]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تاشيرات

بواسطة: nawel  |  بتاريخ: 2016-11-30 ، الوقت: 18:49:13
  • تقييم المقالة:

لم يعد الانتقال من مكان إلى أخر وتكبد عناء السفر وتكاليفه الباهظة هو السبيل الوحيد للتعرف عن تلك الأوطان وما تحمله من أسرار وجمال فالآن أصبح بمقدورنا زيارة ذلك الوطن الذي تنتمي إليه أيها الصديق آو أنت أيها الضيف أو ذاك العابر للسبيل أو أنت الذي جئت تبحث عن نجاحك في بلد ما , فكل منكم يحمل وطنه في داخله يحفظ تقاسيمه كما يحفظ تقاسيم وجه أمه.  أصبحت الآن أكثر إيمانا بمقولة مفادها أن " الناس سفراء " لطالما ترددت على مسامعي في العديد من المحافل لكنني تبينت صدقها حقيقة من خلال تجربة مررت بها مؤخرا سمحت لي بالتواجد مع أشخاص من بيئات مختلفة جمعتنا الصدفة في نفس المكان فللوهلة الأولى بدا الاختلاف جليا بيننا كقولنا : "نحن لا نتشابه في طريقة الحديث" ....و"عذرا لا افهم ماذا تقول" .....و"انظر إلى لباسه يبدوا غريبا."....... ,إلا أنه مع مرور الوقت تمكنا من توطيد علاقتنا ببعضنا شيئا فشيئا فماكان يفرقنا بالأمس أصبح هو الشيء ذاته الذي يجمعنا فنضحك لنطقنا لمسميات الأشياء بلهجات مختلفة ونحاول شرح معناها لمن يجهل ذلك وتجدنا نقهقه ونحن نفعل ذاك بحضور أهل تلك المنطقة وبعضها لا نجيد تسميته مهما حاولنا فنقف عاجزين أمام ثراء اللهجات وعمقها من جهة وأصالتها وتميزها من جهة أخرى فيزيدنا ذلك إصرارا على المحاولة تلو الأخرى وان باءت كلها بالفشل.  وتمر هاته الأيام بسرعة البرق وتاخد معها ما كنا نراه يميزنا ويفرق بيننا فتصبح أنفسنا مشدودة لبعضها البعض بعد ان تمكنت من إذابة ذاك الجليد فيتولى كل واحد منا منصب "السفير" فيعرف عن نفسه ويبرز شخصيته و ميولا ته ثم يسافر بك متجها نحو مسقط رأسه معتزا بتاريخ بلده فيأخذك إلى تلك الأحياء القديمة التي مازالت تحمل بين أزقتها لذة انتصارها على العدو فهي معرفة باسم شهدائها وأنت تقرا اسم الشهيد يقشعر بدنك لهيبته فتشعر وكأنهم حراس على قلاعهم يترصدون لعدوهم فستذكر قوله تعالى " تحسبهم أموات وهم عند ربهم يرزقون " ثم يمر بك بين سهولها الخصبة وما تحمله من خضرة فتعشق سحر المكان وتلهمك غاباته الشاسعة ذات الأشجار المتعانقة فتجد نفسك تطعم تلك الطيور التي اتخذت من تلك البحيرات مسكنا لها . وعن البحر يتكلم فتراه عاشقا يتخير أعذب المعاني والكلمات ليعبر عن مدى حبه لمن أسرت قلبه , فحبه لوطنه جعل زرقة بحره ورماله الذهبية تبدوا شيئا مخالفا وان كانت في الأصل واحد , ثم تسافر معه من الساحل إلى شبه الصحراء أو بوابتها كما يسميها البعض فتشتم أصالة المكان من خلال تغنيه ببئته فكلما تكلم أغمضت عيني لأتحسس معه جمال بنيانه وقصرها فهي تتلاءم مع طبيعة المكان ورماله العاصفة فهم يعتبرونها ضيفا كثير المرور وهو يتجول بك هنا وهناك يريك أجود الطعام لديهم ويقدم لك أشهى الأكلات التي تشتهر بتحضيرها حرائر منطقتهم فتتسارع في بلع الريق وكأنك تقضم اللقمة وتبتلعها على عجالة من أمرك . ثم يأتي من يغير وجهتك ليصعد بك نحو تلك الجبال التي أرقت المستعمر فترتفع نبرة صوته متأثرا بأمجاد أسلافه فتراها شامخة معتزة بتاريخها المجيد ويقلب لسانه ليتحدث بلغة أجداده فتعجز عن فهمه آو النطق بها من ورائه فيغوص بك أكثر فأكثر ليريك عراقة عاداتهم وتقاليدهم ولباسهم ولغتهم وكيف أن كل ذلك بني شخصيتهم وأضفى عليهم تميزا لم ينسيهم انتمائهم الذي يروي قصة امة عشقت وطنا فأمنت بدين -الإسلام- وحد لسانها العربي دون أن يمح عمق أصالتها فتمسكت بالاثنين ومزجت بينهما وأمام هذا التزاوج التاريخي لا يسعك إلا تنحني إعجابا لا تكبرا, وهو يرتفع بك صعودا إلى قمة الجبل يمررك بين تلك القرى التي تشابه في بنائها حكايات القصص و الروايات أما عن بساطة الأكل فانك تشتم رائحة زيت الزيتون تفوح من كل بيت من كثرة غرس أشجاره و عن طعم التين فتكاد تلعق أصابعك من كثرة كلامه عن طيبه وحلاوة مذاقه . وأخيرا نضع الرحال بعد سفر مضني دام ساعات طويلة شهدنا فيها بزوغ الفجر وهو يشق ثوب الليل ليعلن عن بداية يوم جديد يحمل معه مغامرات ومفاجئات تختبئ بين كثبان تلك الصحراء الساحرة التي رغم بساطتها وقلة ازدحامها إلا انك لا ستطيع التنقل فيها أو التجوال بين أرجائها إلا وبيدك دليل من أبنائها يأخذ بيدك ليعرفك عن شساعتها وكيف أن جمالها يكمن داخل أهلها الذين يمتلكون الطيبة والجود فان تقربت منهم وعاشرتهم لمست نقاء قلوبهم الذي لم تدنسه تلك الشوائب فمعدنهم فاق بكثير ما يحتويه باطن تلك الصحراء من ثروات وهو يتكلم تلمس عبق المكان الذي يضرب في عمق التاريخ ينتقل بك من واحة إلى واحة ومن أجود التمور يطعمك وأنت معه مستحيل أن لا ترى إبريق الشاي موضوع فوق النار الهادئة ينتظر قدوم الضيف وإكرامه وان ليلهم لا يكمل دونه . ها أنا انتقل من مكان إلى أخر وأتعرف على تلك الأوطان دون أن اقطع تذكرة قطارا أو أن اختم جواز سفري حتى ,فكل هؤولاء الذين مروا علي كانوا هم تأشيرتي للدخول إلى عالمهم لذلك تعتبر الصورة التي تقدمونها انتم عن أوطانكم بمثابة ختم تأشيرة تخول لنا الدخول إلى بيئتكم والغوص في أعماقها وحتى الغرف من خصوصية عاداتكم وتقاليدكم , معرفتكم سمحت لي باكتشاف جمال تلك العادات وثراء لهجاتكم التي تختلف من منطقة إلى أخرى كل ذلك يحملك رسالة فاجعل نفسك أيها الصديق أو أنت أيها الضيف خير سفير لموطنك الذي جئت منه وكن أمين على الأمانة التي تحملها بداخلك فانك تختم جواز سفر وتعطي تأشيرة دون أن تعلم


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق