]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"روليت" رئاسي أميركي !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-11-13 ، الوقت: 19:14:38
  • تقييم المقالة:

"روليت" رئاسي أميركي !

محمد الحداد  العراق

ثمة على الدوام شروقٌ وغروبٌ في وقتٍ واحد..لا شكَ في ذلك أبداً..أفولٌ أخيرٌ لشمسٍ غاربة يتبعهُ سطوعٌ جديد من ضفةٍ مغايرة..حياةٌ هنا وموتٌ هناك..نجومٌ تتهاوى وترحلُ صوبَ حتفها الأخير وأخرى تصارعُ مخاضها العسير كي تبزغ بدلاً عن نظيراتها النافقة في دورةٍ أبديةٍ لا نهاية لها..هذه هي الحياة..مَن قال أن السماءَ واحدة دائماً؟ أليستالولادة والموت كائنَينِ أصيلينِ من هذه الحياة نفسها؟

فجرَ يوم الأربعاء أطفأ البيتُ البيضاوي أنوارهُ "الديمقراطية" فورَ إعلان خسارة "هيلاري كلينتون" فيما أضاءتْ أنوارُ النصرِ "الجمهورية" في أغلبِ الولاياتِ الأميركية فرحاً بنصرِ "دونالد ترامب"..بالمناسبة هل خسرتْ "هيلاري" أم فاز "ترامب"؟! لا أدري لمَ أصرُّ أن المعنى ليس واحداً.

انتهى وقتُ الكلام على أيةِ حال وصمتتْ لغة المناظرات وتوقفَ ماراثون السباق الرئاسي للوصولِ إلى البيت الأبيض..فاجأ "ترامب" الجميع وحسمَ الأمرَ وحرمَ سيدة البيت البيض السابقة من السكن فيهِ من جديد.

شخصياً كنت أرجّحُ منذ البداية فوز "هيلاري" على "ترامب" لكن يبدو أنني كنتُ واهماً تماماً..في الليلة الحاسمة وقبلَ إعلانِ النتائج النهائية بساعاتٍ قليلة استبقتُ الأحداثَ قليلاً وهيأتُ نفسي لكتابةِ مقالةٍ كتبتُ الجزء الأكبر منها وبينتُ فيها منطقية فوز كلينتون بمنصبِ الرئيس الخامس والأربعين..الفوزُ الذي كان سيحرمُ الحزب الجمهوري وللمرةِ الثالثةِ على التوالي منذ ولاية "بوش" الإبن من الدخولِ إلى البيت البيضاوي..لكني أخطئتُ التصويبَ والرماية تماماً لأن العكسَ هو الذي حصل..

عموماً سهرتُ ليلتي هذهِ وأنا أتابعُ بلغةِ الأرقام التي لا تُخطيء تفوقَ "هيلاري" على "ترامب"..ولما غفتْ عيناي كانت تلك الأرقام تنامُ هي الأخرى بين جفوني لكنني حينما صحوتُ صباحاً وجدتُ أرقاماً أخرى مختلفة تماماً..ما الذي حصل؟ صدمتني النتيجة فعلاً لكن لم تكن تلك الصدمة تخصني أنا وحدي بالطبع لأنها صعقت الملايين من الأميركيين بلا شك بل إنها كانت صادمة حتى لاستطلاعاتِ الرأي التي كانت تؤكدُ طيلة الشهور الثلاثة الأخيرة على تفوقِ "هيلاري" مما يطرحُ تساؤلاتٍ كبيرة ربما ستظل مادة طازجة تتداولها مراكز الدراسات العالمية لعدةِ سنواتٍ قادمة.

لم أنتبه جيداً أن خصمَ "هيلاري" كان مُقامراً مُحترفاً..الأصحُّ أنني لم أعرْ لذلك بالاً..أنا الذي لم أقامر أبداً في حياتي كلها..خذلتني كثيراً لغة المنطق التي لا أفهم غيرها..خسرتْ "هيلاري" الانتخابات وخسرتُ أنا مقالتي التي توجبَ عليَّ في اليوم التالي أن أمسحها كلها لأكتبَ بدلاً عنها من جديد هذهِ المقالة المغايرة عن سابقتها في كل شيء!

لا أدري لمَ كنتُ أجزمُ أن وقوفَ "أوباما" مع "هيلاري" وظهورهما معاً أمام أنصارها في آخرِ ليلةٍ سبقت الانتخابات ستعطي دافعاً قوياً بشكلٍ يكفي على الأقل في استدرارِ بل استجداءِ أصوات السود والأقليات الأخرى  الذين انتخبوا "أوباما" سابقاً كي يصوتوا لهيلاري هذه المرة..ظننتها نقلة ملعوبة من "أوباما" وبتوقيتٍ محسوبٍ بدقةٍ لافتة أيضاً وينمُّ عن عقليةٍ احترافيةٍ ذكية لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافياً بشكلٍ ما..وللحقيقة فإن أداءَ "هيلاري" بالمُجمل لم يكن سيئاً أبداً ولم يكن أداءُ خصمها بأفضل من أدائها..هي كانت بالفعل أقرب منهُ إلى البيت الأبيض..وحتى على المستوى الرسمي لأوربا وبعض دول العالم الأخرى كنت أرصدُ استعداداً دولياً تاماً لتقبل تلك الحقيقة كبديهيةٍ قادمة لا محالة ولم يكن ينقصُ اكتمالها إلا وقتاً يسيراً يُعدُّ بالساعاتِ فحسب..استعدادٌ رسمَ رغبة عالمية واضحة بشكلٍ متنامٍ كأنهُ واقعٌ مفروغ منه..ربما لأنها مثلتْ بنظرهم امتداداً طبيعياً للسياسةِ الأميركية التي يعرفها الجميع وخبروا أداءها يوم أن كانت "هيلاري" تشغلُ وظيفة وزيرة الخارجية.

وبالعودةِ إلى المزاجِ الانتخابي الأميركي العام فثمة قناعة كبيرة تولدتْ لديَّ خصوصاً في الأيام الأخيرة التي سبقتْ الانتخابات وهي أن الشعبَ الذي اختارَ ولأولِ مرةٍ في تاريخ الانتخابات الأميركية رئيساً ديمقراطياً أسود هو نفسهُ الذي سيختارُ كذلك أولَ امرأةٍ ديمقراطية كرئيسةٍ لأميركا.. لا أعرفُ تماماً سرّ تلك الثقة التي أوصلتني لهذهِ القناعةِ الغريبة لدرجةٍ أوهمتني بفوز "هيلاري" لكن يبدو أن لغة الواقع كانت مغايرة لذلك تماماً ..ولا علة عندي لذلك إلا أن ثمة انعطافة تغيير حادة جداً في بوصلةِ المزاج الأميركي التي أصابها التذمرُ والملل فانحرفتْ أبرتها عن وجوهٍ ألفتها حدّ القرف واتجهتْ صوبَ ضفةٍ "جمهورية" مغايرة لتبحثَ لها هناك عن وجوهٍ أخرى جديدة بأملِ أن تجدَ عندهم حلولاً لمشاكلها حتى لو كانت تلك الوجوهُ متطرفة في غرابتها..خاصة إذا اعتبرنا أن "هيلاري" كانت تُعدُّ بشكلٍ أو بآخر جزءً من منظومة "أوباما" الديمقراطية التي لم تلبِ الطموحَ الذي يُكافئ الثقة التي منحها الشعبُ لتلك المنظومة الديمقراطية برمتها..ولم تكن تلك الانعطافة تخلو من المجازفة والمغامرة قطعاً وسيكتشفُ أولئك المجازفون خطأ اختيارهم لترامب ولو بعد فواتِ الأوان لكن يمكن لنا أن نفسّرَ انعطافتهم الغريبة هذهِ بأنها كانت نابعة من شعورٍ صارخ بالخيبةِ واليأس من الأداءِ التقليدي لنخبةِ الحزب الديمقراطي طوال السنوات الأخيرة لذا بوسعنا التأكيد أنها انعطافة تغيير تستحق التأمل والدراسة فعلاً.

من جانبٍ آخر ربما ظنَّ المواطن الأميركي أن انتخابهُ في هذهِ الفترة الحرجة بالذات لامرأةٍ مثل "هيلاري" كرئيسةٍ لأميركا ولأولِ مرةٍ في التاريخ الرئاسي الأميركي سينطوي على مجازفةٍ كبرى لم تجربها أميركا من قبل..وحتى لو قيضَ لهذا المزاج الأميركي أن ينتخبَ امرأة لهذا المنصب الخطير فستكون بالتأكيد امرأة حديدية تفوقُ بكثير قوة "هيلاري" وأصغر منها سناً وبصحةٍ أفضل وأخطاء أقل.

وأذكرُ هنا للطرافة لا أكثر أنني سرحتُ بفكري قليلاً حينما رأيتُ ليلة الانتخابات رجلاً أميركياً مُسناً تبدو عليهِ علامات الحيرة وهو يهمُّ بالإدلاءِ بصوتهِ فسألتُ نفسي هذا السؤال : ما مدى حراجة موقفي فيما لو قضت الأقدارُ أن أكونَ مواطناً أميركياً كهذا الرجل المُسن مثلاً ويتوجبُ عليّ أن أغامرَ مثلهُ لاختارَ مرغماً مرشحاً من اثنين : إما رجلٌ ملياردير مهرجٌ مجنون لا تتعدى خبرتهُ في الحياة اللهو والمقامرة..رجلٌ قضى جلَّ عمرهِ في جمعِ الأموال وبناءِ الفنادقِ والملاهي ومهووس بمراهناتِ الروليت وحلباتِ المصارعة الكاذبة واختباراتِ تلفزيون الواقع ولا يمتلك عدا ذلك أدنى خبرة في السياسة..أم عليَّ أن أختارَ أولَ امرأةٍ في التاريخ الأميركي ترشحُ نفسها لمنصب الرئيس مع شكوكٍ قوية تحومُ حول أسرار وضعها الصحي العام مع حزمةٍ من الأخطاءِ والفضائح؟ أية ورطةٍ كبرى تلك التي وُضعَ الأميركيون وسطها في هذهِ الانتخابات الأشد غرابة؟

حقاً كان ذلك أصعب ما صادفَ الأميركيون في تاريخهم الانتخابي كلهِ : أنهم كانوا محشورين في زاويةٍ خانقة ويتوجبُ عليهم مع ذلك أن يختاروا أهونَ الشرّين بدل أن يختاروا أفضلَ الخيارين! وحينما تكون أي صورةٍ انتخابيةٍ بهذا الشكل المحير فلا غرابة أن يتحولَ الانتخابُ نفسهُ في نظرِ الأميركيين من عمليةِ اختيارِ رئيسٍ بأملِ أن يُلبيَ لهم كلَّ طموحاتهم إلى مقامرةٍ كبرى تشبهُ رمية نردٍ لا قلبَ لهُ وسط ظلامٍ حالك أو مراهنة يائسة على رقمٍ تتوسلهُ أيديهم أن يكونَ محظوظاً في لعبةِ روليت أميركية طائشة !

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق