]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

معاناة المهاجرين العرب خارج المنطقة العربية

بواسطة: علي بوخلخال  |  بتاريخ: 2012-01-04 ، الوقت: 20:00:55
  • تقييم المقالة:

 

أصبحت ظاهرة البطالة في أكثر الدول العربية تشكل – كما هو معروف – مشكلة اجتماعية ومعضلة تنموية ذات شأن كبير، وأصبح خلق فرص عمل جديدة يمثل احد أهم التحديات التي تواجهها الدول العربية. والبطالة هي إحدى نتائج تعثر سياسات التنمية العربية، وأصبحت بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، ما لم تعالج بشكل جذري.

والعمل يحتل موقعاً مركزياً في حياة الإنسان، فهو لا يؤمن مورد رزقه فحسب، بل يشكل أيضاً مصدر الإندماج في المجتمع، وتحقيق الغايات الذاتية. فالعمل يشكل عنصراً أساسياً في الاستقرار الاجتماعي والسياسي وبالتالي أمن النظم.

والبطالة تعاني منها كافة الدول العربية بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، وإن بدرجات متفاوتة. وقد عرفت المنطقة العربية كل أنواع الهجرة لكن أكثرها اتساعاً وتأثيراً هى الهجرة القسرية، فقد كان العراق مثلاً فى منتصف الثمانيات يستقبل مليونى وافد عربى وبعد حرب 2003 نزح قرابة اربعة ملايين عراقى. فكأن المنطقة قد شهدت في الواقع تحركات سكانية قسرية بلغ حجمها ثمانية ملايين نسمة من العراق وحده (مواطنون ووافدون). ناهيك عن نتائج الحرب على لبنان سنة 2006، واللاجئون الفلسطينيون، وأزمة دارفور، وتمزق الصومال.

وديموغرافياً هناك بصفة عامة ثلاثة أنواع من الدول، المجموعة الأولى تلهث وراء مضاعفة ثرواتها البشرية وتكافئ من يزيد منها، والمجموعة الثانية تسن القوانين الصارمة للحد من الزيادة السكانية، أما المجموعة الثالثة والأخيرة فهي التي عرفت قيمة ثروتها البشرية وعملت وتعمل على رفع مستواها وحسن استثمارها وإبقاءها في حالة تعليم وتدريب مستمرين، لتتوائم مع المتطلبات المتغيرة والمستحدثة في أسواق العمل، وهو وضع لم يتحقق بعد في مجتمعاتنا العربية.

فاللغة الديموغرافية السائدة في عالمنا العربي هي الحديث عن الثروة البشرية الفائضة ككارثة ينبغي العمل على التخلص منها، وأصبحنا نعاير شعوبنا بزيادة نسلها الذي يلتهم كل عائد التنمية ويتجاوزه، ونرصد الميزانيات للعمل على تحديد النسل، ونرفع شعارات مثل "قبل ما نجيب مولود نتأكد أن حقه علينا موجود"، "وانظر حولك وانظر خلفك"... إلى غير ذلك من شعارات.

ولكننا لم نركز على الاستفادة من الطاقات البشرية وتحويلها إلى طاقات منتجة تضيف لاقتصادنا بحسن تأهيلها، وانشغلنا، على هذا النحو، بإدارة الفقر بدلاً من التركيز على إدارة ثروتنا البشرية. فالفقر لم يعد "حالة مزمنة" ولا "قدراً" لا مرد له، إذا ما بذلنا جهدنا لتحويل الأيدي العاملة المعطلة والمستهلكة إلى أيد فاعلة ومنتجة تضيف للإنتاج والدخل القومي، عبر خطة قومية متكاملة للتنمية، تتضمن إعادة النظر في أنظمتنا التعليمية لنحصل على مخرجات أفضل. وقصص النجاح الآسيوية تؤكد إمكانية صنع مستقبل أفضل لبلادنا. ونتيجة لعدم نجاح أغلب خطط التنمية تزايد عدد الراغبين في الهجرة سواء إلى خارج المنطقة العربية أوالى داخلها.

وستتناول هذه الورقة الموضوعات التالية:-

أولاً:السياسات الأوروبية تجاه الهجرة العربية. ثانياً:الهجرة العربية إلى المنطقة العربية: آمال معقودة ومخاوف مدمرة. ثالثاً:الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على الهجرة العربية.

أولاً:السياسات الأوروبية تجاه الهجرة العربية:

يقدر عدد المهاجرين العرب في دول الاتحاد الأوروبي بنحو 6ملايين عربي، أما ذوو الأصول العربية فيتجاوز عددهم في أوروبا 15مليون عربي(1).

إن الأوروبيين يستخدمون صيغاً لطيفة عند الحديث عن العلاقة بين ضفتي البحر المتوسط كتلك التي "تؤكد الحاجة إلى إرساء مسار من التعاون بين أوروبا ودول البحر المتوسط باعتبارهما كلاً مكملاً لا يتجزأ"، أو يتحدثون عن "إقامة شراكة اقتصادية ومالية ومنطقة إزدهار مشترك"..إلخ. بيد أن هذه الصيغ المقنعة تحجب ورائها رغبة أوروبية في التعرف على سبل وضع حد لهجرة العرب لدول الاتحاد الأوروبي. وقد وضع هذا الاتحاد قيودا على الهجرة العربية حتى قبل أحداث 11سبتمبر 2001، وضاعفها بعدها، باستثناء الكفاءات العربية التي استثنت من هذه القيود.

ويلاحظ أن اتفاقيات المشاركة مع عدد من دولنا العربية والاتحاد الأوروبي تناولت بشئ من التفصيل موضوع الهجرة غير النظامية ولم توجه نفس القدر من الاهتمام لتعزيز فرص الهجرة المشروعة التي تمثل البديل للهجرة غير المشروعة. ولم يكن تنامي ظاهرة الهجرة غير المشروعة في جانب منها إلا نتاج السياسة الأوروبية الأحادية الجانب التي غلبت الأبعاد الأمنية، وقلصت الأبعاد الاجتماعية في هذه العلاقة.

فقد حدث تحول في نمط تفكير المجتمعات الأوروبية بعد أحداث 11سبتمبر، وتفجيرات مدريد ولندن، وانتفاضات الضواحي في باريس، غيرت من نظرة الأوروبيين إلى كل ما هو عربي أو مسلم، وأصبحت الدول العربية في نظر غالبية الأوروبيين متهمة بتوليد فيروس الإرهاب، وتزايد نشاط التيارات اليمينية المتطرفة المنادية بطرد المهاجرين وتحميلهم مسؤولية المآسي الاجتماعية من بطالة وانحراف وجرائم. وأصبح هناك خلط بين قضايا الإرهاب والهجرة، وبين الاعتبارات الأمنية وحقوق الإنسان، مما أدى إلى إجراء تعديلات مؤسسية وتشريعية للحد من الهجرة. وكانت الهجرة العربية والإسلامية هي المقصودة، وجرى – على هذا النحو – تسييس الهجرة، وتحولت سياسات الهجرة الأوروبية من الليبرالية إلى الانتقائية.

ولهذا جاء حصاد التعاون الأورومتوسطي هزيلاً، بعد أن سيطر هاجس الأمن على سياسات الهجرة، وتقلص بذلك سقف التعاون الاقتصادي الذي كانت تلح عليه عملية برشلونة، إلى سقف التعاون الأمني. مما يستوجب مستقبلاً العمل على إدماج الهجرة العربية في سلة المصالح المتبادلة مع الاتحاد الأوروبي، وحماية المهاجرين وحقوقهم طبقاً للقوانين الأوروبية.

وقد استغل الجانب الأوروبي المفاوضات الثنائية مع الدول العربية فرادى في فرض ورقة "إعادة التوطين" للمهاجرين غير النظاميين (Readmission)، واستخدامها كورقة ضغط لكسب بعض الامتيازات الاقتصادية.

ولا نعتقد أن الاتحاد من أجل المتوسط سيكون أفضل مما سبقه من مراحل، فالأرجح أنه سيركز من جديد على موضوع الهجرة غير القانونية. ولعل أولى مؤشرات ذلك أن الرئيس الفرنسي "نيقولا ساركوزي"، الذي كان يشغل من قبل منصب وزير الداخلية، تبنى خطاً متشدداً تجاه الهجرة، الأمر الذي أكسبه أصوات الأجنحة اليمينية في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2007، ولهذا جعل خلال رئاسته الدورية للاتحاد الأوروبي، موضوع الهجرة في بؤرة الاهتمام الأساسية (Centrepiece)، وكانت اتفاقية الهجرة الأوروبية الجديدة التي تبنتها القمة الأوروبية  في (16/10/2008) ببروكسل، فكرة الرئيس الفرنسي. وهذه الاتفاقية تمثل مزيداً من التشدد في سياسات القارة الأوروبية تجاه الهجرة، وتعهد القادة الأوروبيون بطرد المهاجرين غير الشرعيين وتعزيز إجراءات السيطرة على الحدود، مع الاتجاه للعمل على جذب مزيد من المهاجرين من العمالة الماهرة. وقد علقت "إليزابيث كوليت" من مركز أبحاث السياسة الأوروبية ببروكسل، على هذه المعادلة بقولها: «أنها تمثل سياسة أشد محافظة تجاه الهجرة. تنظر إلى سياسة الهجرة من منظور التحكم أولاً، وتجعل ذلك أكثر صراحة مما كان في الماضي»(2).

والهدف الرئيسي منها أن تكون الهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي انتقائية، تركز على العمالة عالية المهارة. مع فرض قيود أكثر تشدداًَ لمواجهة الهجرة غير الشرعية، والتوسع في إعادتهم إلى بلدانهم، وعدم تقنين أوضاعهم، على نحو ما حدث في أسبانيا عام 2005، على أساس أن هذه السياسة تشجع على جذب المزيد من المهاجرين غير القانونيين، وأصبح الشعار السائد في الاتحاد الأوروبي هو "إقامة الأسوار بين الجيران، يجعل منهم جيراناً طيبين" (Good neighbours make fences)،على نسق ما قامت به الولايات المتحدة من تشيد لجدار مانع للهجرة بينها وبين المكسيك.

وترجع ظاهرة الهجرة غير القانونية إلى الاتحاد الأوروبي وغيرها في جانب كبير منها إلى تزايد الفقر ومحدودية فرص العمل، وضعف الاستثمار المنتج، وتراجع إمكانيات الدول في توفير التكامل الاجتماعي والاقتصادي، لاسيما لشرائح الشباب المتخرج من الجامعات ومعاهد التدريب، مما يدفع بهؤلاء الشباب إلى الشعور بالتهميش والإقصاء واليأس في بلدانهم، الامرالذى يضطرهم للبحث عن فرص عمل في البلدان الأوروبية، ولو كلفهم ذلك حياتهم.

ويلاحظ تزايد هجرة الكفاءات العربية إلى الدول المتطورة، لاسيما دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة إتباع هذه الدول السياسة الانتقائية للهجرة، وبحث هذه الكفاءات عن مناخ يعترف بها ويقدرها مادياً ومعنوياً. وهذه الظاهرة تمثل نزيفاً للعقول العربية.

وتشير إحصائيات صادرة عن كل من الجامعة العربية، ومنظمة العمل العربية، ومنظمة اليونسكو، وعدد من المنظمات الدولية المهتمة بظاهرة هجرة العقول العربية، أن ثلث عدد الكفاءات المهاجرة من الدول النامية ينتمون إلى العالم العربي، كما أن 50% من الأطباء، و23% من المهندسين، و15% من العلماء العرب يهاجرون إلى أمريكا وكندا، وأن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى أوطانهم الأصلية، وأن 34% من مجموع الأطباء العاملين في بريطانيا مثلاً هم أطباء عرب، وأن 75% من المهاجرين العرب من ذوي الشهادات العليا يستقرون في ثلاثة بلدان غنية هي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. وقد قامت هذه الدول بتطويع قوانين الهجرة لجذب أعداد كبيرة من المهاجرين المتخصصين والمتميزين في العلوم والتكنولوجيا.

وتعتبر هجرة الكفاءات العربية – على هذا النحو – أحد أهم التحديات المرتبطة بالهجرة في زمن العولمة. وفي الوقت الذي يتزايد فيه الطلب عليها خارج المنطقة العربية، حيث وصل عددها في أقل التقديرات إلى مئات الآلاف من الكفاءات عربية، تتزايد عراقيل توظيفها في التنمية الوطنية والإقليمية فى الدول العربية، ويتزايد فرض القيود على ممارسة البحث العلمي والفكري الحر في أغلب الدول العربية، الأمر الذي يترتب عليه شعور متزايد بالاغتراب للكفاءات العلمية والفكرية العربية داخل أوطانها، وترقبها فرص الهجرة إلى الخارج. ويلاحظ أيضاً أن أغلب الدول العربية لم تتمكن من تعظيم الاستفادة من الخبرات العربية المهاجرة، في نقلها معرفتها إلى الأوطان الأم، بالقدر المأمول فيه. ومن هنا سيظل التعامل مع هذه القضية الهامة يدور في حلقة مفرغة ما لم يتم إصلاح البيئة الوطنية الداخلية الحالية والطاردة للكفاءات والعقول. فالأمر أصبح يتطلب وضع استراتيجية عربية فعالة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة أو على الأقل التقليل منها.

ثانياً:الهجرة العربية إلى المنطقة العربية: آمال معقودة ومخاوف مبررة:

تتسم دول مجلس التعاون الخليجي بمحدودية مواردها البشرية الذاتية مقارنة بحجم مواردها المتاحة وطاقاتها الاستثمارية. وهي دول تجمع بين ظاهرتي قوة الندرة وضعف القلة في آن واحد. فهي بما تملكه من إمكانات للاستثمار تتطلب توافر قوى عاملة بقدر معين، وأدى ذلك إلى قيامها بجلب قوى عاملة من كافة أنحاء العالم، وبصفة خاصة من المنطقة الآسيوية، التي أصبحت تشكل حالياً قرابة 70% من العمالة الوافدة، والعمالة العربية 28% بعد أن كانت في السبعينيات تشكل 75% من إجمالي العمالة الوافدة. ويقدر حالياً عدد العمالة الآسيوية بقرابة 12مليون عامل في دول مجلس التعاون الخليجي، في وقت تعاني منه الدول العربية من حالة البطالة التي يقدر عددها بما يزيد عن 17 مليون متعطل عن العمل.

وفي الواقع لم تغلق دول مجلس التعاون الخليجي أو تحدد العمالة القادمة إليها من الدول العربية إلا أنها فتحت باب المنافسة على جميع المستويات، وجعلت سوق العمل بها يخضع لآلية السوق (العرض والطلب). وقد تأثر جلب القوى العاملة الوافدة في مرحلة تالية بسياسات التشغيل وعمليات الإنماء الاقتصادي الذي أسند للقطاع الخاص دور هام فيها، الأمر الذي شجع رجال الأعمال ومكاتب الاستقدام على استقدام العمالة، وبالذات الرخيصة منها، التي شكلت العمالة الآسيوية نصيب الأسد فيها. فالقطاع الخاص يرجح عامل الربحية على ما عداها. وأصبح هناك نوع من الإدمان على استخدام العمالة الأجنبية والآسيوية منها بصفة خاصة، لأسباب واعتبارات ومصالح معروفة.

وكان من الطبيعي أن يثير تزايد حجم العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الكثير من التساؤلات والقلق المبرر، فقد بلغت مساهمة العمل الوافد بالنسبة الى الإجمالي العام للسكان بالنسبة للسعودية 31.1%، والبحرين 40,7%، والإمارات 74,3%، وقطر 79,4%، وعمان 31,3

والكويت 58,5%، تحولت معها شعوب بعض دول مجلس التعاون إلى أقليات داخل أوطانها في ثلاث دول خليجية هي: الإمارات وقطر والكويت. كما أن العمالة الوافدة تمسك بأوصال القطاع الخاص إذ تمثل 95% من قوة العمل فيه، وقد تقل بعض الشيء في حالة البحرين (أكثر من 60%).

واستمرار إتساع نطاق الخلل في التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون على هذا النحو أثار مخاوف الكثيرين ومن بينهم الفريق "ضاحي خلفان" قائد شرطة دبي، ,ورغم ان تحذيرات بعض المسئولين والمتخصصين من هذا الخلل قد سبقته، إلا أن "خلفان" استخدم فى تصريحاته عبارات لاذعة ومثيرة كقوله: «أخشى أننا نبني عمارات ونفقد إمارات.. وأن ما تشهده البلاد هو هجرة العواصف..». وربما أراد قائل هذه العبارات – وهو الذي يعايش مشاكل العمالة الوافدة يومياً – دق ناقوس الخطر، ودفع المجتمع الإماراتي لإدراك حجم المخاطر القادمة. ولا شك أن دور الإدراك في تحديد المشكلات الاجتماعية والوعي بوجودها يعد شرطاً ضرورياً لاعتبار وضع اجتماعي ما وضعاً إشكالياً وخطراً. وقد يرى البعض أن مثل هذه التصريحات مبالغ فيها. وما بين التهويل والتهوين أين تقع الحقيقة؟ يوجد رأيان أساسيان حول طبيعة مشكلة العمالة الوافدة سنعرضهما بإيجاز:

الرأي الأول:يرى أصحاب هذا الرأي أن تدفق العمالة الوافدة أدى إلى تدهور المركز النسبي للمواطنين في الهرم السكاني، وإلى تدهور أخلاقيات العمل والتحيز ضد العمل اليدوي والمنتج، وخلق تلوناً شديداً في التركيبة السكانية، ممايعرض هوية المنطقة إلى الخطر ويجعلها عرضة لتغيرات سكانية جذرية، ويهدد لغتها وقيمها العربية والطابع الثقافي المميز لمجتمعاتنا، ويصل أصحاب هذا الرأي إلى حد القول أن «الاعتماد الشديد على العمالة الوافدة والآسيوية منها بصفة خاصة يخلق خطراً حقيقياً يهدد أمن ووجود حكام وشعوب وأقطار المنطقة». ويعززون وجهة نظرهم بضرب أمثلة لما حدث في سنغافورة وماليزيا.

الرأي الثاني المقابل: يرى أصحاب هذا الرأي أنه لا يمكن تصور وضع راهن لمستقبل دول مجلس التعاون من دون العمالة الوافدة؛ فإليها يعود الدور الأكبر في تحقيق معدلات النمو الراهن فيها، وفي إنجاز مرافق البنية الأساسية. وأن وجود هذا العدد الكبير من العمالة الأجنبية ظاهرة إيجابية بل وضرورية، لأسباب عدة، في مقدمتها أن العمالة الوافدة تشكل قوة عمل رخيصة لأداء أعمال يرفض المواطنون القيام بها (نسبة كبيرة منها تعمل في المنازل)، كما أنها مكنت دول الخليج العربية في مرحلة الانتقال الصعبة من الحصول على خبرات خارجية متراكمة وجاهزة للاستخدام، وأسهمت بدور حيوي في تغيير وجه الحياة في مجتمعات كانت من أقل أجزاء الوطن العربي "تطوراً" قبل استغلال النفط على نطاق واسع. وموضحين أن ذلك لا يمنع من حسن انتقاء الأيدي العاملة المطلوبة لمواجهة احتياجات فعلية والحيلولة دون تسرب ايدي عاملة أجنبية هامشية تشكل عبئاً ماليا وأمنياً على المنطقة، ووضع خطط تدريجية للتوطين.

ويخلص أصحاب هذا الاتجاه المحبذ لدور العمالة الوافدة، إلى القول أن الدراسات التي تركز على سلبيات العمالة الوافدة وحدها إنما تغازل السياق السياسي والثقافي الإعلامي بشكل سافر في الكثير من الاحيان، وبشكل ضمني أحياناً أخرى، وتكون النتيجة عدم القدرة على الإلمام بجوهر المشكلة الحقيقي بشكل متكامل وواقعي وإهمال جوانب إيجابية هامة في مشكلة هذه العمالة.

في الواقع أن تزايد القلق من التوسع في استخدام العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة الراهنة لا يعود فقط لجوانبها السلبية، التي عرضنا بعضها، ولكن أيضاً لاتجاه المجتمع الدولي لتوسيع نطاق اهتماماته بقضايا العمال الوافدين، الذي ترجم في اتفاقيات دولية كتلك التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991، وهي الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم (لم تنضم إليها دول مجلس التعاون) أو مجموعة الاتفاقيات الصادرة في إطار منظمة العمل الدولية، والتي أصبحت جزءاً من العرف والقانون الدولي. والالتزام بمثل هذه الاتفاقيات، لاسيما تلك التي لم يتم الانضمام إليها، وإن كان يعتبر أمراً طوعياً متروكاً لكل دولة، إلا أن المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية المعنية بحقوق العمال المهاجرين وحقوق الإنسان بصفة عامة كـ"هيومان رايتس واتش" بدأت توجه انتقادتها في تقاريرها الدورية السنوية لبعض دول مجلس التعاون الخليجي في هذا الشأن، فضلاً عن تدخلات وضغوط الدول المصدرة للعمالة.

وفي محاولات لإصلاح الخلل في التركيبة السكانية، لجأت دول مجلس التعاون إلى عدة إجراءات في مقدمتها توطين بعض المهن بقصرها على مواطنيها، ورفع تكلفة استخدام العمالة الوافدة، وفرض نسب مئوية للعمالة الوطنية في منشأت القطاع الخاص.. وغير ذلك من نظم وقواعد بدأت تعطي بعض النتائج، وإن كانت محدودة.

إن خطورة خلل التركيبة السكانية وتحدياته، يتطلب فيما يتطلبه حلولاً واستجابات على مستوى هذا الخلل ووضع استراتيجيات قصيرة المدى وأخرى طويلة، تأخذ في تقديرها عدد من الاعتبارات من بينها:

-1 أن من حق أي دولة، إنطلاقاً من ممارسة صلاحياتها السيادية تحديد قواعد الدخول والإقامة على أراضيها بالنسبة للأجانب المقيمين عليها وتجنيسهم. فالدول الأوروبية حرصاً منها على المحافظة على تركيبتها، رغم أن الخلل فيها لا يقارن بأي حال بدول مجلس التعاون، بدأت بفرض قيود على الهجرة إليها، وأصبحت الهجرة مقتصرة على ما يُعرف بـ"الهجرة المنتقاة" كالاتحاد الأوروبي. -2 أن الغالبية العظمى من العمال الوافدين لدول مجلس التعاون قدموا إليها في إطار هجرة مؤقتة، فمن المفروض أن يعودوا مرة آخرى إلى أوطانهم الأصلية، بعد انتهاء مدة عملهم.

-3  ومن هنا فإن الدعوة لزيادة المكون العربي في التركيبة السكانية الخليجية تجد مبرراتها، ولكن لا ينبغي المبالغة فيها، بل أن يتم ذلك في حدود وبشكل متدرج. فإصلاح خلل التركيبة السكانية هدفه إبقاء نسبة أقلية من الوافدين، هناك من يتمنى أن يكون أكثرهم عرباً، ولكن أهل البلاد يريدون أن يصبحوا في نهاية المطاف أكثرية في بلادهم، وهذا حقهم. كما أن القوى العاملة العربية تحتاج لجهود جادة ومكثفة لإعادة تأهيلها لترتقي إلى مستوى العمالة المنافسة.

-4 لعلنا نتذكر أنه عندما كانت الغلبة للعمالة العربية لم تظهر النتائج الخطيرة التي تعاني منها المجتمعات الخليجية حالياً، فلم تكن التركيبة السكانية قد أخذت أبعادها الراهنة، وساعد على تحجيم خطورتها أن خلل التوازن السكاني بين المواطن والوافد (العربي) كان خللاً جزئياً نتيجة الاختلاف في الجنسية فقط.

-5  وبعيداً عن الشعارات القومية والطائفية فإن إفساح المجال أمام العمالة العربية في دول مجلس التعاون الخليجي أو استرداد مكانتها الأولى لن يتم إلا بتوافر عاملين وهما أن يصبح مستوى أداء العاملة العربية على مستوى العمالة الآسيوية، التي تشكل قاعدة الهرم العمالى، وأن تكون لديها قابلية العمل في وظائفها (أعمال النظافة – الخدمة – الأعمال الشاقة... إلخ).

-6 أن مشكلة الخلل في التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون لم تعد مشكلة حكوماتها فحسب، بل هي أيضاً مسئولية المجتمعات الخليجية بكل شرائحها. 

وإذا كان من المفترض نظرياً أن يتم تكامل بين الأيدي العاملة على مستوى الوطن العربي، وإذا كان التكامل ضرورة، إلا أن الخبرة في هذا المجال تقول، بانه ليس من الضروري أن تتم الاستجابة بالدرجة المأمول فيها، فليست كل المقدمات تقود للنتائح المنطقية. وفي الواقع أن حالنا في مجال القوى العاملة في منطقتنا العربية تذكرنا بقول "برنارد شو" عندما قارن بين صلعته وكثافة لحيته بأنها "غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع".

ولا يسعني إلا التنويه هنا بالتوصية الثالثة التي تضمنتها نتائج وتوصيات دور القطاع الخاص الجديد في التنمية والتشغيل التي عقدت بالرباط (21- 22/10/2008)، وتضمنت ما يلي:

«العمل على تدعيم التعاون لتوفير المزيد من فرص العمل وإتخاذ الإجراءات المناسبة لتسهيل التنقل المنظم للعمالة العربية وتغليب الجوانب والاعتبارات ذات العلاقة بالهوية والثقافة العربية، مما يجنب المنطقة أية نتائج سلبية قد تحدث نتيجة التوسع في استخدام العمالة الأجنبية».

ثالثاً: الأزمة المالية وتداعياتها على الهجرة العربية:

اقترح "ساركوزي" يوم 21/10/2008، أمام البرلمان الأوروبي إنشاء صناديق أوروبية تمنع سيطرة غير الأوروبيين على شركاتهم ومؤسساتهم بأسعار زهيدة، حتى لا يستيقظ المواطن الأوروبي ليجد شركاته خاضعة لسيطرة عواصم غير أوروبية (المقصود هنا العواصم العربية)، كما عبر "بيرلسكوني" رئيس وزراء بريطانيا عن رأي مماثل.

وهو ما دفع الأمير "تركي الفيصل" إلى انتقاد هذه الآراء أمام المنتدى الخليجي الأوروبي، الذي عقد في فينسيا خلال شهر اكتوبر 2008، مشيراً إلى استغلال السياسيين الأوروبيين للأزمة المالية، لتخويف الشارع الأوروبي من أن العرب قادمون للاستيلاء على شركاتهم واللعب على عامل الخوف الكاذب كوسيلة رديئة لكسب الشعبية، رغم أن العرب هم في ‏مقدمة ضحايا الأزمة المالية العالمية(3).

وتجدر الإشارة إلى أن خطط الإنقاذ الأمريكية ركزت على تأمين وحماية المواطنين الأمريكيين بالدرجة الأولى، وتغاضت بصورة شبه كاملة عن تأمين حقوق الأجانب، ونصت صراحة على عدم ضمان أموال الدول الآخرى، سواء كانت أموالاً تخص السيادية العربية المملوكة للحكومات أواذا كانت لغيرها.

وعلى أية حال اتجهت الصناديق السيادية العربية إلى الاستثمار في الداخل بدلاً من الخارج في تحول مفاجئ للغربيين، الذين كانوا يعولون على هذه المؤسسات الاستثمارية الخليجية في عمليات إنقاذ مؤسساتهم المتضررة من الأزمة المالية(4). وكانت الصناديق السيادسة العربية قد ضخت 40 بليون دولار في وول ستريت منذ سنة، واتهمت يومها بأنها أداة لتحقيق مآرب سياسية. هذه الأموال أخرت بروز الأزمة الحالية. وقد عقدت لجنة من الكونجرس الأمريكي اجتماعا للاستماع إلى ممثلين من وزارة الخزانة ومجلس الاحتياط، اجمعوا على أن هذه الاستثمارات ساعدت على استقرار أسواق المال(5).

وخلال العقدين الأخيرين – على وجه الخصوص – تشوهت بنية الاقتصاد العربي وحدثت بها تحولات عميقة غير مواتية، حيث زادت فيها القوى الريعية والخدمية على حساب تراجع القوى الإنتاجية، وزادت درجة إنكشاف الاقتصاد العربي على العالم الخارجي. وجاءت زيادة إندماج الاقتصاد العربي مع الاقتصاد العالمي، في وقت تتفاقم فيه أزمات هذا الاقتصاد إلى أن وصل إلى حالة الأزمة المالية الراهنة، "ورب ضارة نافعة"، "وما لا يقتلني يقويني". فعسى أن تكون هذه الأزمة مدعاة لنا للتفكير الجاد في إعادة النظر في سياساتنا الاستثمارية، بإعادة زرع المزيد من عائدات النفط في المنطقة العربية، بدلاً من الاستثمار في الدول الغربية بعد التجربة المريرة وحجم الخسائر التي منيت بها الاستثمارات، ولزيادة قدرات الاقتصادات العربية أمام هذا الإعصار المالي، وفتح المجال لمزيد من فرص العمل للعاطلين العرب. ومن المتوقع أن تتأثر المنطقة العربية بالتداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية، فجانب كبير من الاقتصادات العربية مشتبك في علاقات شتى بالاقتصاد الأمريكي والأوروبي، ولهذا ستعاني أغلب الدول العربية من انخفاض متوقع في صادراتها السلعية نتيجة حالة الكساد، فضلاً عن تراجع حركة السياحة الدولية، وانخفاض قيمة تحويلات المهاجرين والمغتربين، وما يترتب على ذلك من فقدان بعض الوظائف، واحتمال تجميد الهجرة، بل والاستغناء عن جانب من المهاجرين العرب... إلخ.  

ومهما كانت معوقات الاستثمار في المنطقة العربية، فإنها لا تقارن بأي حال بالمخاطر الواسعة والخسائر التي تعرضت لها رؤوس الأموال الغربية التي أصبحت أسيرة لتداعيات الأزمة المالية الحالية.

علينا الاستفادة من دروس الماضي. فقد كان الميل نحو استثمار مواردنا في/ مع طرف أجنبي يفوق ما عداه، سواء كان بإرادة الأطراف العربية نفسها، أم بفعل إرادات أجنبية أخرى، والوجه الآخر لهذه الظاهرة هو أن الثقة بين العرب ضعيفة، وصار العنصر الخارجي ذا تأثير قوي في صياغة علاقات البيت العربي مع الخارج وفي الداخل أيضاً(6).

يبدو أن اقتصادنا ومواردنا المحلية العربية كانت أساساً في خدمة التنمية في الدول الصناعية، فقد ذهبت إليها الموارد الطبيعية وفوائض عائدات النفط، وحتى العلماء هاجروا مع هذه الموارد. وآن الآوان لأن يتوقف هذا الاستنزاف.

الختام

 

يبدو أن العرب أصبحوا عقلانيين جداً وذوي رؤيا كونية. فهم ما عادوا يؤمنون بالحدود. فقد فتحوا حدود بلادهم أمام العمالة الوافدة غير العربية بدرجة جعلت هذه العمالة الآسيوية تتجاوز بمسافة كبيرة أعداد العمالة العربية.

وأجدني مع الرأي القائل بأن أهم صادراتنا إلى الخارج هي البشر، ويا نعم التصدير. فإذا كانت الأمم تتفاخر بما تمتلكه من الثروات، وبأهمية ما تصدره، فليس لأمة في التاريخ أن تعلو على أمة العرب فخراً، لأننا نصدر للعالم أهم شرايين الحياة: الكفاءات البشرية والنفط(7). في الوقت الذي يعاني فيه المهاجرون العرب بشكل متزايد في الاتحاد الأوروبي من التمييز العنصري وإهدار حقوقهم، فضلاً عن أن جانباً منهم معرض للترحيل، وبدأ الاتحاد الأوروبي يغلق أبوابه أمام الهجرة العربية، كما أن الهجرة العربية إلى منطقة الخليج ما زالت تطرح تساؤلات عدة، مما يجعل الهجرة العربية أمام مأزق مزدوج، وهو ما يدعونا لإعادة التفكير في سياسات الهجرة الحالية وجدواها.

وآن الآوان لكي يدرك البعض أن حالة التفكك الاقتصادي العربي الراهنة ستؤدي إلى زيادة الأعباء الاجتماعية العامة وتهدد السلم الاجتماعي، فوجود قوى عاملة عربية عاطلة متزايدة هنا ونقص في القوى العاملة هناك، وتشغيل بعض المصانع بطاقات متدنية لتفضيل الطلب على المنتجات الأجنبية، ووجود فائض في إنتاج بعض الدول العربية واستيراد البعض الآخر لما يماثله من خارج الوطن العربي، كلها أمور في غير صالح الدول العربية. لقد أصبح التنسيق بين الأسواق العربية المستوردة للعمالة وتلك المصدرة لها أمراً ضرورياً، وستكون نتائج هذا التنسيق ذات عائد إيجابي لجميع الأطراف، إذا تعزز التنسيق بتخطيط وتدريب وتأهيل ودعم مشترك للقوى العاملة.

المصادر

 

([1]) تقرير المدير العام لمنظمة العمل العربية المعنون "التشغيل والبطالة في الدول العربية ..التحدى والمواجهة"، قدم في مؤتمر العمل العربي، بدورته الخامسة والثلاثين، بشرم الشيخ، جمهورية مصر العربية، 23/2 – 1/3/2008، ص 84.

(2) صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 17/10/2008، ص 7.

(3) انظر نص خطاب الأمير تركي الفيصل في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 19/10/2008، ص 18.

(4) صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 14/10/2008.

(5) صحيفة الحياة بتاريخ 17/10/2008.

(6) د. خضر عباس عطوان، "العرب والتوازنات الدولية: نحو نظام عربي فاعل"، شئون عربية، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، العدد 120، شتاء 2004، ص 111 – 112. (7) عزت السيد أحمد، "الكفاءات العربية المهاجرة: نزيف واستنزاف يفرضهما الواقع"، شئون عربية، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، العدد 116، شتاء 2003، ص 116.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق