]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الصحافة الالكترونية ودورها في اقامة المجتمع الديموقراطي

بواسطة: ا.د.ابراهيم خليل العلاف  |  بتاريخ: 2012-01-06 ، الوقت: 17:23:43
  • تقييم المقالة:
الصحافة الالكترونية ودورها في إقامة المجتمع الديمقراطي

   
أ . د. إبراهيم خليل العلاف                        

                                                                   استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل


ـ 1 ـ
ليس من شك في ان الصحافة، ومنذ نشأتها تقوم بدور متميز في تيقظ الافكار، وتنمية الوعي السياسي والفكري، وتوسيع قاعدة المثقفين.. هذا فضلا عن مشاركتها الفاعلة في تكوين رأي عام. والصحافة كما هو معروف وسيلة مهمة من وسائل الشعب للتعبير عن مطامحه واهتماماته. ولايمكن تصور بعض مظاهر النهوض الحضاري بدون فهم دور الصحافة، وفوق هذا وذاك ومما تسطره من مقالات وما تنشره من آراء وافكار، نستطيع تلمس آراء الناس ومعتقداتهم واتجاهاتهم وسلبيات واقعهم الاجتماعي والسياسي والثقافي. واية مراجعة لتاريخ الصحافة وتطورها عبر العصور، تكشف لنا ان على صفحاتها انعكست كل تيارات المجتمع واتجاهاته السياسية والاجتماعية والثقافية، ومن هنا جاء القول المعروف: ((ان الصحافة هي مرآة المجتمع))..
وقد كان الرواد الاوائل للصحافة في الوطن العربي ومنهم احمد لطفي السيد (1872 ـ1963) يرون ان من اهداف الصحافة الرئيسية ((ارشاد الامة.. الى اسباب الرقي الصحيح والحض على الاخذ بها، واخلاص النصح للحكومة والامة بتبيين ما هو خير واولى))، واذا كانت الصحافة الورقية قد قامت بمثل تلك الادوار فإن الصحافة الالكترونية اليوم مطالبة بما هو اكثر من ذلك.

ـ 2 ـ
في ضوء الثورة المعلوماتية التي شهدها العالم قبل سنوات قليلة، وما توفره الشبكة العالمية (الانترنيت) (International Network) من خدمة اعلامية ومعرفية، ومنها مثلا الصحافة الالكترونية، فإن المسؤولين عن الصحافة التقليدية (الورقية) ادركوا حجم التحدي الذي يواجهونه في مجال الزخم الاعلامي، فالصحف العلمية والعربية الرئيسية، وحتى غير الرئيسية، اصبح لها مواقع ثابتة على الانترنيت. وصار بمقدور كل انسان وفي أي مكان.. وفي أي لحظة الدخول الى مواقعها وقراءتها والاستفادة منها.. ولم يعد المواطن ينتظر (24) ساعة او (12) ساعة ليقرأ في الصباح او المساء جريدته المفضلة، بل صار بإمكانه ان يفتح جهازه (الكومبيوتر)، في البيت او الدائرة او المقهى ليقرأ الصحيفة التي يحبها بأساليب مختلفة وبشكل الصفحة المكتوبة وعبر طريقة معروفة للقارئ..
قال بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت في مقابلة مع (صحيفة لوفيغارو) الفرنسية ونقلها الموقع الالكتروني WWW.alarabonline.orgقبل فترة قصيرة انه ((خلال خمس سنوات سيقرأ 40% الى50% من الناس صحفهم على الانترنيت، واعتبر ان نوعية المواقع الالكترونية ((امر أساسي)) بالنسبة الى الصحف، واضاف قائلا: انه ((حفاظا على قرائها، فإن على الصحف ان تحسن مواقعها الالكترونية))، مشيرا الى ان نوعية الموقع الالكتروني باتت اساسية للمؤسسات الصحفية)).وقال انه يلجأ الى الانترنيت للاطلاع على ((اكثر من نصف)) قراءاته للصحف، وفي مقدمتها (وول ستريت جورنال) و(نيويورك تايمز) و (ذي ايكونومست). كما انه يقرأ جميع الصحف المتعلقة بمجال المعلوماتية على الانترنيت.
وقد اكد كثير من قادة الاعلام، ورؤساء تحرير الصحف المعروفة، ان عليهم، لكي يواكبوا التطور المعلوماتي، ان يهتموا بشكل ومضمون صحفهم، وان يحرصوا على تطوير مواقع صحفهم لكي تنال اعجاب القراء ولكي تنافس غيرها في الصحف، ان كان ذلك على صعيد الخبر، او على صعيد الرأي او المعلومة او ما شاكل ذلك.
ومن هنا، فقد بات من واجب الصحفيين والاعلاميين عموما، ان يطوروا انفسهم، وان يتعلموا استخدام الكومبيوتر، والاستفادة من الانترنيت في اقتناص ما يريدونه من اخبار ومعلومات. كما اصبح من الضروري ان نرى صحفيين متخصصين، فليس من المعقول ان يكتب صحفي اليوم في كل شيء وعن أي شيء، فلا بد من التخصص. لذلك بدأنا اليوم نسمع صيحات تدعو الى سن قانون اعلام عصري يأخذ بنظر الاعتبار، كل نواقص القوانين المسماة في بعض البلدان (قوانين المطبوعات)، وان يعالج القانون قضايا الصحافة الالكترونية والاعلام المسموع المرئي.
والامر اليوم لم يعد مقتصراً على الصحف التقليدية اعني الورقية، فلقد اصبح لها مواقع الكترونية كما ذكرنا آنفا.. الامر اليوم اصبح يتعلق بصدور صحف ومجلات الكترونية وحسب.
وحتى الآن لايزال مصطلح (الصحافة الالكترونية) الذي ينشر على شبكة الانترنيت مستعصياً عن التعريف.. فالحضور العربي لايزال شحيحا ونسبة مساهمة العراقيين على سبيل المثال في تنمية وتطوير الصحافة الالكترونية، ضعيفة ولكن مع هذا بدأ بعض اساتذتنا المتميزين في تحرير الصحف والمجلات الالكترونية ونضرب مثلا، ما يقوم به كاتب هذه السطور حاليا واقصد تأليفه الموسوعة الموسومة: ((موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين)) التي تأخذ طريقها الى النشر الكترونيا منذ سنة تقريبا وعبر مجلة العلوم الانسانية التي تصدر في هولندا وموقعها WWW.Uluminsania.net. ولدينا اليوم صحف الكترونية عربية منها صحيفة شباب مصر وهي اول جريدة الكترونية يومية مصرية. وقد تألف اتحاد عربي وعالمي لكتاب الانترنيت وللصحافة الالكترونية، واخذ (الصحفيون الإلكترونيون) يتحدثون عن حقوقهم، وما يترتب على الآخرين من واجبات ازاءهم، ويتساءلون عن مواقف نقابات الصحفيين منهم ومنها حقوق ممارسة مهنة الصحافة، وضمانات النزاهة، وحماية حقوق القائمين عليها.
ان الصحافة الالكترونية، اخذت تشق طريقها، خاصة انها سريعة التأثير. وقد اضحت ضمن اهتمامات القارئ اليومية، فهي مصدر من مصادر الاخبار، ومرجع لكل باحث عن معلومة وفي جميع دروب العلم والمعرفة، والاهم من ذلك كله انها اصبحت قادرة على تهيئة الأرضية المناسبة في العالم العربي للقيام بالاصلاحات والتمهيد لاقامة المجتمع الديموقراطي. ومما يساعد على ذلك ان الصحافة الالكترونية تستطيع تجاوز الحدود، وتجاوز الرقابة. فضلا عن انها سريعة التأثير وان كان هذا التاثير اقل من سرعة البث الفضائي (الستلايت) بقليل، واسرع من الصحافة الورقية بكثير.. ولابد لنا هنا من ان ننوه بالقمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقدت في اوائل عام 2006 في تونس تحت اشراف الامم المتحدة، والتي دعت الى ضرورة تقليص ما اسمته بـ(الفجوة الرقمية) بين بلدان الشمال الغنية وبلدان الجنوب الفقيرة، ورفع الرقابة المفروضة على شبكة الانترنيت في عدد من البلدان النامية.. فيما نشرت على هامش هذه القمة. معلومات عن نسبة المستخدمين للشبكة العالمية التي وصلت في بعض بلدان الشمال الى ان اكثر من 60% من السكان يستخدمون الانترنيت في حين قدرت هذه النسبة بـ(12%) في البرازيل و8% في الصين، ويقينا انها في بلدي العراق نسبة مخجلة وقد صرحت وزيرة الاتصالات العراقية الدكتورة جوان فؤاد معصوم لاذاعة سوا (الامريكية) يوم 25تشرين الثاني 2005 بان عدد المشتركين بشبكة الانترنيت لا يتجاوز الآن اكثر من 160000 مائة وستين الف مشترك وهو رقم بسيط جدا.
اذن لابد من اللحاق بركب العلم والعالم المتقدم، فاليوم اصبح من لايستخدم الكومبيوتر، ولا يعرف الاستفادة من الانترنيت يعد بحكم الانسان الأمي.. ولكي نستخدم الانترنيت ونستفيد منه في اصدار صحف ومجلات الكترونية تساعدنا في بناء مجتمع ديموقراطي تعددي يؤمن بالانسان كقيمة عليا ويسعى من اجل الحرية والمساواة والعدالة لابد من ان ندعو كل المثقفين الى ان يسارعوا الى بذل الجهود للاستفادة من تقنيات ثورة المعلوماتية في تحقيق هدفهم السامي وهو الارتقاء بمستويات مواطنيهم السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية. ومن الطبيعي ان يكون الصحفيون خاصة والاعلاميون عامة من اوائل الناس الذين ينبغي لهم ان يفهموا لغة العصر، ويندمجوا في حياة التقنية الالكترونية سواء في تطوير الصحف التي يعملون فيها او يتعاملون معها. والتساؤل الآن كيف يمكن استخدام الصحافة الالكترونية في بناء المجتمع الديموقراطي ؟
ـ 3 ـ
لم يعد سرا ان المجتمعات العربية اصبحت اليوم بحاجة الى الاصلاح، وللأسف فإن قدر هذه المنطقة هو ان تبدأ صيحات الاصلاح من الخارج، ولنا في ماحصل للدولة العثمانية اواخر القرن التاسع عشر اكبر مثل ؛ فالضغوط الاوربية دفعت آنذاك المسؤولين في تلك الدولة الى اصدار سلسلة من المراسيم الاصلاحية ومنها (خطي شريف كلخانه 1839)، و(خطي شريف همايون 1856)، لكن ما اقدمت عليه الدولة العثمانية من اصلاحات جاء متأخرا ومترافقا مع حالة ضعف عسكري واداري واقتصادي ومن هنا تتأكد اهمية دعوات بعض القادة العرب لأن يبدأ الاصلاح من الداخل ولفهم اهمية الاصلاح، والدعوة الى اعادة البناء من جديد لابد من التذكير ببعض الحقائق التي تضمنتها تقارير التنمية البشرية في الشرق الاوسط ومنها تقرير لللامم المتحدة صدر عام 2002، اعتمدته المبادرة الامريكية المعروفة بمبادرة الشراكة الامريكية مع الشرق الاوسط أساساً لها.
ومما جاء في التقرير ان العالم العربي يترجم سنويا حوالي (330) كتابا اجنبيا أي ما يعادل خمس ما تترجمه دولة مثل اليونان. وهناك حوالي (50) مليون عربي سوف يدخلون سوق العمل في العقد القادم، وعشرة ملايين طفل في سن دخول المدارس لاتتوفر لهم هذه المدارس، وهناك (65) مليونا لايحسنون القراءة والكتابة، وان حصة الدول العربية من الصادرات العالمية، اذا ما استثنينا النفط، لاتمثل حاليا سوى واحد بالمائة. فضلا عن ضعف مشاركة بعض القوى الاجتماعية المدنية في الحياة العامة، وضعف منظمات المجتمع المدني في عملية صنع القرار وازدياد البطالة وتفاقم المشكلات التربوية والعلمية والاجتماعية.
ـ 4 ـ
بغض النظر عن التعريفات المختلفة للمجتمع الديموقراطي، فإن مما يمكن ان نؤكد عليه في هذا الحيز ان المجتمع الديموقراطي هو المجتمع الذي تتوفر فيه صفتان أولاهما المشاركة، وثانيتهما المحاسبة، ونقصد بالمشاركة، مشاركة الشعب في صنع القرار السياسي عن طريق ممثليه في البرلمان وفي مؤسسات المجتمع المدني المختلفة ثم محاسبة صناع القرار ومن الطبيعي ان يكون الاساس في الحكم الديموقراطي ان كل فرد بالغ له من الحقوق ما لأي فرد آخر من حق الاشتراك في شؤون الدولة العامة... وينبغي ان يتوفر في النظام السياسي الديموقراطي عناصر متعددة، الى جانب البرلمان أبرزها أمران هما (الأحزاب السياسية) و(الصحافة). ومما يتميز به المجتمع الديموقراطي كذلك، الى جانب الفصل بين السلطات الثلاث، التأكيد على مبدأ ان الأمة هي مصدر تلك السلطات.
وللوصول الى المجتمع الديموقراطي، لابد من ان يتوفر النظام السياسي الذي يسمح بإقامة مثل هذا النظام من خلال مجموعة كبيرة من الآليات والإجراءات،أهمها ان يكون هناك نظام تربوي متكامل يتدرب الفرد فيه منذ صغره وضمن أسرته على ان الإنسان هو الاصل، وان الحرية شيء مقدس، وحرية الإنسان تنتهي من حيث تبدأ حرية الإنسان الآخر، وان التعددية هي الأسلوب الأمثل في التعامل مع القوى والشرائح والمكونات الاجتماعية المختلفة، وان لابد من الاعتراف بالآخر وحقوقه، وان العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات هي مما ينبغي ان يناضل الانسان من اجل تحقيقه. ولتأكيد كل هذه القيم والممارسات لابد من ان تعمل الصحافة، ومنها الصحافة الالكترونية موضوع دراستنا هذه، من اجل ترسيخها وتعميقها في حياة الانسان وهذا لايكون الا من خلال تنمية الوعي، وتوسيع مدارك قرائها واحترام قناعاتهم وإعطائهم حقوقهم في امتلاك المعلومة دون فرض اية افكار او آراء مسبقة عليهم (Prejujment)، بل بالعكس وضع اكثر من رأي امامهم، وتنويع ثقافتهم، والتركيز على عنصر (الوحدة والتنوع) في النظر الى اية قيمة او مبدأ حضاري.
ولنتساءل الآن، وهل ان باستطاعتنا اليوم ان نتوسم في صحفنا الالكترونية ان تقوم بمثل هذه المهمات والاهداف السامية ؟    

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق