]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البلاغة الشعبية ... حكايات محصنة بالحكمة

بواسطة: د.علي حسين يوسف  |  بتاريخ: 2016-11-02 ، الوقت: 08:30:26
  • تقييم المقالة:
من يزرع الحكمة في عقول هؤلاء الناس ؟ ومن يمنحهم تلك القدرة على توظيف المرويات بلهجتهم المحلية ؟ وما الذي يجعل أحدهم ( يسولف خوش سوالف , والآخر حسجة ,..... ) ؟ الا يكون جوابنا بأنها التجربة , غير كاف ؟  تروي حكاياتهم عبرا مؤثرة , ومواعظ يختلط في بوتقتها الصحيح بالمبالغ فيه , لكنها في كل الأحوال تحرك فيك هما للتساؤل وترديك في شراهة للاستماع ... كيف يتسنى لمن لا يقرأ ولا يكتب ولم يدخل مدرسة في حياته أن يحدثك بما لم تسمع بمثله من قبل وأنت المعتد بنفسك , المزهو بثقافتك , المكثر من اقتناء الكتب والمعارف , فلربما حدثك أحدهم بــ ( سالفة ) تختصر كتابا استنزف منك اياما طوال , وقد يفجؤك آخر بشاردة عزَّ عليك مطلبها . السالفة الشعبية ذلك النمط الحكائي الذي يكشف لك عن ثقافة متجذرة , ثقافة هادئة مستقرة لا يتبجح اصحابها بما يعرفونه ... إنها ثقافة الراهن المعيش والواقع الملامس لأرض حيواتهم البسيطة , إنها ثقافة تختزن معارف شفوية متحصلة من مرويات من التاريخ الحي ومن الموروث الثقافي المعمي والمندرس , تاريخ الافراد والأسر والعشائر الذي لم يخضع للتدوين ولا درِّس يوما في المدارس , حكايات تناقلتها الألسن وأضافت لها الكثير , ومع كل اضافة يولد غرض مقصود وتولد وظيفة سردية للقص والحكي , ومع كل أضافة ــ أيضا ــ تتولد حكمة عملية , ففي السالفة الشعبية عنصران : ثابت وهو الأصل , وعنصر متغير متبدل بحسب ظروف الحكي , وهذا ما يميزها عن الروايات التاريخية .   والسالفة الشعبية حكاية راهنية ؛ تعتمد على الموقف الذي تلقى فيه , فهي من هذه الجهة حكمة مناسباتية , فقد تعجب من قدرة بعضهم على استحضار حكاية لكل موقف يمر به  ويتطلب تأييدا أو تعزيزا أو رفضا أو تهكما أو تساؤلا أو اندهاشا أو تلميحا أو غمزا أو تعدلا أو تشذيبا . ثم أنها ــ أي السالفة الشعبية ــ لها من الشروط ما قد يعجز أرباب الثقافة المدنية على الإتيان بها , والإيفاء بمتطلباتها , ففي تلك المجالس والدواوين والمناسبات لا يعتد بحديث من لا يمتلك الطلاقة في اللسان , والصوت القوي , والقدرة على الإتيان بالتوريات والاستعارات والتشبيهات والجدية العالية والتحسس لما يفعله الآخرون , وفوق كل ذلك القدرة على الاختصار غير المخل , وهذه الخاصة الأخيرة تمثل لب البلاغة الشعبية , فكثيرا ما تعجب للشخص منهم وهو يأتيك بالمعاني الوفيرة , ويصل الى مقصده في كلام قصير دون عنت أو افتعال أو تقصير في ايصال الفكرة المطلوبة . والخاصية الأخرى التي تسم السالفة الشعبية تتمثل في اعتمادها كثيرا على الصمت والحذف , فللصمت حكمته فيها , فهو لغة تعد أبلغ من الحكي هناك , فأن  تصمت فإن ذلك يعني أنك تضمر ما لا يتوقعه الآخرون , فقد يكون أخطر من كلامهم , وللصمت حكمته البليغة ودلالته الموحية بمعان تنوء اللغة بحملها , فكأن الصمت استهزاء بكفاية الصوت أو تقليل من شأنه , وقد استثمرت الحكاية الشعبية الصمت بطريقة عجيبة , فمما يروى من ( السوالف ) المنسوبة الى الشخصية الشعبية المشهورة علي آل صويح نجد أن الصمت يبلغ أضعاف الحكي لا سيما في حكمياته مع الشيخ حمد آل حمود , وكما للصمت دوره فإن للحذف في السالفة الشعبية دوره الكبير أيضا , فمما يعاب على المتحدث في مجتمع الحسجة الاستطراد وكثرة التفاصيل , لذلك تجد المتحدثين الذين يجيدون السوالف هناك يتوخون الاختصار والابتعاد عن التفاصيل , فلربما إجابك أحدهم بكلمة واحدة لكنها مغنية , وقد تختصر مواقف ومشاهد بأكملها بلفظة أو لفظتين . ومما يميز السالفة الشعبية ابتعادها عن المباشرة , فالمتحدث لا يأتيك بالألفاظ على حقيقتها بل يوظف من أجل ذلك التوريات والكنايات والاستعارات والمجازات , فهو لا يميل إلى الأسلوب المباشر , ومن لا يجيد هذه الطرق والفنون في الحكي قد يتعرض إلى مواقف محرجة في مجالس أهل الريف . وللأسباب المتقدمة فإن تلك الحكايات تعتمد على الكنايات كثيرا , فقد يختصر لك أحدهم قصة طويلة بكناية واحدة , كأن يصف احدهم بأنه : صاحب دلة أو مضيفه عامر , أو بابه مفتوح للخطار , كناية عن الكرم , وألطف ما في الكنايات الشعبية حينما تختصر المواقف المحرجة والأحاديث المرذولة , فيقال : وصخ لسان , أو حجي ما يتسولف , أو حجي ما ينسكت عليه .   وللأسباب التي ذكرت أيضا فإن علامة السالفة الشعبية البارزة تتمثل في التوريات الكثيرة , والتورية هي أن تحمل كلمة أو جملة معنيين أحدهما أقرب إلى الذهن لكنه غير المقصود، والثاني بعيد إذ أنه المقصود , فقد لا يحصل المتلقي على إجابة محددة لو أنه طلب من أحدهم شيئا , فلطالما يورِّى بكلمة : الله كريم التي لا تفيد السامع معنى محددا , ومما يشابه ذلك من توريات , كثرة استعمالهم لمفردات من قبيل : ( سهلة , ماشي , نشوف , يصير خير ) , وغيرها , لذلك كثيرا ما تتماهى الحكاية الشعبية مع موضوعها , فالريفي لا يحب الجدل والتعنت والإطالة فإن تخاصم فإنه لا يكتم خصومته ؛ يحسم أمره مسرعا بالمصالحة أو المنازعة , وإن أعجب بسيء ما يعلن عن حبه دون تسويف , لذا جاءت أحاديثه متوائمة مع أفعاله تباشر معناها دون لف ودوران . ومما تقدم يمكن القول إن السمة الحكمية التي تمتاز بها السالفة الشعبية متأتية من توافر مجموعة من العناصر : العمق في التفكير , والاختصار , وترك التفاصيل , واستعمال فنون البلاغة من تورية وكنايات واستعارات وتشبيهات ومجازات , فضلا على العناصر الذاتية للمتحدث : قوة الشخصية وكارزميته وموقعه الاجتماعي ..      
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق