]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

لا تلمس الجدار..الدِهانُ لا يزالُ رطباً !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-11-29 ، الوقت: 07:43:20
  • تقييم المقالة:

لا تلمس الجدار..الدِهانُ لا يزالُ رطباً !

 

محمد الحداد/العراق

إذا وجدَ الناسُ تحذيراً قربَ جدارٍ ما بعدمِ لمسهِ فسيلمسونهُ !..عبارةٌ طريفة لا أدري إن كانت شائعة أم لا لكن يروقُ لي أن أرددها كلما دَعت الحاجة لذلك..وبرغم غرابة تلك العبارة إلا أنها لا تخلو من المنطق أيضاً..

ثمة فضولٌ سايكولوجي غريب إزاء كل ممنوع مُسوّرٍ بأشواكِ الخوف.. هذا الفضول يظل نائماً حتى تنكزهُ سبابة صارمة تُحذرُ من خطرِ الاقتراب فيستيقظ الفضولُ من نومهِ فوراً ويقترب!

ويبدو أن الأميركيين الذين كانوا دائماً قريبين جداً من هذا المنطق أصبحوا مع تصاعدِ حُمى الانتخابات الرئاسية الأخيرة أكثر فضولاً وقرباً أيضاً من ذلك الجدار المَطلي بدهانٍ جديدٍ وغريبٍ في آن..لم يكن ذلك الدِهان غير "ترامب" نفسه الذي اقتربَ الأميركيون منهُ كثيراً ليكتشفوهُ ثم لمسوه!

لفتني بهذا الخصوص أن "هيلاري" كررتْ بالفعل وبشكلٍ مبالغٍ فيهِ تحذيراتها للأميركيين من انتخابِ "المدفع الفالِت" الذي لا يمكن التكهن بأفعالهِ وقد عَنت بذلك "ترامب" أيضاً..كما أنها كررتْ على أسماعهم تحذيراتٍ أخرى على شاكلة" لا تنتخبوا مُتحرشاً بالنساء..لا تنتخبوا المُحرضَ الخطير."

لكن لنبتعدَ قليلاً عما حصل قبل الانتخابات ونقفز لما بعدها..فبالرغم من كل ما يحيط بشخصية "ترامب" المثير للجدلِ من تناقضاتٍ وغرائب وشذوذ لكنهُ تمكن من الفوز أخيراً بمنصبِ رئاسة أكبر دولة في العالم ليبقى السؤال الأكثر تكراراً وإلحاحاً هو: كيف فازَ "ترامب" حقاً؟ رغم أن السؤال الأكثر أهمية برأيي هو: كيف خسرت "هيلاري" ولماذا؟

بالمجمل بوسعنا اختصار الجواب بكلماتٍ قليلة نكررها أحياناً حينما يخسرُ فريقٌ كبير مباراةً سهلة أمام فريقٍ أضعف منهُ بكثير..إذ نقول حينها :لم يخسر الفريق الكبير لأن خصمهُ الضعيف لعبَ أفضل منهُ بل لأن الفريقَ الكبير ذاتهُ لم يلعب بشكلٍ جيد..ربما يُلخصُ ذلك حقيقة ما حصل من غير أن نعني هنا بالضرورة أن "هيلاري" نفسها لم تلعب بشكلٍ جيد إنما كامل تشكيلة فريقها الديمقراطي بما قدّمهُ طوال فترة حكم "أوباما" والذي كانت تمثلُ "هيلاري" فيهِ جزءً مهماً بالتأكيد.

ابتداءً..كان النظام الانتخابي الذي انتهجتهُ العملية الانتخابية غير عادل تماماً ولم ينصف "هيلاري" أبداً لأنهُ اعتمدَ مبدأ الاقتراع غير المباشر.. وفي هذا النظام بوسع مرشح الرئاسة الذي يتفوقُ على خصمهِ ولو بصوتٍ إضافي واحد في ولايةٍ ما أن ينالَ أصوات جميع كبار المندوبين في تلك الولاية كلها وهذا الذي حدث تماماً إذ تقدمت "هيلاري" على "ترامب" بحوالي مليون "شخص" من مجموع الولايات الأميركية كلها لكنها مع ذلك خسرت الانتخابات..ولا بأس هنا ببعض التفصيلات لنفهم أكثر حقيقة ما حصل.

من المعروف في كل انتخابات العالم أن يُعوّلَ المرشحون على فئة الشباب من أجل ضمان الفوز بأصواتِ تلك الشريحة الأوسع عدداً والأكثر وعياً لكن الغريب في هذه الانتخابات أن ثمة أعداداً كبيرة من هذه الفئة الشبابية كانت أيديهم مكبلة بقيودٍ قاسية من الخيبة والاحباط واليأس فقرروا مقاطعة الانتخابات سلفاً..أما الذين شاركوا فيها فقد صوَّتَ أغلبهم بالفعل لهيلاري لكن تصويتهم هذا لم يكن بتلك الأعداد الكبيرة التي كانت تراهنُ عليها لذا لم تكن أصواتهم هذهِ مؤثرة بشكلٍ حاسم وبما يكفي لترجيح كفتها في نهاية الأمر..وبين يديَّ إحصائية تؤكد أن 55% من أصوات الفئة العمرية المحصورة بين 18 إلى 29 عاماً قد ذهبت بالفعل إلى "هيلاري" مقابل 33% لترامب..كذلك صوَّتَ 50 % من الفئة العمرية من 30 إلى 44 عاماً لهيلاري مقابل 42 % لترامب..لكن ذلك كلهُ لم يكن كافياً لفوزها كما أسلفنا.

وإذا كان تصويت فئة الشباب هذا مفاجئاً ومخيباً لآمال "هيلاري" بسبب تواضع المشاركة وقلة عدد الأصوات فثمة مفاجأة أخرى غريبة لم تقل عنها خيبة أيضاً تمثلت في تصويت مَن تراوحت أعمارهم بين 44 فما فوق لترامب أيضاً وهم الذين يفترضُ فيهم الحكمة والخبرة إذ صوَّتَ 53 % من الفئة العمرية بين 45 إلى 64 لترامب مقابل 44% لهيلاري كذلك صوتت لهُ الفئة العمرية الأعلى من 65 عاماً بواقع 53 % من مجموع أصواتها مقابل 45 % لهيلاري.

غالبية الأميركيين من أصول أفريقية ولاتينية صوتوا لصالح "هيلاري" كما كان متوقعاً بسبب الانحياز الدائم لتلك الفئة إلى الديمقراطيين لكن اللافت أن أغلب الأميركيين البيض صوّتوا لصالح "ترامب" وليس لهيلاري وكأنهم كانوا بذلك يُكفّرونَ عن ذنبٍ سابق حينما انتخبوا "أوباما" الأسود ويبدو أنهم ندموا كثيراً على ذلك..كما أن بعض الولايات التي كانت تعدُّ أصواتها في انتخاباتٍ سابقة مقطوعة بشكلٍ شبه مفروغ منهُ لصالح الديمقراطيين صوتت هذه المرة بأغلبية مريحة لترامب الجمهوري!

كانت المفاجأة الأكثر غرابة من كل ما سبق أن 58% من النساء البيض صوتنَ لصالح "ترامب" على الرغم من مواقفهِ المسيئة بحقهنَ والتي وثقتها تسجيلات سابقة لم يخفِ "ترامب" فيها عباراته البذيئة بحقهنَ مما أثارت عند الأميركيين وخصوصاً النساء الكثير من القرف والاشمئزاز حتى أن كثيرين توقعوا أن مواقفهُ الشاذة تلك ستطيحُ بهِ في نهاية الأمر لكن ذلك لسببٍ ما لم يحدث..وربما علينا أن نُذكّرَ هنا مرة أخرى بفضولِ الدِهان الجديد!

حقاً أنا لم أستطع حتى الآن أن أستوعبَ أسرار تلك الدوافع التي حدتْ بالمواطن الأميركي الذي يحلم بالتأكيد بمستقبل آمن ومستقر أن ينتخبَ "ترامب"..وبودي قبل ذلك أن أعرف المعايير الموضوعية التي حدتْ بالحزب الجمهوري نفسهِ أن يختارهُ كمرشحٍ للحزب دون غيرهِ لينافسَ على منصبِ رئاسة أميركا..لكن ربما هي سلطة المال والنفوذ وعقود التخادم والمنافع المتبادلة التي تُبرمُ دائماً في أقبيةِ السياسة المظلمة والتي تُحركُ في النهاية بوصلة الولاءات..وربما من حسن حظ "ترامب" فعلاً أنه أصبحَ الآن رئيساً لأميركا في ظل أغلبيةٍ جمهورية شملتْ مجلسي الشيوخ والنواب لذا سيكون بوسعهِ أن يمارسَ بعضاً من طقوسِ جنونهِ بيسرٍ أكبر وبضغوط أقل رغم أن الأمر ينطوي بالفعل على مقامرةٍ كبرى لا تخلو عواقبها من مخاوف حقيقية.

فيما يخص "ترامب" أيضاً وبعيداً عن لغةِ تراشقِ التُهم ومجانية التسقيط التي ربما تحتملها اشتراطات الحملات الانتخابية الأميركية عادة بمتاهاتها وأسرارها المتشابكة فلا زلتُ أتساءلُ حتى الآن بذهول: كيف ستغمضُ عيونُ الأميركيين طوال السنوات الأربعة القادمة وهناك 925 رأس نووي ستكون تحتَ تصرفِ رجلٍ مهرجٍ ومجنونٍ ومقامرٍ وقليلِ الخبرةِ مثل "ترامب"؟ كيف سيأمنُ 330 مليون مواطن أميركي أن يُمنحَ "ترامب" حق الاحتفاظ بالحقيبة الرئاسية السوداء الغامضة التي يسميها الأميركيون حَرَكياً ب "Dropkick" والتي يحملها الرئيس الأميركي معهُ دائماً في حلهِ وترحاله وهي التي تختزنُ كل أسرارِ خطط الحرب النووية السرية أوقات الطوارئ؟ وفيما يخصُّ تلك المخاوف الأكثر خطورة لم تنسَ "هيلاري" بالطبع تحذيرها من "ترامب" أيضاً حينما عرّجتْ في إحدى المناظرات على ذلك بقولها: "رجلٌ تستطيعُ استدراجهُ بتغريدة كيف يمكنك ائتمانهُ على الأسلحة النووية؟" ورغم قناعتي بجدية تلك المخاوف وواقعيتها لكن جميع تحذيرات "هيلاري" هذهِ جاءت نتائجها عكسية تماماً في نهايةِ المطاف.

عموماً بوسعنا القول أن الحظ لعب دوراً كبيراً في خسارة "هيلاري" بينما ابتسم بملءِ فمهِ لترامب رغم أن البعض لا يزالُ مُصرّاً أنها ارتكبتْ بعض الأخطاء القاتلة لكنني لا أظن أن تلك الأخطاء كانت سبباً مقنعاً يكفي لحرمانها من دخول البيت البيضاوي من جديد..ربما يصح القول كأحد أهم مبررات خسارتها أنها دخلتْ معركة الانتخابات وهي تحملُ فوق ظهرها  جميع أوزار "أوباما" وحزبهُ الديمقراطي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.. كما أرجحُ أن أسباباً أخرى أقل أهمية زادتْ من احتمالاتِ خسارتها ولعل من أهمها فضيحة مراسلاتها الرسمية من بريدها الشخصي وقبل ذلك سر الغموض الذي أحاطَ بحقيقة حالتها الصحية أو "الذهنية" بتعبيرٍ أدق لأن ثمة مؤشراتٍ قوية على إصابتها بالصرع بحسب ما أوردهُمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "FBI" في تقريرٍ سابق الذي أكدَ تعرض "هيلاري" عام 2012 لارتجاجٍ دماغي أدى إلى تجلط دموي في المخ مما أثرَ تأثيراً واضحاً على أداءِ مهامها في وزارةِ الخارجية آنذاك لكن يبدو أن هذهِ الشكوك لم تقف حائلاً دون مواصلتها المضي بعزيمة والقتال بضراوة من أجل التربع على عرش أكبر دولة في العالم قبل أن تخسرَ في نهاية الأمر.

الأميركيون عنيدون بطبعهم..وفضوليون لكلِّ ما هو مُغيَب..لا شك في ذلك..ولأن الممنوعَ مرغوبٌ دائماً لذا فإن مبالغة "هيلاري" في تحذيرها المتكرر لهم بعدم انتخاب "ترامب" ربما أيقظت فيهم روحَ العناد وزادت من فضولهم إلى استكشافِ الأسرار التي تكتنفُ تلك التحذيرات فاقتربوا أخيراً من الجدار المَطلي بدِهان "ترامب" ولمسوهُ بأصابعهم فالتصقَ الدِهانُ والقرارُ بها معاً..وكانت الكارثة!

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق