]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

للموصلِ تُقرعُ الأجراس

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-10-31 ، الوقت: 15:26:25
  • تقييم المقالة:

للموصلِ تُقرعُ الأجراس

 

محمد الحداد / العراق

تضيقُ المدنُ كثيراً في عينيكَ أحياناً وتصغر..لكنها قد تتسعُ بالمعنى وتكبر حتى لكأنها تغدو أوطاناً شاسعة لا حدَّ لها..ثمة أماكن كثيرة تتمددُ بجسدها فوقَ الخرائط بترهلٍ كسول ولا تكادُ تشغلُ من ذاكرةِ الحضورِ حيزاً يُذكر لكن ثمة أماكن أخرى ترسمُ خرائطها في الرأسِ قبلَ الأرض وتظلُّ تومضُ فيهِ شئتَ أم أبيت مثلَ سرابٍ بعيد لواحةٍ مستحيلة تظلُّ أبداً تنبضُ بالحياةِ في ذاكرةِ بدويٍّ أصيل..

أحاولُ اليومَ أن أستدرجَ قلمي لأكتبَ عن الموصلِ تحديداً وعن نصرها الذي تكادُ بشائرهُ تلوحُ في الأفقِ القريب..أريدُ أن أكتبَ فيها كلاماً يُشبهها هيَ أكثر مما يشبهُ أيّ كلامٍ آخر فهل ستعينني لغتي على ذلك؟ ها أنا ذا أتوسلُ أصابعي كي تطاوعني هذه المرة كما طاوعتني من قبل مع مدننا التي عادت تِباعاً إلى أحضانِ الوطن فهل تراني سأفلحُ في ذلك أيضاً؟

بعضُ المدن تُذكّركَ عنوةً بعطشِ الحنينِ إليها حتى وإن لم تكن قد رأيتها من قبل..هي التي تحيلكَ إليها رغماً عنك بسطوةِ حضورها الآسر الذي تظلُّ تستأثرُ بأسرارهِ مثل تميمةٍ مقدسة.

هي أم الربيعين..الحدباءُ والفيحاءُ والخضراءُ والبيضاء..قالَ عنها أحدُ عشاقها : أرضٌ يحنُّ إليها مَن يُفارقها..ويحمدُ العيشَ فيها مَن يُدانيها

وأنتَ تُمعنُ النظرَ في جمالِ الموصل وهدوءها الساحر ستظلُّ تسألُ نفسكَ بِحيرةٍ وعجب: هل هذه مدينة حقاً أم وطنٌ مصغّر؟ كيف تمكنتْ هذهِ المدينة أن تصهرَ في بوتقةٍ واحدة جميعَ الأديانِ والمذاهبِ والطوائفِ والقوميات كأنها جسدٌ واحد؟ ستبصرُ فيها المساجدَ والكنائسَ والمعابدَ والأضرحة والمقاماتِ جنباً إلى جنب..وعلى المستوى الشخصي أعتز كثيراً أن ليَ مع الموصل حفرياتٍ خالدة من عبقِ المكان وسحرهِ نقشتْ آثارها بإصرارٍ عنيد في تلافيفِ الذاكرة ولا يمكن لها أن تُمحى أبداً بعد أن قضيتُ فيها بضعة سنواتٍ أثناء خدمتي العسكرية في مخمور والحمدانية وبرطلة والكوير وغيرها من الأماكن.

لكن بماذا ستسعفكَ الذاكرة حقاً وأنتَ تحاولُ بيأسٍ لذيذ أن تصفَ مدينة عصية على الوصفِ مثلَ الموصل؟ مدينة يكفي أن تتهجى حروفَ اسمها حتى تطلُّ عليك فوراً من شبابيكِ الذاكرةِ بوجهها الباذخِ الجمال مثل عذراءٍ فاتنة يزيدها الحياءُ جمالاً فوقَ جمالها..الموصلُ هذهِ من أوائلِ مدائن الأرض ولا تزالُ حتى اليوم تستأثر "بخلافِ سواها" بعبقِ الطينِ الأول الذي فَخرَتهُ يدُ الإلهِ على هذهِ المعمورة..لا تزالُ تنثرُ أسرارها الأزلية بسخاءٍ نادرٍ في دروبِ العابرين..مدينة عُجنتْ تربتها برائحةِ الأنبياءِ وسحرِ التاريخ وروعةِ الجغرافيا.. فيها ترقدُ منذ فجر البشرية أجسادٌ طاهرة لأنبياءِ الله : شيت ويونس وجرجيس ودانيال.

بمجردِ أن تطأ قدماكَ تخومها حتى تُلوّحُ إليكَ من بعيدٍ لتدخلَ أبوابها المواربة أبداً على عبقِ التاريخ..ستسابقكَ هي إليها وتقفز نحوكَ فوراً وهي تحملُ بيدها دِلالَ قهوتها الساخنة..ستذهلكَ نيرانُ كرمها التي لا تنطفئ تحتَ قدورِ مضائفِ عشائرها الضاربة عميقاً في الجذور.

سيسحركَ في الموصل همسُ خريرِ نهر دجلة العذب "عاشقها الأزلي" الذي يتهادى بغنجٍ وسكونٍ نحوَ معشوقته "الموصل" ليغازلها ويداعبَ برقةِ العاشقين ضفتيها "خديها" الغافيين منذ الأزل وكأنهُ يفعلُ ذلك لأولِ مرة..لكنهُ بمجردِ أن يُلامسَ جسدها حتى يتحدّب سريعاً وينحني خجلاً من سحرِ جمالها قبل أن يندلقَ سريعاً مع سحرِ الغروب كزائرٍ خفيفِ الظل يلملمُ خجلهُ سريعاً ويلقي عليها بسلامٍ تحية المساءِ والوداعِ معاً!

وأنتَ تبصرُ ذلك كلهُ ستسألُ نفسك سؤالاً لا جوابَ له : وأنا أقلّبُ عينيَّ في مفاتنِ هذه المدينةِ الساحرة مرةً بعد مرةٍ هل تراني رأيتها حقاً؟

هذهِ هي الموصل المدينة والتاريخ والجغرافيا فماذا عن نصرها القريب الذي تنتظرهُ منا وننتظرهُ منها؟

قبل عامين ونصف تقريباً كان قدَرُ الموصل أن تقعَ أسيرةً بيدِ مغولِ هذا العصر الذين عُبّئتْ رؤوسهم حدَّ القرفِ بكل الأوضارِ والذنوبِ والأوساخ التي تساقطتْ من قوافلِ الموتِ والخراب والدم التي مرتْ يوماً فوق هذهِ الأرض منذ نشأتها الأولى وحتى اليوم..حدثَ كل ذلك سريعاً حينما اقتحمتْ ديارنا تلكَ الوحوش البشرية التي قدمتْ من أقصى أعماقِ الدهور وهي ترفعُ الموتَ لواءً لها وزحفتْ نحو المدن مدججة بعقولٍ مفخخة بكل أوهام التاريخ والعقائدِ وأحقادِ العهودِ الغابرة من أجل أن تعيدنا من جديدٍ لعصورِ غيابِ العقل والارادة..

تجرأتْ وحوشُ الظلام هذهِ أن تبتلعَ الموصلَ هذهِ المرة بعد أن ابتلعت مدناً أخرى قبلها..كان ذلك التنظيم قد بدأ يبسط نفوذهُ بسرعةٍ سرطانية بعد أن وجدَ لهُ موئلا خصباً شجعهم على التمدد سريعاً نحو أماكن أخرى..

هل تُراكم سمعتم من قبل بلصوصِ التاريخ؟هل قرأتم عن مزوري الجغرافيا؟هذا ما حدث بالفعل حينما تجرأ هذا التنظيم الدموي وبكل صلفٍ ووقاحة أن يأخذ التاريخَ معهُ رهينة ويجرهُ عنوةً نحو صحرائهِ القاحلة التي لا حدودَ لاتساعها ثم بدأ بإعادةِ كتابةِ تاريخٍ غريب قذفهُ بمهانةٍ فوق خرائط جغرافيةٍ أكثر غرابة رَسَمها بيدهِ وفق هواه أو لعلهُ ألحقَ جغرافيا الوهم التي كان يخفيها في كهوفٍ مظلمة داخل رأسهِ إلى ذلك التاريخ المسروق ثم بدأ يطالبُ العالمَ كلهُ بعد ذلك ألا يرى إلا ما يراهُ هو بسُلطةِ الموتِ والدم التي كان يطمعُ أن يبتلعَ بها العالم كله..

لكنَّ عمرَ الكوابيسِ قصيرٌ دائماً فكان لابدَّ من صحوةٍ تنفضُ رَمدَ النومِ عن العيون..إذ دقّتْ ساعة الانعتاق وأشرقت شمسٌ جديدة وبدأت جيوشُ التحرير زحفها الأسطوري لتسحقَ تلك الوحوش وتطهرَ الأرضَ مما علقَ بها من أدرانهم ولن يطولَ الوقتُ حتى تكسر الموصلُ كل قيودها لتعودَ من جديد إلى أحضانِ الوطن كما عادت قبلها مدنُ كثيرة..وحينها سنقرعُ أجراسَ النصرِ عالياً .

ثمة علاقة وطيدة ربما لا تخلو من الغرابةِ أيضاً بين بعض الأماكن وبين بعضِ الحروبِ المصيرية الكبرى التي تندلعُ فيها..أحياناً تقطفُ حربٌ ثمارَ نصرها على أرضِ مدينةٍ ما فتهبُ تلك المدينة بسخاءٍ نادرٍ خصيصتها المتفردة لتضاعفَ قيمة ذلك النصر إلى الحدِّ الذي يطغى على أسم تلك المدينة ويغدو أكبر منها لكن ربما يحدث العكس أيضاً حينما تمنحُ الحربُ هذه المرة خصيصتها لمدينةٍ ما..فيُنسى النصرُ ويظلّ أسمُ المدينةِ عالقاً في الذاكرة إلى الأبد..لكني أكادُ أجزم أن الاحتمالين يمكنُ أن يحدثا معاً في معركة تحرير الموصل لدرجةٍ لن يعود بوسعنا أن نعرف حقاً مَن وهب بسخاءٍ تلك الخصيصة لِمن؟ وربما لن نعرفَ بعدَ ذلكَ أيضاً هل ستكبرُ الموصلُ أكثر بنصرها القريب أم سيكبرُ النصرُ أكثر بالموصل؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق