]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أسطورة *** الستوت أم البهوت.

بواسطة: Mohamed Daoud  |  بتاريخ: 2012-01-09 ، الوقت: 11:10:39
  • تقييم المقالة:

 

أسطورة الستوت أم البهوت

بمسكن قديم على أطراف القرية, يحيط به صور صغير من الحجارة و تكسوه الأعشاب الخضراء, تسكن امرأة عجوز* شمطاء. – شعر رأسها الأحمر المخضب بالحناء  يغطي نصف وجهها الذي كسته التجاعيد لكبر سنها , إنها الستوت أم البهوت التي تتحرك بصعوبة لتنقل جسمها الغليظ و هي تقبض على غصن خشن من أغصان شجر الزيتون الصلب, بينما تحمل في يدها الأخرى*سبحة مصنوعة من حبات خشبية ذات ألوان مميزة , و مزينة بشراشيف قطع قماش ملون.

تحت شجرة التين يربض جحشا صغيرا, علق حول عنقه كيس من القماش الأسود يتناول منه علفه اليومي. تجلس العجوز على جذع شجر مغلف بقش يابس , و يرقد بجانبها و بالقرب من دفيء النار, قط أسود اللون يتطلع إليها بكل غرابة. تخرج العجوز من حزام تنورها صرة من جلد ذي لون بني يحتوي على نقود قديمة, تخرجها لتبدأ في عدها و توظيفها في ما تنوي اقتناؤه منالسوق الذي يقع داخل القرية و عبر أزقتها المزدحمة بالمتسوقين و أين تعرض كل أنواع الخردوات و الأمتعة القديمة و الدواجن و الحيوانات الأليفة من أرانب ودجاج و حتى الكلاب تباع في هذا السوق , كل ينادي على سلعته بأنها هي الأفضل.

تظهر العجوز بين رواد السوق رفقة قطها الذي تربطه إلى يدها بسلسلة و حزام عنق و هي تتفقد بعض الأواني و الألبسة القديمة و الأحذية, إلى أن تصل على مستوى رجل في زي غريب يبيع ثلاثة كلاب صيــد من سلالة * السلوقي* اثنين منهم معصبي العينين و الثالث طلي وجهه بسواد حتى أصبح على صورة مخيفة.. تقترب العجوز من البائع  لتعرض عليه شراء  الكلاب , و قد أخذت قطها في حضنها خوفا عليه من أذى الكلاب و صفاتهم المرعبة, الى أن يقطع حديثهما صوت حسن لشاب يرتدي لباسا تقليديا عاصميا يتكون من: شاشية نص رأس, و بدعية , وسروال مدور و يشده بقطعة قماش زرقاء بمربعات و يلبس حذاءا  تقليديا و يحمل على كتفيه قطعا من القماش الأنيق و الحلي التقليدية النفيسة المصنوعة من حجر الماس و الزمرد و الجوهر, يعرضها للبيع على رواد السوق و لكن بطريقته و أسلوبه الخاص الذي يوظف فيه لغزا:

* طفلة و طفل جاو من بلاد النصارى

الطفلة تخدم للربح

و الطفل يخدم للخسارة...

و اللي يوجد الحل, نعطيه قطعة قماش زكارة في تجار الحارة.

تضرب العجوز على كتف الشيخ المرنيخ لتطمئنه و تهدئ من حاله و شكه في ذهاب الصفقة عنه لصالح الشاب الذي جلب انتباهها و سرقها من تاجر الكلاب. تتقدم العجوز من الشاب لتطلب منه أن يسمح لها بالإجابة على لغزه, فيتوقف و يبتسم ثم يمتثل لطلبها و إذا بالعامة تحلق حولهما لسماع رد العجوز التي يحتقرها الجميع, لكبر سنها و مظهرها في لباس قديم ممزق. تفرش العجوز قطعة من القماش القديم وتجلس عليها وهي تتوسط الحلقة, فتشهد عليه كل الحاضرين, إن كانت إجابتها صحيحة, فما عليه إلا إعطائها قطعة القماش التي تختارها. ويندهش التاجر لصحة إجابتها, و يظهر ذلك على محياه و نظراته التي تتنقل في جميع وجوه الحاضرين , ثم يحاول الانفلات من تلبية طلبها و لكن كل الحاضرين يغلقون عليه المنافذ و يضيقون عليه الحلقة إلى أن يقربونه أمام العجوز الجالسة على الأرض , لترميه بقطها الذي يتشبث بأجمل قطعة و يسلبها منه عنوة, فتسقط و القط على الأرض لتأخذها العجوز و يضحك الجميع و يصنعون له ممرا ينفلت من خلاله تحت ضرباتهم التي يسمع وقعها على ظهره إلى أن يختفي و قد نال جزاؤه.تفترق الجماعة لتترك العجوز و هي تتفقد قطعة القماش الجميلة. يتقدم الشيخ المرنيخ, رفقة كلابه من العجوز  ويقف أمامها و هو مندهش لدهائها ثم يجلس على ركبتيه أمامها ليقدم لها الحبل الذي ربط اليه الكلاب الثلاث فتخرج صرة النقود من حزامها و تدفع له المستحقات المتمثلة في *صوردي واحد الذي تقبض عليه بين إصبعيها, وما أن يرى شحها و يحس بغدرها حتى يحاول الاحتجاج و لكن دون جدوى.

يلتفت الشيخ المرنيخ يمينا و شمالا و هو يشعر بالخذلان أمامها,ثم يقبض على * الصوردي الذي ينتزعه بقوة من يد العجوز و يختفي وراء كوكبة من الدخان رمزا لحرقه و فوز العجوز عليه.

في بساحة مسكن الستوت أم البهوت ,تظهر العجوز و قد هيأت ثلاثة مواقد للنار ,على كل موقد ,قدر كبير ملطخ بسواد مرعب تقف بينهم و هي تحرك عمق القدر بوتد خشبي تارة و تطل في داخلها تارة أخرى.. و كأنها تحضر أكلات فخمة لعدد كبير من المدعوين وغير بعيد من مواقد النار فراش متواضع من الأفرشة التقليدية تتوسطه قصعة كبيرة من الخشب, داخلها وضعت ثلاثة ملاعق من حطب. وهي على هذا الحال , تسمع العجوز نباح الكلاب الآتي من خارج البيت, فتتنقل إلى ناحية الباب الخارجي و يتبعها القط الذي لا يفارقها,  لتجد أمام بيتها  ثلاثة دراويش بلباسهم الخاص , كل على صفة تختلف عن الآخر, وهم يتدافعون محاولين الدخول إلي البيت , و كلاب  * السلوقي تعترض طريقهم و ترغمهم على الانتظار و الانضمام إلى بعضهم البعض في شكل كوكبة رجال أرعبتهم مجموعة الكلاب التي تكاد تقطع السلاسل لتنهشهم.

 تهش العجوز كلابها عن طريقهم ليدخلوا إلى ساحة البيت و هم محاطون بغيمة من الدخان حماية لهم من أذى الكلاب. يجلس الدراويش الثلاثة على الفراش المهيأ لاستقبال الضيوف و يأخذ كل واحد منهم وضعية تريحه من القلق الذي يعانيه, و هم على هذا الحال من التجول بأنظارهم في مختلف أرجاء البيت , يجلب انتباههم حالة حمار مربوط تحت شجرة التين الضخمة و الذي كسته العجوز بفراش قديم و كأنها تدثره و ترد عنه البرد لأنها بحاجة ماسة إليه, الشيء الذي ينمي فضول الدراويش, فتسمعهم العجوز التي تتبع كل حركاتهم, أن هذا فيه سر لا تعرفه إلا هي, و من يريد معرفته ما عليه الا ايجاد حل اللغز الذي تطرحه كالتالي:

 عنده عينين كي الجوهر

و اللي يحب يسرقهم له ما يقدر

وعنده شلاغم طوال ..و بلاك تقولوا,أنمر

صغير و حاذق

لباسه يبرق

النار ما تحرقوش

رجليه كي الحرير

يمشي ما تسمعوش

عنده .. 16 موس

بالصح ما يقطعوش

 

فيتبادلون النظرات  ثم يتخيل الدراويش – السر - كل حسب تصوره و يقوم بتجسيده في خياله.

* فيتخيلهدرويش المحاين, سلحفاة ضخمة *رأسها رأس اللفعة, و هي ما تلدغ شي.

* ويتصوره درويش القنطة , قنفذا تلتقط العجوز بأشواكه حبات التين المتساقطة.

* أما درويش النحس فيتصوره حية مزركشة تحرس مسكنها من كيد المتسللين.

تترك العجوز عود الخشب الذي كانت تحرك به القدر في إحداها, و تقترب من الدراويش الذين انكمشوا في مكانهم خوفا من مكائد العجوز, لتشترط عليهم البحث عن حل اللغز الذي طرحته فينكشف السر العجيب الذي يكمن في حمارها.. فيستولي القلق على الرجال الثلاث, الذين يتبادلون النظرات و يعبرون , كل على طريقته, بالحيرة الممزوجة بالدهشة التي تكسو وجوههم و هم يقبعون على وضعيتهم المضحكة, و لكنهم لا يجرؤون على مساءلة العجوز التي تتابع حركاتهم عن كثب و بحيلة, لترميهم في الأخير بغبرة فضية فيتكون دخان كثيف يهرب تحت غطائه الدراويش الثلاث و هم مذعورون.

الدراويش يبحثون عن حل اللغز

01- درويش المحاين.

عند سفح جبل يشبه صخره لون الحديد, ينبع منه الماء الذي يسمع خريره من بعيد و تزينه أشجار و نباتات غريبة جميلة, يقف أمامه درويش المحاين و هو يرتدي * برنوسا اخضرا و يحمل كيسا فيه زادا متواضعا يضعه أمامه, يتكون من خبز يابس و بصل يدمع العينين, يتناول الدرويش طعامه, إلى أن تتوقف اللقمة في بلعومه , فنراه يضرب بكفيده على صدره لينزلها و لكن دون جدوى, ثم يقوم مهرولا إلى المنبع ليغرف بيده ماء يشربه, فيمد كفيه ليملأها من الماء المتصبب, و فجأة يسمع من ورائه قرع أرجل حديدية تهز الأرض التي يقف عليها فيمتلكه الرعب و ما أن يحاول الاطلاع إلى ما يحدث من وراءه حتى تخنقه أياد حديدية ضخمة و يسمع صوتا مرعبا يقول له ان أردت أن تشرب , يجب أن تزوجني ابنتك * قمر زمانها, فيرد عليه الدرويش, و كيف لي أن أزوجك ابنتي و أنا لا أعرفك و لم أخذ برأيها؟ يرمي الرجل الحديدي بشرارة من النار في اتجاه الحشائش المجاورة للمكان فتشتعل النيران, فيفزع الرجل و يجيبه بقبول شرطه.

يخلي الرجل الحديدي سبيله, لينطلق مذعورا دون التجرؤ على النظر إلى صفاته المرعبة التي ملأت جوفه.

في بيت متواضع, فيه البعض من المتاع القديم, و تحت إضاءة خافتة تنبعث من قنديل الزيت الذي يوجد في نافذة بالحائط, ارتسم ظل الدرويش في شكل ضخم جلب انتباه , فيتوقف و يتيه بخياله في تصورات مرعبة للرجل الحديدي الذي يهدده بالاستيلاء على ابنته الوحيدة و كل شيء في القرية.

درويش المحاين في غدوه و رواحه و في حيرة  كبيرة من ثقل ما التزم به مع الرجل الحديدي بينما تجلس الزوجة منزوية في ركن من البيت و هي تبكي تارة و تفرك يديها تارة أخرى تعبيرا عن انشغالها بمصير ابنتها و حالة زوجها المسكين. تدخل الفتاة علي أبويها و هي تحمل رزمة من المتاع الخفيف و تتوجه إلى أبيها لتأخذ بيده و يخرجان من البيت تحت نظرات الأم الثاقبة.

يصل الأب رفقة ابنته إلى منبع الماء أين كان اللقاء الأول مع الرجل الحديدي, فيجلسان و يبقيان في الانتظار إلى أن يخرج إليهما الرجل الحديدي من جوف صخر الجبل و من خلال غمامة كتموج الماء ليقف أمامهما فيرتعش الدرويش و يغمى عليه, بينما تثبت ابنته الشجاعة و تواجهه بكلماتها الفاصلة و التي مفادها : إن كان يريد أن تكون زوجة له فيجب عليه أن يجد حل اللغز الذي تقرؤه عليه.

عنده عينين كي الجوهر

و اللي يحب يسرقهم له ما يقدر

وعنده شلاغم طوال ..و بلاك تقولوا,أنمر

صغير و حاذق

و لباسه يبرق

النار ما تحرقوش

رجليه كي الحرير

يمشي ما تسمعوش

عنده .. 16 موس

بالصح ما يقطعوش

يقف الرجل الحديدي أمامها, صامتا لا يرد على الفتاة الشجاعة التي أعجزته حتى على التباهي بقوته, ثم تأخذ بيد أبيها و تحاول إرجاعه إلى وعيه و هي تضرب على خده بكفها الناعم.

يعود الأب إلى وعيه, ليجد ابنته أمامه و هي مسرورة بما توصلت إليه من إيقاف الرجل الحديدي عند حده حتى صار أبكم لا يستطيع الكلام. و عند عجزه, يعبر الرجل الحديدي عن فشله بغضب شديد يتضمن تكوين زوبعة من الغبار الأسود يعود بواسطتها إلى قلب الجبل الذي خرج منه و يختفي. يعود الأب و ابنته إلى بيتهم دون معرفة الجواب على السؤال الذي طرحته العجوز علي درويش المحاين ..ولكن عدم إيجاد الحل , كان فيه فائدة كبيرة تتمثل في نجاة الفتاة من زواج رجل حديدي لا ترغب فيه .

02- درويش القنطة.

يصل في هذه الآونة, درويش القنطة الذي خرج هو الآخر في البحث عن الحل, أمام نهر صغير, خرير مائه يذهب التعب عن المسافر , يرفع الدرويش أطراف * قشابيته التي يخيف لونها الأحمر الجن و الإنس , و يحاول العبور إلى الضفة الأخرى أين يتوقف ليضع زاده بالقرب منه و هو يلتفت يمينا و شمالا خوفا من الأشرار و قطاع الطرق ثم يقترب من الماء ليغسل أطرافه والسماء من وراءه أصبح مكسوا بلون برتقالي , أنها الشمس التي تأوي إلى مغربها ليحل الليل على المكان و غير بعيد من النهر يقرر الدرويش إشعال موقد نار ليستأنس به في الظلام الحالك و ليبعد به البرد الذي بدأ يلدغ جسمه المتعب من سير نهار طويل. يفرش بعض المتاع الذي يخرجه من كيسه ثم يتناول بعض حبات التمر و يقوم من مكانه ليتفقد ما يحيط به قبل الاستسلام إلى النوم.

يرتفع نظر الدرويش الممدد على فراشه, مع ارتفاع لهب النار الذي يتبعه إلى السماء الصافية التي غاب عنها القمر و يستسلم للنوم في مكانه.

 صوت البوم, ثم الذئاب و هي تعوي بعيدا, ثم وقع أقدام على القش اليابس آتية من بعيد, و تقترب أكثر فأكثر حتى يظهر رجلان في حالة يرثى لها و هما يستلان عصيهم و يحاولان الإغارة على الدرويش النائم حتى ينزعان منه زاده و لباسه..

يقترب الأول و يحاول صرعه بالعصا إلا أن يده تتجمد في الهواء و أما الثاني الذي اقترب منه من جهة رأسه, فقد غرقت رجلاه في الوحل و لم يعد يستطع التحرك و لا إنقاذ نفسه, و يبقيان كذالك, الليل بكامله إلى الصباح .

** في يوم جديد

شعاع شمس الصباح الباكر يقع على وجه درويش القنطة فنراه يفتح عينيه على صورة رجل في هيأة مفزعة و هو واقف مكانه لا يحرك ساكنا...ينهض من فراشه و يتقدم من الرجل الأول ليكتشف من ورائه رجل ثان و قد غرقت رجلاه في الوحل إلى الركبتين و هو يبكي بكاء الأطفال و يطلبان الصفح من درويش القنطة لأن كل واحد منهما أصبح يتهم صاحبه بأنه هو السبب في تدبير هذه الإغارة..و لكن الدرويش لم يعرهما أي اهتمام فيعود إلى مكانه ثم يجلس و يأخذ بيده عود حطب صغير ليحرك رماد الموقد الذي خفت ناره ,ثم يرفع رأسه ليكلمهما محاولا اختبار صدقهم و معرفتهم في شؤون الحياة كما يدعيان و إن كانا كذلك فما عليهما إلا الإجابة على اللغز:

عنده عينين كي الجوهر

و اللي يحب يسرقهم له ما يقدر

وعنده شلاغم طوال ..و بلاك تقولوا,أنمر

صغير و حاذق

و لباسه يبرق

النار ما تحرقوش

رجليه كي الحرير

يمشي ما تسمعوش

عنده .. 16 موس

بالصح ما يقطعوش

و لكن بدون جدوى, فيتركهما على هذا الحال الذي وجدوا عليه و ينصرف.

 

03- درويش النحس.

في مكان خال بالصحراء, يظهر درويش النحس و هو يلبس لباسا تقليديا يتكون من برنوس بلون مزركش يكسوه الغبار و يحمل على ظهره فراشا يتكون من جلد ماعز و غطاء من قماش قديم. يصل أمام خيمة أين ربطت عنزة في مكان منعزل فيقترب منها و دون أن يلفت انتباه أهل الخيمة, يقوم بحلبها و سرقة حليبها الذي يضعه في قبعته ثم يكمل طريقه. يتفطن إليه أهل الخيمة فيتبعونه و كلابهم إلى أن يختفي في آخر الأرض الصحراوية التي كان يمشي عليها..

يظهر درويش النحس أمام موقع أثري ضخم * قبر الرومية* أين يقف مندهشا أمام ضخامة المعلم إلى أن يتقدم منه شيخ كبير ذو لحية بيضاء و لباس غريب لا يدري من أي جهة خرج ليسأله من أي بلد أتيت ؟ و ماذا تريد ؟  فيرد عليه درويش النحس انه جاء من مكان بعيد ليبحث عن  الحكمة و أهل الحكمة فلم يجد إلا * عمالة و وادها مالح, انه كلام قاس يسمعه للشيخ الذي بدأ يتحسس برائحة كريهة تأتي من جهة الدرويش..فيقرر ان  يمتحنه بإعطائه قنديلا ليدخل إلى داخل المعلم اين يجد مراده و مقصده.. .يتابع درويش النحس الشيخ في حركاته السحرية و هو يخرج قنديلا قديما من جيب بذلته الغريبة و يسلمه له مؤكدا, إن كنت صادقا فستفلح في مهمتك و إن كنت كاذبا فأنت مسئول عن ما يحدث لك...فيستلم درويش النحس المصباح و يتقدم من باب المعلم الضخم , و ما أن تطأ رجلاه عتبة الباب حتى يقذفه ريح قوي خارج المعلم فيرديه طريحا على جانب المعلم  فيتأكد كذبه. ينزع الشيخ * برنسه  و يرميه على وجه درويش النحس الذي يسقط أرضا و هو مغطى الوجه حتى لا يرى رحيل الشيخ الذي يختفي بواسطة فرس جميل يأخذه إلى وراء المعلم أين يختفي دون أن يحقق مراده و مبتغاه في إيجاد حل اللغز الذي يمكنه من معرفة السر الكامن في جحش الستوت أم البهوت.

عند بئر يقع على أطراف القرية تصل العجوز الستوت أم البهوت و قد تزينت بقطعة القماش التي انتزعتها من البائع المتجول و تتهيأ لتدلي بدلوها في البئر و فجأة , تظهر أمام أعينها الفتاة الجميلة قمر زمانها و قد اقتربت من البئر و هي ترتدي لباسا تقليديا جميلا تظهر فيه و كأنها * قمرا في ليلة اكتماله* , و في جو يملؤه الحذر و الصمت و نظرات الحسد التي ترمي بها العجوز الفتاة البريئة تجري عملية ملء القلل  بماء البئر الظاهر من أثر البلل البادي عليها و من برك الماء المحيط بها , و بعد تبادل لكلمات فيها الكثير من المعاني تقول الفتاة قمر زمانها للعجوز:

* خبي زينك لا ينشاف و خبي شينك لا ينعاف.

فترد الستوت أم البهوت على قمر زمانها قائلة:

*الدالية ما تعرف لون عنبها,حتى يطيب العنقود.

ثم تحمل قمر زمانها قلتها و تضمها إلى صدرها و تترك العجوز واقفة أمام البئر و تنصرف و هي تمشي مشيا تريد منه إزعاج العجوز, إلا أن هذه الأخيرة, لا زالت تتبعها بنظراتها المملوءة بالحقد و الحسد, وغير بعيد من البئر, تتعثر البنت و هي ذاهبة فتسقط على الأرض و قلتها, و من حسن حظها تسلم الجرة من الكسر و يتبدد بعض الماء على الأرض, تقوم قمر زمانها من سقطتها و تحاول نفض الغبار عن ثيابها, إلى أن يجلب انتباهها وصول شاب وسيم إلى مكان البئر..

و عن بعد , تتابع كيف تسقيه الستوت ام البهوت من ماء قلتها ثم يجلسان تحت شجرة صغيرة بالقرب من البئر أين تتركهما و تنصرف و هي تتمتم مع نفسها:* الزهر بوهالي ما تدري لا يجي في الأول و إلا في التالي. تأخذ قمر زمانها قلتها و قد ضاع منها النصف الذي شربته الأرض العطشانة في يوم مشمس و تمضي تاركة الستوت أم البهوت مع خطيبها كما ادعت.. على مشارف بستان جميل يقطعه نهر صغير نبتت شجيرات صغيرة غطت النقطة المخصصة لمليء الماء من طرف أهل المساكن التي يظهر قرميدها الأحمر من بعيد نظرا لوجود المنبع في مكان منخفض, تصل إلى المكان الفتاة الجميلة قمر زمانها و هي ترتدي أجمل الملابس وعلى رأسها قلة كبيرة من الفخار, لقد جاءت لتملأ الماء من النهر لأن البئر  في مخيلتها استولت عليه الستوت ام البهوت و خطيبها .

تقف على حجر كبير هناك و تخرج من القلة إناءا صغيرا تستعمله لغرف الماء من النهر و وصبه في القلة.. و فجأة يقف  بالقرب منها وعند رأسها الشاب الذي كان رفقة الستوت أم البهوت و أدعت انه خطيبها و هو يدندن كلمات فيها الكثير من المعاني و الإيحاءات, فترتبك الفتاة و يسقط منها الإناء الذي كانت تملأ به الماء في الغدير, فيأخذه مجرى الماء و هو يطفو على السطح, و ما أن يرى الشاب سقوط الإناء في النهر, حتى ينزل نحوه و يتتبع الإناء الذي يكون قد غطس في قاع الغدير, يحاول البحث عنه بإدخال يديه تحت الماء إلى أن يخرجه و يسلمه إلي الفتاة التي تتبع حركاته بحذر ثم يخرج إلى الضفة المقابلة و يجلس تحت أشعة الشمس ليجفف لباسه و هي تسترق النظرات اليه إلى أن تنتهي من ملأ القلة فترفعها  إلى الأعلى لتضعها على رأسها و تنصرف عبر البستان القريب من المساكن و الشاب يتعقب خطاها من بعيد ليعرف مسكن أهلها. و قبل أن تدخل الفتاة بيت درويش المحاين الذي تصل أمامه, تلتفت وراءها , فتراه يلاحقها بنظراته, فيبتسم و يعود أدراجه.

بيت درويش المحاين.

وسط البيت المتواضع يجلس درويش المحاين و زوجته رفقة الشاب الوسيم الذي جاء ليطلب يد ابنتهما قمر زمانها, و قد احضر معه قطعة قماش مزركشة جميلة من النوع الرفيع و الغالي و هو يعرضها عليهما كهدية لابنتهما إن قبلت الزواج منه.

تنهض الأم من مكانها لتأتي بقمر زمانها و هي تمشي على استحياء إلى أن تصل إلى وسط البيت فينبهر الشاب أكثر بجمالها الذي يزداد يوما بعد يوم فتجلس بجوار أمها و بالقرب من أبيها الذي يخبرها بنية الشاب في الزواج منها, إلا أن الفتاة  تكشف ألاعيبه قائلة:

ليكن في علمك يا أبي , أن هذا الشاب, وعد الستوت بالزواج , و أعطى لها قطعة قماش لا يلبسها إلا بنات الملوك.. و تضيف باستهزاء و هي تنظر إلى الشاب, ليأتي إلي بيتنا و يريد أن يأخذني كزوجة بقطعة قماش لا تصلح حتى لمسح الأرض.

فينصرف الشاب مقتنعا أن لا سبيل للزواج من قمر زمانها, إلا باسترداد قطعة القماش من الستوت أم البهوت.

بممرات القرية الضيقة أين تقام السوق, و التي امتلأت برواد يلتحقون بالمكان للتبادل التجاري و اقتناء الاحتياجات اليومية في يوم ربيعي أين الشمس الساطعة تعم المكان و

في احد الأماكن المطلة على ساحة السوق , دكان عطار , أين كتب على بابه عطور الشيخ المرنيخ . 

يجلس الشيخ  المرنيخ على كرسي صغير أمام باب دكانه , إلى أن يقف أمامه الشاب الوسيم , الذي جاء إلى سوق القرية لاقتناء بعض الهدايا, يتقدم الشاب من الشيخ المرنيخ فيصافحه و يبادله بعض الكلمات ثم يدخلان إلي داخل الدكان , الذي زينته رفوف من خشب قديم تعرض عليها قارورات  زجاجية تحتوي على أنواع من العطر و بجانبها قلل صغيرة من الفخار بألوان زاهية تجلب النظر..يعرض الشيخ المرنيخ على الشاب أجود أنواع العطور التي يتوفر عليها الدكان فيشم بعضها , و يجرب الأخرى على يده, إلى أن تدخل عليهما الستوت أم البهوت التي وصلت إلى المكان و هي تمتطي حمارها الذي تتركه أمام الباب , و ما أن يراها الشيخ المرنيخ حتى يرميها بكلماته الكثيرة المعاني: * كي غابت الطيور جات الهامة تدور, فترد عليه هي الأخرى بكلمات و على قدر ما تلفظ به,* الكلب الاحمر, يحسب روحه مع العجول , يتدخل الشاب ليلطف الجو قائلا:* كية النسا ما تتنسى و مرقتهم ما تتحسى.و هو يكلم العجوز و ينظر الى العطار, يقول الشاب : في الحقيقة قطعة القماش التي تلفين بها كتفيك , كنت قد جلبتها لعروستي ..

فترد عليه لعجوز, و هي تسوي قطعة القماش الجميلة  على كتفها و تعرض جسمها أمامه من خلال حركات رشيقة مصطنعة و تشد على قطعة القماش التي تظن أنها زادتها رونقا و جمالا, ألا يمكنني أن أكون عروسا لك؟

فيرد عليها و روح الانتقام تأكل أدخاله, يمكن ذلك و سترين في الأيام القادمة كيف أقيم لك عرسا لم ير مثله أحد على أرض هذه القرية .

*يوم الفصل.

 تقع القرية التي تسكنها عائلة قمر زمانها في نهاية الطريق و يقع في منتصفها مسكن الستوت أم البهوت. قوافل كبيرة من الفرسان على شكل كوكبات تتبعهم فرق من الراجلين يلبسون لباسا موحدا و تتخللهم عربات تجرها أحصنة يمتطيها بعض الأطفال و النساء..

فرق للزرنة و ضرب الدفوف, و أخرى لرجال يتبارزون بالسيوف و العصي, انه عرس يشبه عرس الملوك. يتقدم الشاب الوسيم الموكب و هو يركب فرسا ابيضا و يرتدي لباسا راقيا و يقف على ذراعه الأيسر نسر ضخم و في يده اليمنى سيف فضي يلمع من بعيد.

في الموكب ووراء فرس الشاب, يظهر جملا و عليه نصب هودج عروس رصعت أطرافه بأقمشة جميلة وجريد نخل أخضر زاده صوت الدفوف و البارود و إنشاد المنشدين الذي يطرب الأذان بهجة و سرورا. غير بعيد , تقف الستوت ام البهوت أمام باب مسكنها مندهشة مما تراه عيناها , فتعلو الفرحة وجهها الذي كسته التجاعيد ظنا منها  أن الشاب صدق وعده في الزواج منها, فنراها تعود إلى داخل بيتها مهرولة لتهيئ نفسها لمقابلته .

في آخر الطريق يقف درويش المحاين أمام باب مسكنه المتواضع غير بعيد عن مسكن الستوت ام البهوت , رفقة زوجته و ابنتهما قمر زمانها و هم يتابعون ما يحدث في هذا الاستعراض الغريب الذي جاء به الشاب الوسيم.

أما الستوت أم البهوت,فهي  في ساحة  مسكنها تحمل وعاءا من القصدير المملوء بالماء و تقوم برش المكان, ثم تأخذ مكنسة و تقوم بكنس الفضلات التي عمت المكان و أين يسمع صوت يردد كلمات الأحجية التي تقول: * عندها مراح مكنوس و مرشوش و الزبل يضرب فيه للخنشوش, و هي على هذا الحال تسمع الضجيج الصادر عن القافلة و هو يقترب من مسكنها, تعود الستوت آم البهوت  لتقف أمام باب المسكن لتتفاجأ بالموكب الذي وصل بمحاذاة الطريق المار أمام مسكنها. يقف الشاب على فرسه ليشير للقافلة بالتوقف و الكف عن الغناء و اللعب و يعلن عن وصوله أمام مسكن خطيبته, فيأمر المداح للخروج أمامه ليلقي كلمات تزرع الفرح و البهجة في  هذا اليوم السعيد.

يخرج المداح بلباسه المتميز ليلقي شعرا يستحسنه الجمع الغفير الذي نراه يصفق و يدق الطبول.* و من على سرج الحصان الأبيض الذي يركبه الشاب, يقف على قدميه ليعرض على الحاضرين طائر النسر الضخم الذي يقف على ذراعه الأيسر و الذي سيكلفه بمهمة اختيار العروس. الصمت و الترقب يعم المكان و الأبصار مشخصة على النسر الذي ينطلق في اتجاه بيت قمر زمانها, فترتسم الفرحة على وجوه الحاضرين و يبدو الغضب على وجه الستوت أم  البهوت التي تزينت بقطعة القماش الجميلة التي افتكتها من الشاب في يوم السوق و ترفض ردها إلا إذا تزوجها , و يكسو جسمها لهب من النار من شدة اغتياظها فترفع عيناها إلى ناحية النسر لتحاول حرقه بشرر النار المتطاير من عينيها, و بحركات تفاجئ الجميع يعود النسر أدراجه إلى ناحية الستوت ام البهوت , فيحتج الجميع بأصوات معارضة, و تحزن قمر زمانها لما يحدث فتواسيها الأم الحنون و ينزل الدمع على خديها تعبيرا عن ضياع الفرصة السعيدة...

يصل النسر أمام الستوت أم البهوت و ينزل على كتفها فنراها تطير فرحا لاختيارها زوجة للشاب الوسيم, فتحاول شد النسر لتلاطفه و لكنه ينقرها بمنقاره على أذنها و ينتشل منها قطعة القماش الجميلة و يطير في اتجاه الفتاة قمر زمانها التي نراها تنطلق في اتجاهه لتلاقيه فينزل بين يديها و يسلمها قطعة القماش الجميلة التي وعدها الشاب الوسيم  و التي لن تكون إلا من نصيبها. يفرح الجميع لذكاء النسر و حسن اختياره و يصنعون حول الشاب الوسيم و قمر زمانها التي تكون قد اقتربت و والديها من الشاب, حلقة واسعة. ينزل الشاب من على فرسه و يتقدم من عائلة * *قمر زمانها فيقبل يد الأم و رأس الأب و يشد يد الفتاة التي تكون قد لفت نصف جسمها بقطعة القماش الجميلة فبدت كالأميرة. يشير الشاب إلى الجمع الحاضر بفتح الطريق في اتجاه مسكن الستوت ام البهوت التي تكون في حالة انهزام كبيرة  و هي تحضن قطها الأسود فيبادرها قائلا: * و اللي غضب من لا شيء يرضى بالا شيء, أنت التي بدأت و البادي أظلم,*و اللي يشري الدون بالدون يرجع البيته مغبون, فترد عليه الستوت أم البهوت * يخلاص ما في القدور و يبقى ما في الصدور, فتتدخل قمر زمانها قائلة: شفتي كيفاش ؟ *اللي يعاير ’ يعايروه. يشير الشاب إلى الجمع الحاضر بفتح الطريق في اتجاه مسكن الستوت ام البهوت التي تكون في حالة انهزام كبيرة  و هي تحتضن قطها الأسود, فيتقدم منها درويش المحاين أبو قمر زمانها و الذي يرافقه درويش *القنطة و درويش *النحس ليقرأ اللغز على مسامع الجميع, و أمام الستوت أم البهوت .

يا سادات , يا كرام, اللغز يقول:

عنده عينين كي الجوهر

و اللي يحب يسرقهم له ما يقدر

وعنده شلاغم طوال ..و بلاك تقولوا,أنمر

صغير و حاذق

و لباسه يبرق

النار ما تحرقوش

رجليه كي الحرير

يمشي ما تسمعوش

عنده .. 16 موس

بالصح ما يقطعوش

الكل ينتظر حل اللغز أمام إصرار الستوت أم البهوت التي تنظر إلى الشاب نظرة  تكاد تحرقه و لكنه يفاجئها بتكليف زوجته قمر زمانها بفكه , فتقاطعه الستوت أم البهوت قائلة: لا أنت لا هي  تستطيعون  فك اللغز*ماهوش بصياح الغراب يجي المطر. وبتحد,كبير و نظرات متبادلة مع أبيها درويش المحاين المعجب بفصاحتها تقول:

*أنت كي الفار, اذا جاع سرق ,واذا شبع فسق.

صمت وجيز و نظرات عميقة في اتجاه العجوز,ثم تقول : إن الذي تقصدينه في لغزك ليس بشيء خارق للعادة,وإنما هو تلاعب و مكر في معاملتك مع الدراويش الذين خدعتيهم و لكن المقصود منه و حله يكون كالتالي:

القط اللي راه في حجرك

هو اللي عينيه كي الجوهر

ما يقدر حتى واحد يسرقهم له

وعنده شلاغم طوال كي النمر

و لكنه ما هوش نمر

صغير و حاذق و ريشه يبرق

النار ما تحرقوش

كي يمشي رجليه كي الحرير

ما تسمعوش

عنده .. 16 موس يعني : ظفاره

بالصح ما يقطعوش..

ينتفض القط في حضن العجوز الستوت أم البهوت محدثا صوت يزعجها فتتخلص منه  بعد أن يكون قد خدش سترتها فتقطعت و يهرب منها في اتجاه البيت , فيضحك الجميع على سوء حظها و فوز الفتاة قمر زمانها بإخلاصها و صبرها على حيلة و غباء العجوز التي نراها تذوب في لباسها ذوبان الزبد تحت حر الشمس و ينتهي بذلك حسد العجوز و شرها على من حولها بصعود غيم ابيض يغطي المشهد.

 ساحة مسكن قمر زمانها يؤمها الكثير من الرجال و النساء و الأطفال و الشيوخ و أين يجلس العريس إلى جانب عروسه تحت خيمة بكل مستلزماتها نصبت هناك و أين تؤدي فرقة رقص من منطقة الهقار رقصاتها الجميلة تتبارز أفرادها بالسيوف و استعمال الدروع الجميلة و تحت أنغام ترقية. غير بعيد من مكان الاستعراض هيئت مواقد نار و عليها يطهى أشهى المأكولات و موائد عليها أصناف من الفواكه.

 و يبزغ شمس صباح يوم جديد في أبهى صوره و يرحل العريسان  على فرس ابيض في اتجاه شروق الشمس و على ارض واسعة إلى أن يختفيان في الأفق تحت نغم موسيقي ترقي.

 

محمد داود

محافظ رئيسي للتراث الثقافي.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق