]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأناهو (قصة قصيرة)

بواسطة: Oussama Zarrouk  |  بتاريخ: 2016-11-11 ، الوقت: 00:19:32
  • تقييم المقالة:

دائما ما أستيقظ على صوت ضحك جاري السكير.. أذكر ذات ليلة أنه ظل يضحك حتى بزوغ الفجر، يومذاك وددتُ لو أن جلطةً دماغية حلَّت به لتضع حدا لنوبة ضحكه الهستيرية .. لكنها لم تفعل، وظلت ضحكته ترن في رأسي كرنين ناقوس الخطر، إلى أن أوقفها رنين ناقوس العمل. غادرت لحظتذاك فراشي وأنا أردد بصوت خافت يملؤه الغضب : اضحك الآن كما شئت أيها الخنزير البري، اشرب وقهقه الآن. ولكن دون جدوى، كأنه مبرمج على الوقت الذي يرن فيه منبهي، فما إن أوقف المنبه حتى تكون آخر قهقهاته قد اختفت. بل إني أشك أنه صاحب المنبه الحقيقي، وأنه هو من ضبطه على الساعة السابعة لتنتهي ليلته الحمراء.

إنها السابعة صبحا، أستيقظ كالعادة متوعكا، رغم أني لا أقوم بأي عمل متعب أو شاق قبيل الاستعداد للنوم، بل بالعكس تماما، أقوم بكل شيء صحي يأمرني به الطبيب... آكل الخضروات، أكثر من شرب الماء وأقلل من شرب القهوة، لا أشرب المياه الغازية أو أي مشروب يحتوي جزءا مئويا من الكحول، لا أدخن، أمارس الرياضة بانتظام... باختصار، أفعل كل ما هو صحي ومفيد للعقل والجسم عدا شيئا واحدا.. النوم. وهذه المشكلة حلُّها ليس بيدي ولا بيد الطبيب، حلها بيد الإله. لا أعلم لمَ لم يقبض روحه بعد، حيوان مثل هذا لا هدف له في الحياة سوى إزعاج ذوي الالتزامات والأعمال وقض مضاجعهم، كان عليه أن يموت منذ زمن بعيد. ولكن هي الصدفة القذرة التي جمعتني وهذا المخلوق في بناية واحدة. لولا قرب الشقة من محل عملي وسعرها المناسب، لكنت هجرتها تاركا للخنزير كل الجو ليضحك ويغني بصوته الغرابي المخيف.

وجهي في المرآة شاحب، بوادر الأرق وقلة النوم أخذت تتموضع تحت جفوني وفي بياض عيني، وكل يوم أكتشف آثار كدمة أو اثنتين على ناحية من جسمي.. أقلقتني قليلا في بادئ الأمر، لكني استنتجت في وقت لاحق أني ربما أمشي خلال النوم فأؤذي نفسي دون أن أشعر، هذا هو التفسير المنطقي الوحيد. وكالعادة أول شيء أفعله قبل تحضير الفطور، هو التوجه نحو الشرفة لاستنشاق هواء الصبح النقي. وككل مرة، أجد دزينة من زجاجات الخمر الفارغة، وأزيد من علبتي سجائر مستهلكة ملقاة على الأرض.. الحقيقة، لقد نفد صبري، كل صبح أجد النفايات هاهنا، فأكتفي بالصراخ والتهديد راميا بصري وجل حواسي صوب الشقة فوق : "أيها البغل ؟ كم مرة سأخبرك بهذا؟ احتفظ بنفاياتك لنفسك، أقسم إني سأقتلع عينيك في المرة القادمة إن وجدتُ عقب سيجارة واحد". وطبعا لا أفعل شيئا من هذا، لأنني في الحقيقة لا أجيد سوى الكلام بهذه النبرة، أما إذا استلزمت الفعل، فإني أتحول إلى شخص آخر يكره العنف. فلو أنه أطل من شرفته متسائلا : "ماذا قلت؟"، لاهتزت فرائصي، ولارتعشت مرددا : "عمتَ صباحا أيها الجار المحترم، لقد وجدتُ هاته الأزبال في شرفتي، وكنت أنادي على البواب الأبله كي يصعد لتنظيفها، هذا كل ما في الأمر".ولكن هذه المرة لن أكتفي بالكلام، قد طفح الكيل، سأصعد إليه وليحدث أي شيء.. سأطرق بابه بقوة، وعند خروجه سأنهال عليه بالصراخ والسبّ.. سأفجر في وجهه قنبلة همٍّ وسخَط تعشش في قلبي منذ زمن.وقفتُ إزاء الباب.. طرقته بدل المرة عشرة، لا أحد يجيب.. أصغيتُ فلم أسمع حركة أو حتى همس أنفاس.. صعَّدت وتيرة الطرق، الطرقة الأولى قوية، الثانية أكبر قوة، ومع الثالثة انخلع الباب وسقط إلى الداخل محرّكا زوبعة من الغبار خلفه، ومحدثا ضجة قوية.. فزعتُ لما حدث، فنظرت خلفي أطمئن أن أحدا لم يرَ ذلك، ثم تسلَّلتُ إلى الشقة وكلي حذر باحثا عنه... لا أثر. ربما قد أثقل في الشرب فوقع مغشيا عليه... ربما توفي جراء جلطة دماغية أو سكتة قلبية... ربما، وهذا غير وارد، أنه قد أحس بالذنب فقرر ترك الشقة صبيحة هذا اليوم. بحثت في كل الغرف لم أجد أثره. الغبار في كل الأرجاء، الأثاث مغطًى بملايات كانت بيضاء في وقت ما... الجدران صفراء مهترئة بالرطوبة تتوسطها لوحات قديمة وصور لأشخاص غرباء، والجرذان والحشرات تملأ المكان... مستحيل أن يعيش هنا إنسان عاقل. [ولكنه ليس إنسانا أصلا] .. الشقة أشبه ما يكون ببيت رعب، غادرتها مسرعا نحو الطابق السفلي باحثا عن البواب، وجدته جالسا على كرسيه الخشبي، يمسك جريدة منتهية الصلاحية. ارتعب لما رآني أقف عند رأسه فاستقام واقفا:

- عمت صباحا أستاذ فوزي، كيف أخدمك؟
- تجاهلت تحيته وبادرته بالسؤال.. أين ذهب؟؟
- من تقصد بـ أين ذهب؟ القط الذي طردْتَه بالأمس؟ لقد أخذته السيدة العجوز التي تقطن بالبناية المجاورة.
- صرخت في وجهه غاضبا: أنت تعلم من أقصد أيها الغبي. ذاك الذي أذاقني الويلات طول هذه السنوات، أين ذهب السكّير؟ دخلتُ شقته باحثا عنه فلم أجده هناك. أين هو، أجبني؟؟
- نظر إلي بإشفاق وقال: حطَّمتَ الباب مجددا أليس كذلك؟ لا أدري كم مرة سأصلحه وتحطمه ثم تجيء إليّ باحثا عن الجار السكّير... طأطأ رأسه وهمس بصوت ضئيل أسأل الله أن يشفيك يا ولدي.
- دفعته بقوة حتى خرَّ ساقطا... تقصد أني مجنون أيها الحيوان؟ أنا أعقل منك مليون مرة. هو من أوصاك ألا تخبرني عن مكانه أليس كذلك؟ أنت متفق معه؟ أجبني بسرعة أين ذهب وإلا أوسعتك ضربا أيها العجوز الخرف !!!

نهض من الأرض يزيح عن ثيابه الغبار، واستدار موجها ظهره لي ثم قال : تريد الحقيقة يا بني ؟ الحقيقة أنك تعاني مرضا نفسيا يجعلك تتخيل أشياء ليست موجودة، وأنك تداوم على دواء وصفه لك الطبيب. الحقيقة أن الشقة فوقك لا يسكنها أحد، هي مهجورة منذ عشرين سنة، وأنك منذ طُردتَ من العمل وأنت تسكر طوال الليل في شرفتك. فتصرخ تارة، وتضحك أو تبكي أخرى... الحقيقة أن كل الجيران يشتكون من تصرفاتك المتهورة، وقد طالبوا غير مرة صاحب البيت أن يطردك من البناية، لكنني كنت دائما أتوسل إليه كي يبقيك، وأشرح له ظروفك الصحية. هذا لأني وعدتُ أباك أن أهتم بك. الحقيقة أنها المرة الثالثة في نفس الشهر التي أخبرك فيها بهذا الكلام، المرة الثالثة التي يدور فيها هذا النقاش، وفي نفس المكان... وكل مرة تُصدم بكلامي وتنفجر باكيا، ثم تقبل رأسي مطالبا أن أسامحك، تصعد إلى شقتك وسرعان ما تنسى الأمر... قبَّلتُ رأسه واستمحته باكيا، فسامحني ودعا لي بالشفاء...

استقلت المصعد إلى شقتي كي أرتاح من صداع الرأس وأشرب دوائي. استلقيت على الأريكة أفكر في كلام البوّاب... هل أنا حقا مجنون؟ أيعقل أنني شخصان... في الصبح إنسان عادي وفي الليل أتحول إلى خنزير؟ الكدمات على جسدي توافق ذلك، نعم، أنا إنسان متحول. جلست لساعة أسأل نفسي وأجيبها... تحسست حرارة جسمي، جبيني يسخن بطريقة غريبة. تحسست نبضات قلبي فإذا هي متسارعة كطلقات الرصاص. لفت انتباهي شيء صلب في جيب البيجامة العلوي... أخرجته فإذا هي علبة سجائر و ولاعة... ماذا تفعل السجائر في جيبي؟؟ حتما إنه هو، الخنزير الحقير، عاد لمضايقتي كعادته، تسلل إلى شرفتي مرة أخرى، ارتدى بيجامتي ودخن بكل راحة وهو جالس على الكرسي الهزاز، وعندما أحس بقدومي هرب إلى شقته فوق ناسيا علبة سجائره في جيب البيجامة... سأصعد إليه هذه المرة ولن أخشاه... وأقسم إني سأقتله يوما ما.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق