]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فلسفة ابن سينا

بواسطة: بندر سعد الحربي  |  بتاريخ: 2012-01-07 ، الوقت: 12:04:15
  • تقييم المقالة:

إنَّ الغرضَ في الفلسفة أنْ يُوقَفَ على حقائِق الأشياءِ كلِّها على قدر مايمكن الإنسان أن يقف عليه. والأشياء الموجودةُ إما أشياء موجودةٌ ليس وجودُها باختيارنا وفِعُلِنا، وإما أشياء وجودها باختيارنا وفعلنا. ومعرفة الامور التي من القسم الأول تسمى فلسفةً نظرية، ومعرفة الأمور التي من القسم الثاني تسمى فلسفةً عملية. والفلسفة النظرية إنما الغاية فيها تكميل النفس بأن تعلم فقط، والفلسفة العملية إنما الغاية فيها تكميل النفس، لا بأن تعلم فقط، بل بأن تعلم ما يُعْمَل به فتَعْمَل. فالنظريةُ غايَتُها اعتقادُ رأىٍ ليس بعمل، والعملية غايَتُها معرفة رأى هو في عمل، فالنظرية أوْلى بأن تُنْسب إلى الرأى.

والأشياء الموجودةُ في الأعيان التي ليس وجودُها باختيارنا وفعلنا هي بالقسمة الأولى على قسمين: أحدهما الأمور التي تخالط الحركة، والثاني الأمورُ التي لاتخالط الحركة، مثل العقل والبارى. والأمور التي تخالط الحركة على ضربين: فإنها إما أن تكون لاوجود لها إلا بحيث يجوز أن تخالط الحركة، مثل الإنسانية والتربيع، وما شابه ذلك، وإما أن يكون لها وجود من دون ذلك. فالموجودات التي لاوجود لها إلا بحيث يجوز عليها مخالطة الحركة على قسمين: فإنّها إمّا أَنْ تكون، لا القِوام ولا في الوهم، يصح عليها أن تُجَرَّد عن مادة مُعَيَّنة، كصورة الإنسانية والفَرَسية، وإما أن تكون يصح عليها ذلك في الوهم دون القِوام، مثل التربيع، فإنه لا يُحْوِج تصوُّرُه إلى أن يُخَص بنوع مادة، أو يُلْتَفت إلى حال حركة. وأما الأمور التي يصح أن تخالط الحركة، ولها وجود دون ذلك، فهي مثل الهوية، والوحدة، والكثرة، والعِلِّية. فتكون الأمور التي يصح عليها أن تجرَّد عن الحركة، إما أن تكون صحتُها صحةَ الوجوب، وإما ألا تكون صحتُها صحةَ الوجوب، بل تكون بحيث لايمتنع لها ذلك، مثل حال الوحدة، والهوية، والعلية، والعدد الذي هو الكثرة. وهذه فإما أنْ يُنْظَر إليها من حيث هى هى، فلا يفارق ذلك النظرُ النظرَ إليها من حيث هى مجردة، فإنها تكون من جملة النظر الذي يكون في الأشياء، لا من حيث هى في مادة، إِذْ هى، من حيث هى هى، لا في مادة، وإمَّا أن يُنْظر اليها من حيث عَرَضَ لها عرضٌ لايكون في وجود إلا في المادة. وهذا على قسمين: إمَّا أن يكون ذلك العرض لايصح توهمه أن يكون إلا مع نسبةٍ إلى المادة النوعية والحركة، مثل النظر في الواحد، من حيث هو نارٌ أو هواء، وفي الكثير، من حيث هو أُسْطقسات، وفي العلة، من حيث هي مثلا حرارة أو برودة، وفي الجوهر العقلي، من حيث هو نفس، أى مبدأ حركةِ بدنٍ، وإِنْ كان يجوز مفارقته بذاته. وإمّا أنْ يكون ذلك العرض - وإِنْ كان لايَعْرِض إلا مع نسبةٍ إلى مادة ومخالطة حركة - فإنه قد تُتَوهَّمُ أحوالُه وتُسْتَبانُ من غير نظرٍ في المادة المعيَّنة والحركة النظرَ المذكورَ، مثل الجمع والتفريق، والضرب والقسمة، والتجذير والتكعيب، وسائر الأحوال التي تَلْحَق العدد، فإنَّ ذلك يلحق العدد وهو في أوهام الناس، أو في موجودات متحركة منقسمة متفرقة ومجتمعة، ولكن تصوّر ذلك قد يتجرد تجردا مّا حتى لايُحْتاج فيه إلى تعيين مواد نوعية.

فأصناف العلوم إمَّا أنْ تتناول إذن اعتبارَ الموجودات، من حيث هى في الحركة تصورا وقواما، وتتعلق بمواد مخصوصِة الأنواع،وإمَّا أنْ تتناول اعتبارَ الموجودات، من حيث هى مفارقة لتلك تصورا لاقواما، وإمّا أَنْ تتناول اعتبارَ الموجودات، من حيث هى مفارقة قواما وتصورا.

فالقسم الأول من العلوم هو العلم الطبيعى.والقسم الثاني هو العلم الرياضى المحض، وعلم العدد المشهور منه، وأما معرفةُ طبيعِة العدِد، من حيث هو عدد، فليس لذلك العلم. والقسم الثالث هو العلم الإلهى. وإذْ الموجودات في الطبع على هذه الأقسام الثلاثة، فالعلوم الفلسفية النظرية هى هذه. وأَمّا الفلسفةُ العملية: فإمّا أَنْ تتعلق بتعليم الآراء التي تنتظم باستعمالها المشاركة الإنسانية العامية، وتُعْرَف بتدبير المدينة، وتسمى علم السياسة، وإِمّا أنْ يكون ذلك التعلّقُ بما تنتظم به المشاركة الإنسانية الخاصية، وتُعرْف بتدبير المنزل؛ وإمّا أَنْ يكون ذلك التعلق بما تنتظم به حال الشخص الواحد في زكاء نفسه، ويسمى علم الأخلاق. وجميع ذلك إنما تُحَقَّقُ صحة جملته بالبرهان النظرى، وبالشهادة الشرعية، ويحقق تفصيلُه وتقديره بالشريعة الإلهية.

والغاية في الفلسفة النظرية معرفةُ الحقِّ، والغاية في الفلسفة العلمية معرفةُ الخير.

وماهيات الأشياء قد تكون في أعيان الأشياء، وقد تكون في التصور، فيكون لها اعتبارات ثلاثة: اعتبار الماهية بما هى تلك الماهية غير مضافة إلى أحد الوجودين وما يلحقها، من حيث هى كذلك؛ واعتبار لها، من حيث هى في الأعيان، فيلحقها حينئذ أعراض تخص وجودها ذلك؛ واعتبار لها، من حيث هى في التصور، فيلحقها حينئذ أعراض تخص وجودها ذلك، مثل الوضع والحَمْل، ومثل الكلية والجزئية في الحمل، والذاتية والعرضية في الحمل، وغير ذلك مما ستعلمه؛ فإنه ليس في الموجودات الخارجية ذاتية ولا عرضية حملا، ولا كون الشئ مبتدأ ولا كونه خبرا، ولا مقدمة ولا قياسا، ولا غير ذلك. وإذا أردنا أن نتفكر في الاشياء ونعلمها، فنحتاج ضرورةً إلى أن نُدْخِلها في التصور، فتعرض لها ضرورةً الأحوال التي تكون في التصور فنحتاج ضرورةً إلى أن نعتبر الأحوالَ التي لها في التصور، وخصوصا ونحن نروم بالفكرة أَنْ نستدرك المجهولات، وأن يكون ذلك من المعلومات. والأمور إنما تكون مجهولةً بالقياس إلى الذهن لامحالة، وكذلك إنما تكون معلومة بالقياس إليه.والحال والعارض الذي يَعْرِض لها حتى ننتقل من معلومها إلى مجهولها، هو حال وعارض يعرض لها في التصور، وإِن كان مالها في ذاتها أيضا موجودا مع ذلك، فمن الضرورة أن يكون لنا علم بهذه الأحوال، وأنها كم هى، وكيف هى، وكيف تُعتبر في هذا العارض. ولأن هذا النظر ليس نظرا في الأمور، من حيث هى موجودة أحدَ نحوى الوجودين المذكورين، بل من حيث ينفع في إدراك أحوال ذينك الوجودين، فَمَنْ تكونُ الفلسفةُ عنده متناوِلةً للبحث عن الأشياء، من حيث هى موجودة، ومنقسمة إلى الوجودين المذكورين، فلا يكون هذا العلمُ عنده جزأ من الفلسفة؛ ومن حيث هو نافع في ذلك، فيكون عنده آلة في الفلسفة؛ ومَنْ تكون الفلسفةُ عنده متناولةً لكل بحث نظري، ومِنْ كل وجه، يكون أيضا هذا عنده جزأ من الفلسفة، وآلة لسائر أجزاء الفلسفة. وسنزيد هذا شرحا فيما بعد.

والمشاجرات التي تجري في مثل هذه المسألة فهى من الباطل ومن الفضول: أما من الباطل، فلأنه لاتناقض بين القولين، فإنَّ كل واحد منهما يعنىِ بالفلسفة معنى آخر؛ وأما من الفضول، فإنَّ الشغل بأمثال هذه الأشياء ليس مما يُجدى نفعا.

وهذا النوع من النظر هو المسمى علم المنطق، وهو النظر في هذه الأمور المذكورة، من حيث يتأدى منها إلى أعلام المجهول، وما يعرض لها من حيث كذلك لاغير.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق