]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نومُ العجائز !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-11-26 ، الوقت: 20:33:44
  • تقييم المقالة:

نومُ العجائز !

 

محمد الحداد / العراق

العصرُ الذي كانت فيهِ أميركا تُديرُ العالمَ بالريموت كونترول كما يلهو طفلٌ صغير بلعبةٍ ألكترونيةٍ مُسلية انتهى وربما إلى الأبد..لا عودة من جديد لتلك الأيام التي كان بإمكان قوات منتخبة من المارينز أن تُسقط دولاً مثل هاييتي وهندوراس ونيكاراغوا وتشيلي وبوليفيا قبل أن تنتهي مباراة ساخنة بكرة السلة بين فريقي ميامي ولوس أنجلس ليكرز !

ولّت من دون رجعةٍ تلك الأيام التي كانت أميركا تصنعُ في مطابخها دولاً حسب الذوقِ والطلب بنكهاتٍ مختلفة وتُطيحُ دولاً أخرى وترميها في سلة التاريخ..أيام كانت البلادُ كلها حدائقَ خلفية يتجولُ فيها السيد الأميركي المُبّجل كما يشاء مثلما يتجولُ أحدنا داخلَ غرف بيته.

ذاكرةُ العالم لا تزالُ بالتأكيد طرية حتى الآن بكلِّ ما حصل..لم ينسَ أحدٌ أبداً كيف دخلتْ أميركا في "بنما" بسبعة عشر ألف جندي أميركي وأطاحتْ بنظام الحكم وخطفتْ جنرالاً منتفخاً كان يدعى "نورييغا" لتزجَّ بهِ وراءَ القضبان عشرين عاماً بتهمةِ الاتجارِ بالمخدرات!

أميركا الآن هي الأضعف طوال تاريخها كله..هذه هي الحقيقة التي بدأت تسطعُ بوضوح..هذا الأفولُ الأميركي من سماءِ الزعامة ابتدأ منذ اليوم الذي قررت فيهِ أميركا تغيير إستراتيجيتها مع أعداءها واستبدلتْ فلسفتها "نزولاً في سُلّم الانحدار" من "اقتلاع الأعداء" إلى "احتواء الأعداء" وصولاً إلى "مراقبة الأعداء" من بعيد!

غروبُ المجد العالمي أصبح واقعاً ملموساً يوم أن حوّلت أميركا أنظارها عن المغانم الدسمة البعيدة رغماً عنها وأولَت جلَّ اهتمامها نحو الداخل مع أنها حاولت إيهام الأميركيين بتصديق نكتة "قيادة العالم من الخلف" لكن ذلك لم يكن أكثر من محاولةٍ فاشلة لتسويقِ بضاعةٍ محليةٍ رديئة لا أكثر.

لم ينسَ العالمُ بعد كيف حرّكتْ أصابعُ أميركا الشعبَ والجيشَ في الفلبين ضد صنيعها الصغير "ماركوس" من أجل إسقاطهِ..وبعد أن احترقتْ البلادُ كلها أصدرتْ إليهِ أمراً عاجلاً باتصالٍ هاتفي حاسمٍ وقصير أن اللعبة انتهتْ ولا بدَّ من مغادرةِ البلاد فامتثلَ لذلك فوراً من دون أي نقاش..كان هذا بالطبع آخر أمرٍ تلقاهُ "ماركوس" من سيدهِ الأميركي قبل أن تُرسلَ إليهِ على الفور طائرة أميركية هبطتْ في قصر "ماركوس" الفاخر وطارتْ بهِ إلى أميركا..وبوسعي هنا تحديداً أن أستعيرَ من صندوقِ ذاكرتي الكثيرَ من الصور التي لا تزالُ راسخة فيهِ وأحاولُ أن أقلبها تباعاً..أتأملُ "ماركوس" هذا وهو يعيشُ أقسى لحظاتِ حياتهِ وأشدها حُزناً وهو يلقي نظراتهُ الأخيرة من الأعلى على بلدٍ مُحطمٍ حَكمهُ لإحدى وعشرين سنةٍ بسلطةِ النارِ والحديد قبل أن يتركهُ وراءهُ كثباناً متراكمة من الرماد ليموت آخر الأمرِ في أميركا حزناً وكمداً على مُلكٍ واهنٍ وهبتهُ إياهُ أميركا وجردتهُ منهُ بأمرٍ منها أيضاً.

هذهِ محضُ أفلامٍ بل أحلامٍ أميركية فانتازية قديمة لم تعدْ تصلحُ أبداً لهذا العصر رغم أننابوسعنا القول من دون تجنٍّ أبداً أن أميركا هي الدولة الوحيدة في العالم التي يُقاس عمرها بقدر الحروب التي خاضتها!

هل هذه هي أميركا ذاتها التي احتلتْ دولتين كبيرتين هما أفغانستان والعراق في أيامٍ معدودات؟ ألا تشعرُ اليوم حقاً بكل حرجِ التاريخ وهي تُخبرُ العالم أجمع أن القضاءَ على عصاباتِ "داعش" سيستلزمُ وقفة أقوى جيوشِ العالم معها لبضعةِ سنواتٍ قادمة حتى يتم "تحجيم واحتواء" قدراتهِ دون القضاء التام عليهِ إلى الأبد؟ هل سمعتم يوماً بنغمةِ انكسارٍ أميركية أكثر وهناً من هذه؟ أخالُ أن التاريخَ الأميركي يتصببُ اليومَ خجلاً وهو يُنصتُ لما تتفوهُ بهِ أميركا الجديدة..وثمة قسوة أخرى مماثلة حتى لو بدت غير ظاهرة بذات الوضوح وهي خيبة أمل أميركية وبكاء صامت على حلفاء دائمين راهنت عليهم طويلاً وانتظرت منهم الكثير لكنهم خذلوها آخر الأمر.

وهنٌ كهذا جعلَ كثيراً من الخرائط تُطلقُ عالياً صفارات الإنذار وفي مقدمتها دول الخليج التي باتت تشعرُ اليوم أنها ليست بأمانٍ حقيقي وتصارع بضراوة من أجل المحافظة على هويتها من الضياع وتتنفس بالكاد وجودها قرب ذلك الزلزال الذي يتصنعُ النومَ قُربها ببراءة..هذه الدول التي كان أمنها تؤمّنهُ دائماً رقابة صارمة بزمامٍ وسَوطٍ أميركيَين لكنها أصبحت تشعرُ اليوم أنها على مرمى الموت تماماً وأقرب من أي وقتٍ مضى من الخطرِ الذي بدأ يلامسُ تخومَ حدودها من أكثر من مكان خاصة وهي تُراقبُ بعين الخوفِ والحذر تلك الحفلاتِ الصاخبة التي يستعرضُ فيها جارها المشاغب عضلاتهُ الامبراطورية بعد أن مدَّ أصابعهُ بعيداً في اليمن وقبل ذلك في لبنان وسوريا والعراق من دون أن تفعلَ أميركا حيالهُ أي شيء..ذلك الأمان الخليجي الضائع الذي كانت تتكفلُ به سابقاً نظرة أميركية حمراء..أيام كان يكفي دولاً كثيرة أن تفهم ما تريدهُ أميركا من نظرةٍ حمراء واحدة فقط..تلك النظرة ذاتها التي رأينا كيف فقأتها اليوم أصابعُ روسيّةٍ مشاغبة جعلت أميركا تستوعبُ جيداً أن الطريق الإيراني الأحمر نحو سوريا ودولٍ أخرى بعينها يمرُّ بروسيا أولاً!

الأصابعُ الأميركية التي زحفت بجنونٍ نحو شرقنا الأوسط انسحبت منهُ وهي تشكو آلام حروقها المؤلمة..ربما كانت تلك الحروق هي الأقسى على أميركا طوال تاريخها كله رغم أن الذي يبدو من الصورة قد لا يشي بذلك بوضوح تام..لكنهُ على أية حال أمرٌ ليس بجديد تماماً فأميركا بدأت تدمن تدريجياً هذا الفشل الذي لم تكن تعرفهُ من قبل..أقلهُ في منطقتنا العربية بعد أن بدأت تتذوقُ هذهِ الأيام طعمَ الخسائر التي كانت تذيقها للعالم أجمع.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق