]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قل كلمة وابقَ

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-01-05 ، الوقت: 23:01:48
  • تقييم المقالة:

إلى الشاعر أحمد عبد الحسين.. القلم الذي لن يُثلم..

قُلْ كلمةً وابقَ 

 

محمد الحداد/العراق

لأنكَ لا تؤمنُ أبداً بالرحيل حتى لو ارتدى أقدسَ أثوابه .. لأنَّ الصمتَ في مذهبك صنوٌ للموت ..لأنَّ المَهبَّ بيتُك..والبيتَ مَهبُك ولأنكَ أنتَ ولستَ غيرك..كانَ الأتونُ قدَركَ الممكن والنعيمُ جنتكَ المستحيلة..كيفَ ولِمَ فارقتَ وفرَّقتَ بين بقاءٍ ورحيل؟كيف جعلتَ المُحالَ ممكناً حينما وسَّعتَ الأفقَ ببقاءٍ هو ألصق وأقرب لدفءِ الكلماتِ من الفمِ الذي ينثرها ليبقى؟..أنتَ فضَّلتَ بقاءً مدوياً على  مُضيٍّ مستعجلٍ ربما يفضي إلى أفقٍ يتيهُ في امتدادهِ غبار الكلمات.. ولأنكَ أنتَ أنتَ لم تكترثْ يومها أنكَ جاهرتَ بمعصية الكفرِ بنصٍّ أدونيسيٍّ صريح.. حُبُكَ الشعري الأكبر وملهمكَ المقدس.. لم تكترث أنك سجّلتَ على نفسكَ مخالفةً عكسيةً لمرورٍ موكب حروفهِ المقدسةِ عندك.. قُلْ كلمة وامضِ زِدْ سعة الأرضِ.. هكذا ببديهيتكَ الشعرية صححتَ وقلتَ: قُلْ كلمة وابقَ ووسع الأفقَ.. فاستحسنها منكَ هادي العلوي ورددها في أكثر من مناسبة..كما كتبتَ بمقالةٍ قديمة عنهُ..أتذكر؟ ذلك المتصوف النادر..سليلُ الحضارتين الذي لم يُخلقْ لزمانهِ و لا لمكانه..ذلك الباقي في رحيلهِ كما كانَ راحلاً في بقائهِ..كنتَ في ذلك مثلهُ..بل هو مثلك ..بل ..لا أدري أيكم كانَ أكثر شبَهاً بصاحبهِ ..عشقتَ البقاءَ لأنك أيقنتَ مثلما أيقنَ أنَّ فعلَ الرحيلِ يُشبهُ(ريحاً يُطلقهُ أحدهم ويختفي)أتذكرُ تلك الكلمات؟ كلاكما كان عصياً على الرحيل..ولأنك كذلك لم تخشَ شيئاً كخشيتكَ أن تأتزرَ الثقافة يوماً بوزرةٍ ضيقةٍ من حزبٍ أو عِرقٍ أو طائفةٍ فتختنق أنفاسها حدَّ الموت..كنتَ تخشى على صوتِ الثقافة من الضياعِ وسط غابةٍ بشريةٍ من زبدٍ مثرثر تصطفُ طوابيرهُ على أبواب سلاطين العصر والأوان..كنتَ تخشى عليها منهم أنْ يملئوا شوارعها مُكاءً وتصدية لدهاقنة السياسة الجُدد اللابذين في أقبيتهم النتنة ودهاليزهم العفنة, لذلك دعوتَ المثقفين مرةً إلى الإضرابِ عن الكتابة ليومٍ واحد لعلَّ ذلك يُعيدُ عالمَ السياسةِ المخبولِ إلى رشده! كم كانَ ذلكَ مُضحكاً ومبكياً في ذات الوقت أتذكر؟أيُّ يأسٍ هذا الذي دفعكَ لمحاولةٍ بائسةٍ مثل هذه؟.. العجيبُ أنكَ كنتَ مستعداً للأسوأ..قبل سنةٍ من هذا اليوم كنتَ مستعداً أنْ تدفعَ لوحدكَ ثمنَ مواقفكَ هذهِ لأنك لا تتقنُ الدبلوماسية ولا التفاوض على الحرية والكرامة..قلتَ هذا بنفسك..هكذا وبكلِّ بساطةٍ اختصرتَ الطريقَ على المتربصين بكَ ليُحرقوا ورقتكَ.. أنهيتَ اللعبة باكراً قبل أنْ تسخنَ وتصِلَ ذروة متعتها.. لوَّحتَ لهم بورقةِ اليأس من شراءكَ أو مساومتكَ.. أغلقتَ بوجوههم كلَّ الأبوابِ التي يُمكنُ أنْ يدخلوا منها إليك..لكنكَ  وهبتهم بيديكَ مفاتيح الدخول إلى مملكتكَ حتى وصلوا إلى أنفسَ ممتلكاتكَ وطعنوا بصلاحيتها..وطنيتك وشرفك وولائك ووووو.. حاربتَ بصدركَ العاري لوحدكَ دونَ تمترس..لذا توقعتَ أنْ تأتيكَ العاقبة سِراعاً بتصفيتكَ أو اعتقالكَ أو فصلكَ من عملكَ وها قد جاءك متأخراً أهون ما توقعته من تلك الشرور الثلاثة.. تأخّرَ عليكَ كثيراً ما انتظرتهُ أنتَ على عجل..لكنَّ الطامة أنَّ ذلكَ كلهُ لم يكن يُخيفك..لم يُرعبكَ اصطفاف كل تلك الجحافل أمامكَ.. كنتَ مرعوباً أكثر من فكرةِ أنَّ ما من شيءٍ يُرعبك! ووصفتَ نفسكَ يومها بالمتهور وبصفاتٍ لا يقولها عن نفسهِ إلا مَنْ تعرتْ لهُ روحهُ أمام ناظريه أو ارتداها جسداً آخرَ أنصع من الحقيقةِ بياضاً.. كانَ ينقصُكَ القليل من الخوفِ والقليل من الصبرِ والقليل من النسيان ..بضعةُ غنائم نفيسة لو تسنى لكَ امتلاكها لتحركتْ البوصلة بكَ نحو بوابة قدرٍ أخرى مغيبة قد لا يتسنى لكَ الاهتداء إليها سنين طوال بدون هذا القليل النفيس ..ما أرعبكَ أكثر من ذلكَ كله ألا يَصِلَ صوتك .. خضتَ كما أردتَ حرباً لم تكن مستعداً لها بما يكفي ليصلَ إلينا صوتكَ..فوصل.. نشهد أنهُ وصلَ فصيحاً ومدوياً..توقعتَ لنفسكَ الأسوأ.. لكنَّ الأسوأ لنا أنَنا نجونا كلنا وغرقتَ أنتَ وحدكَ في بحر السياسة الهائج..ابتلعكَ تيارهُ الجارف..وصلنا الساحلَ بسلامٍ وتركناكَ وحيداً تصارعُ حيتاناً مسعورة وفدتْ من بلدانٍ وخلجانٍ ومضايق لا تعدْ.

 صدقني ليس هذا زمنك ..ليس هذا مكانك.. ليس هذا زمن الكبار ولا مكانهم..أنتَ تقفُ في الزمنِ الخاطئ والمكانِ الخاطئ..كان يمكن لتاريخٍ آخر وجغرافيا أخرى أن يخدماكَ أكثر لو أنك بكَّرتَ قليلا أو تأخرتَ قليلاً ..هذا زمن السياسة النتن ..وهذا ما يحصل دوماً في دروبها القذرة..هي التي لوحتْ لكَ بأحابيلها منذ زمنٍ بعيد..لكنكَ كعادتكَ لم تكترث.. كنتَ تعي ذلك قبل أنْ تتركَ منفاكَ الأوربي البارد الجميل وتختار جحيمَ وطنك الممتلئ بالدماءِ والجثثِ والرصاصِ .

أحمد أيها الحبيب :نحن معك ..كلنا معك.. حتى لو اختلفنا في كلِّ شيء معكَ..فنحن معك ..لن يُثلمَ قلمكَ أبداً..لا تخف ولا تبتئس فقد وصلتنا كلمتكَ التي خِفتَ ضياعها..بثمنٍ مُكلفٍ وصلتْ ..قامرتَ بحياتكَ وبحريتكَ وبقوتِ أطفالكَ لتوصلها إلينا ..فشكراً لأنك قلتها وصمدت ..شكراً لأنكَ قلتها وبقيت..

أحمد .. قُلْ كلمة وابقَ ووسعِ الأفقَ..لأنَّ الصمت و الرحيل لا يليقانِ بأمثالكَ..

أنتَ الباقي ..وهم راحلون.. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق