هـ / 1994م صـ 196 ، 200 ، 235 .

 

    الظفاري ، جعفر . الشعر الحميني في اليمن،جامعة عدن العدد الثالث والرابع 1992 صـ 11 .

 

    العابدين ، كتاب المسلك السوي في جمع فوائد من جهة المشرع الروي مخطوط . ( بدون تاريخ ) لعله في رجب 1108هـ حسب فاتحة الكتاب المخطوط .

 

    المشهور ، ابوبكر بن علي . محاضرة حول الإمام العدني الشاعر والناثر مقدمة لأسبوع العدني بمسجد العيدروس . ربيع ثاني 1420 / يوليو 1999 . مخطوط . 
([1])والتصوف كما يعرِّفه الجنيد -وكما ورد في كتاب (( النصرة النبوية )) للشيخ المدني صفحة 22 هو : ( استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني ) . ويوضحه الإمام السيوطي ( ت 911 هـ ) في كتابه (( تأييد الحقيقة العلية )) صفحة 57 أنه : ( علمٌ شريفٌ مدارُه اتباع السنة وترك البدع والتبري من النفس وعوائدها ، وحظوظها ، وأغراضها ، ومراداتها ، واختياراتها ، والتسليم لله والرضا به وبقضائه وطلب محبته واحتقار ما سواه ) . ويقول الإمام مالك بن أنس : ( من تفقّه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ) . وأهل التصوف كما يرى جامع مادة (( الجهاد والصوفية )) الطالب محمد اليمني هم: ( أهل الله وخاصته الدالون عليه ) . ويرى أن التصوف هو ( لب الإخلاص في العبودية ) ، ويقول: (وهو التطبيق العملي للكتاب والسنة) . ويقول الغزالي في كتابه (( المنقذ من الضلال )) ص131 : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الإله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ) . ومادة هذه الحاشية نقلت عما جمعه الطالب محمد اليمني عن ((الجهاد والتصوف)) في الصفحات 3 ؛ 5 ؛ 7 ؛ 8 . ([2])والتصوف كما يعرِّفه الجنيد -وكما ورد في كتاب (( النصرة النبوية )) للشيخ المدني صفحة 22 هو : ( استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني ) . ويوضحه الإمام السيوطي ( ت 911 هـ ) في كتابه (( تأييد الحقيقة العلية )) صفحة 57 أنه : ( علمٌ شريفٌ مدارُه اتباع السنة وترك البدع والتبري من النفس وعوائدها ، وحظوظها ، وأغراضها ، ومراداتها ، واختياراتها ، والتسليم لله والرضا به وبقضائه وطلب محبته واحتقار ما سواه ) . ويقول الإمام مالك بن أنس : ( من تفقّه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ) . وأهل التصوف كما يرى جامع مادة (( الجهاد والصوفية )) الطالب محمد اليمني هم: ( أهل الله وخاصته الدالون عليه ) . ويرى أن التصوف هو ( لب الإخلاص في العبودية ) ، ويقول: (وهو التطبيق العملي للكتاب والسنة) . ويقول الغزالي في كتابه (( المنقذ من الضلال )) ص131 : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الإله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ) . ومادة هذه الحاشية نقلت عما جمعه الطالب محمد اليمني عن ((الجهاد والتصوف)) في الصفحات 3 ؛ 5 ؛ 7 ؛ 8 .

من بحوث د - ابوبكر الحامد


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق